رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

البحث عن منطقة اليقين

الثلاثاء - 30 حزيران( يونيو ) 2020

أحمد حميد 

في المدينةِ القديمة وسطَ النجف، ترى الموتَ والحياةَ بعينيك، فالموتُ والحياةُ في تلك المدينة، لا يفصل بينهما سوى شارعٍ واحد،  شارع الطوسي. 
في العقدِ الأخير ترددتُ كثيراً على النجف، حتى ظنَّ البعض بأني "نجفي" لكثرةِ تنقلاتي بين أزقتها ومدارسها الدينية.
ذاتَ ظهيرةٍ متجولاً في تلك المقبرة، رنّ هاتفي، المتصل كان الصديق مصطفى عبادة (مدير تحرير صحيفة العالم البغدادية)، وكان وقتها يزورُ قبرَ والدهِ في ذكرى الأربعينَ يوماً على رحيله. أكد لي أنهُ رمقني عبرَ نافذةِ سيارتهِ أسيرُ بين مقابرِ وادي السلام. علماً أن مدفنَ جميع أمواتي من الأهلِ والأقرباء في مقبرةِ مدينةِ كربلاء، لجهة انتمائنا المناطقي للمدينةِ الأخيرة. 
سنواتٌ عدة لم أكتشف سرَّ شغفي بالنجف، لماذا كلما يضيقُ صدري أتجهُ إليها.؟ لماذا إياي لا يهدأ إلا عند سكونياتها.؟ لماذا شكوكي وأسئلتي تضمحلُ بيقينياتها.؟ الجوابُ فجأةً يأتي من عميقِ دواخلي: أنك تبحثُ عن الحقيقةِ واليقين، ووحدهُ الموت من يجيبُ على تلك الأسئلة، ويؤمنكَ من روعِ القلق، كما وحدهُ القاهر لفلسفةِ الوجود بخلود العدم. فالموت الى جانبِ المرضِ والفقر، يشكلُ الثلاثية القاهرة للإنسان، التي ما لبثتْ حتى أرّقتْ نزقَـهُ وأحابيلَ غروره.
أعتقدُ في الإيمانِ والإلحاد، خيارينِ فلسفيّينِ لا يمكن حسمهما إلا بعد طيِّ أشواطٍ كبيرة من العمر، عبر الحفرِ والبحثِ والتنقيب.
في سؤالٍ عرضي للداعية السابق (اللاديني الحالي) ضياء الشكرجي: كيف توصلتَ الى عقيدتك الحالية بعد هذا العمر الذي قضيتهُ في الإسلام؟ أجابَني بلغةٍ علميةٍ رفيعة: ٣٠ سنة ليست كثيرة على البحث الوجودي يا ابني. منطقية جوابية عالية، لكن مضامينها ليست حاسمة للماورائياتِ لدي، لهذا كثيراً ما تنتقدُ العلمنةُ الفكريةُ في العراق، المتفلسفة المحليّين بالوجودية الدينية، حيال عدم حسمِ موقفهم من الدين. وكأن حسمَ هكذا قضية سهلٌ الى هذا الحد. 
هؤلاء المتفلسفة وغيرهم من المنتفضين على القراءةِ الرسميةِ للدين، لن يحسموا موقفهم بالسلبِ من الفكرِ الديني بهذه السهولة، كيف يحسمونَ موقفهم منهُ سلبياً، وهو الوحيد الذي يُجيب على أسئلةِ ما بعد الحياة؟!، فالوجود بكل زينتهِ مزيفٌ، مادام الموت هو الحقيقةُ الوحيدةُ الفاعلةُ فيه.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي