رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

طائفية ساسة العراق وعنصريتهم

الثلاثاء - 30 حزيران( يونيو ) 2020

رياض سعد
الحلقة الخامسة / عائلة السويدي
الشيخ عبد الله السويدي
كان الملك نادر شاه يشعر بضرورة تفعيل حالة التراضي والمقبولية بين المسلمين بعد انتخابه ملكا لسببين:
الأول: وقف الحروب المستمرة بين الإيرانيين والشيعة والأتراك العثمانيين  الطائفيين، والتي كانت في أغلب الأوقات، تشتعل لأسباب طائفية وسياسية.
الثاني: لان الملك نادر شاه كان يحكم شعوبا اسلامية فيها عدة طوائف ومذاهب اسلامية مختلفة، فأراد أن يوحدها على قاعدة إرضاء جميع الأطراف بتقديم بعض التنازلات.
فقرر نادر إقامة مؤتمر في النجف لعلماء المسلمين ودعا له علماء المسلمين كما مر انفا...، وجعل الشيخ عبد الله السويدي المفتي العثماني في بغداد حكما بينهم، طبقا لإحدى الروايات, وعقد المؤتمر في رواق الحرم العلوي، حيث جلس العلماء سماطين وبدأ النقاش بينهم..., لكن من المؤسف أن نقاش هؤلاء العلماء تركز على قضايا جزئية كالمتعة والمسح على الرجلين وسب الصحابة وما شاكل ذلك، وبعد أن أوضح العالم الكربلائي السيد نصر الله الحائري – ولعله العالم المعروف بينهم والذي يمثل الاستثناء لما مر انفا -  أدلة ذلك من القرآن والسنة، ونفى أن يكون للشيعة منهج في سب الصحابة، وإنما يفعل ذلك أفراد لا يمكن ضبط تصرفاتهم كما هو الشأن في الطائفة السنية التي يوجد فيها افراد يسبون ويشتمون مقدسات الطرف الاخر، واقتنع الحاضرون بالأجوبة المقدمة. وتم التصالح بين الفريقين ورفع حالة التكفير واعتبر العلماء المذهب الجعفري مذهبا إسلاميا خامسا.
وقد كتب مقررات المؤتمر بعدة نسخ، أرسلت نسخة منها للسلطان العثماني ونسخة للشاه وأخرى لزعماء الأفغان، وأما النسخة الأصلية فقد أودعت في خزانة كتب الحضرة العلوية.
لكن ما يؤسف  له أن حكام الدولة العثمانية ورجالها الطائفيين رفضوا اتفاقية الصلح التي أبرمها والي بغداد أحمد باشا مع الشاه، وضربت بمقررات المؤتمر عرض الجدار...!
وخير شاهد على ذلك؛ كتاب (الحجج القاطعة لاتفاق الفرق الاسلامية) للسويدي والذي يكشف لنا مدى التحامل العظيم على الشيعة وعلى الملك نادر شاه؛ فقد وصفه بأقبح الصفات مثل الباغي الخارجي، وغيرها مع كل هذا الإكرام. وكما قال شاعرنا ابو الطيب: 
إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ ** وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا
 وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى ** مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى 
 فكل هذه المبادرات النبيلة والمساعي الحميدة ذهبت إدراج الرياح بسبب التعصب وعدم الميل إلى الألفة والوحدة والسلام, ولولا ما حال دونها من هذه التعصبات لأنتجت نتائج حسنة للمسلمين، نرى الى يومنا الراهن.
ومراجعة بسيطة لتاريخ الغرباء الطائفيين والدخلاء العنصريين في العراق تكشف لنا حقيقة هؤلاء اللقطاء والعملاء والشواذ والمجرمين والمرضى والمخربين؛ فهم لا يؤمنون الا بالعنف والقتل والغدر والفتك, والعنف كما هو معروف يعتبر لغة الجبناء والجهلة وضعاف النفوس, الا ان الحديد لا يفله الا بالحديد, وعلاج السفلة الهوان كما يقولون.
ومما انتقده السويدي على الخطيب السيد نصر الحائري أنه كسر راء عمر مع أنه إمام في العربية، وشتم السويدي في كتابه السيد الحائري أقبح الشتم مع أنه يمكن أن يكون لسانه سبقه إلى الكسر والإنسان محل السهو والنسيان، وإن كان إماما في العربية سيما في مثل ذلك المجمع العظيم المهيب, أو أنه لم يخلص الفتحة كما يقع كثيرا، فظهرت شبيهة بالكسرة فحمل السويدي سوء ظنه الشديد على أن ظن به تعمد الكسر - وحتى الدكتور علي الوردي اشار الى سوء ظن السويدي في كتابه لمحات اجتماعية/ ج 1-. ويروي السويدي عما حدث معه قائلا، ان الاعتماد سأله: كيف رأيت الخطبة والصلاة؟
فقلت: أما الخطبة فلا كلام فيها، وأما الصلاة فخارجة عن المذاهب الأربعة على غير ما شرط عليهم ان لا يتعاطوا أمرا خارجا عن المذاهب الأربعة؛ فأخبر الملك نادر شاه فغضب وأرسل له يقول: أخبر أحمد خان إني ارفع جميع الخلافات حتى السجود على التراب...؛ وعلق احدهما قائلا: يا عجبا للسويدي لا يرضيه عن الشيعة إلا أن يتركوا مذهب جعفر الصادق إمام أهل البيت ويقلدوا المذاهب الأربعة التي ليس مذهب جعفر دونها، إن لم يكن خيرها، والسجود على التراب جائز في المذاهب الأربعة، بل هو أفضل وأقرب إلى الخضوع لله تعالى، الذي شرع السجود لأجله، فكيف يمنعه نادر شاه ليرضي السويدي ومع كل هذا التشدد كيف يمكن اتفاق المسلمين الذي حاوله نادر شاه بكل جهده، فحال دونه أمثال السويدي.. وأرسل بعد ذلك السيد نصر الله الحائري ليكون إماما في مكة المكرمة، وأرسل معه هدايا إلى شريف مكة، فحاول أهل مكة الطائفيين قتله، بوشاية من السويدي، اذ سافر بنفس الوقت الى مكة للإيقاع بالسيد نصر الحائري، والفتك به من خلال اخبار السلطات العثمانية في تركيا والشام والحجاز بضرورة التصدي لإفشال مقررات المؤتمر، ومنها الاعتراف بالمذهب الجعفري، وأن يكون له محراب خاص وإمام في المسجد الحرام، وأن يكون من قبله أمير للحاج من طريق العراق، وهو يتولى إصلاح البرك والآبار من طريق زبيدة. اضمر هذا السويدي الحقد في نفسه وهي الصفة المعروفة لدى الشرذمة الهجينة الغريبة الحاقدة. واخذ يترصد للسيد نصر الحائري ويتحين الفرص حتى سافر السيد الحائري الى الحجاز، وكان اول امام جعفري يصلي في بيت الله الحرام. فقام السويدي ببعث الرسائل السريعة الى السلطان العثماني، فارسل الوزير التركي في جدّة الى الشريف مسعود - شريف مكة - يطلب منه تسليم الحائري له كي يقتله، فامتنع الشريف عن تسليمه، وقال: اني سأحافظ عليه الى أن اكتب الى دار الخلافة في استانبول، واتلقى جوابها فيما تأمر. فلم يرض الوزير التركي عن هذا الجواب، واتهم الشريف الى الميل الى المذهب الجعفري، اسرع الشريف فكتب الى السلطان في اسطنبول يخبره بالأمر، ويطلب منه الرأي فوصله الجواب من خلال السلطان خلال مدة قصيرة، يأمره بإلقاء القبض على الحائري، وتسليمه الى امير الحج الشامي اسعد باشا العظم، ففعل الشريف ما امره السلطان به وحمل الحائري مخفورا مع اسعد باشا الى الشام، وسجن هناك في قلعة دمشق، وبعد مدة يسيرة طلب الحائري الى اسطنبول فحمل مخفورا اليها. و يبدو أنّ الشريف مسعود - [والكلام  للمؤرخ علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية/ ج1, وقد اشار الدكتور الوردي ايضا الى تورط السويدي في اغتيال الحائري فراجع] - شعر بحرج  شديد عقب هذه الحادثة، وربما بلغه ما اشيع عنه الى الميل في المذهب الجعفري فأمر بلعن الرافضة على المنابر لرفع وازالة التهمة عنه.
وقد فرح الطائفيون العثمانيون من حاشية السلطان واستغلوا الفرصة، ولم يراعوا ان السيد الحائري ضيف عندهم، وله حق الضيافة. وجيء به من الحرم اعزل من السلاح، فوثبوا عليه وقتلوه ومزقوا بدنه وقطعوا اعضاءه - وقيل مات مسموما - وعندما علم السلطان العثماني بذلك اغتاظ لان هذه غدرة, والغدر لا يليق بالإنسان العادي، فضلا عن سلطان المسلمين، اخذهم وقتلهم واحرقهم..., وقيل ان للسلطان يدا في مقتل السيد الحائري الموسوي العراقي - يعتبر من عشيرة ال فائز وجد السادة ال نصر الله الكربلائيين -؛ وقيل أنه دفنه بالقرب من والده خان في إسطنبول واضحى مزارا يتبرك به. وقيل غير ذلك. وقد هلك الشيخ عبد الله السويدي بعد رجوعه من مكة في اثناء الطريق، فذهب الى لحده غادرا طائفيا، بينما ارتحل السيد الحائري الى ربه شهيدا وحدويا. وبعد اغتيال السيد نصر الله، لم تبذل أي جهود لمتابعة السياسة التقريبية، وانهار المؤتمر التقريبي الوحدوي كليا، بعد اغتيال نادر شاه في عام 1747، ومع كل هذا الحقد والغدر والعداء واصل علماء المسلمين من اتباع ال البيت دعواتهم التقريبية في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. وطالما رفعوا شعار: (اخوان سنة وشيعة)، الا ان افاعي الطائفية لا تعيش الا في جحور الظلام وكهوف الغدر.
ان الغدر والفتك والخيانة صفة متأصلة في نفوس هؤلاء المرضى الطائفيين, والغدر كما هو معروف من طباع اللئام, ولا تعد هذه الصفة من الخسة والنذالة فقط بل هي مرض نفسي كما اكد ذلك بعض خبراء علم النفس والعلاج النفسي؛ اذ يوضح هؤلاء المختصون أن سوء التعامل مع الناس وعدم إقامة علاقات سوية بينهم وتدهور هذه العلاقات إذا ما قامت أصلاً، إنما لا يرجع إلى مجرد صفات اجتماعية نصفهم بها كالغدر. وإنما هي تصل لحد المرض النفسي اللعين، والداء الاجتماعي العتيق. إنه السيكوباتية.
ويشدد المختصون على أن من أهم ما يتميز به الشخص السيكوباتي في تعاملاته الاجتماعية مع الناس من حوله بغض النظر عن درجة قربهم منه، هو سلوكه الفج والعنيف أحياناً، وميله للتجسس على غيره، وسعيه على الوقيعة بينهم إن استطاع، بجانب عدم وفائه بأي وعد يعد به، وعدم اكتراثه بمشاكل الآخرين، إضافة إلى أنانيته المفرطة وميله الشديد والمستمر لتحقيق نفعه الشخصي ومصلحته الخاصة فقط لا غير؛ ومراجعة تاريخية بسيطة لتصرفات وسلوكيات الشرذمة الطائفية الهجينة والبعثيين وابناء القرى الرعيان...؛ تؤكد لنا وبما لا يدع مجالا للشك انهم مصداق جلي لكل تلك الاعراض المرضية.
وان استمرار وجود هؤلاء المرضى في المجتمع العراقي من دون ايجاد حلول ناجعة وعلاجات حقيقية تقضي على امراضهم وعقدهم الطائفية والاجتماعية والنفسية، كفيل بتدمير وتخريب بنية المجتمع العراقي بل وتعريض العراق الى خطر التقسيم والاضمحلال والذوبان في حدود الدول المجاورة.
 انتهى..

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي