رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

أصولية حلال ... أصولية حرام

الثلاثاء - 30 حزيران( يونيو ) 2020

علي غالب بابان

 من يتمعن في المشهد العالمي الراهن، يلاحظ ان الجائحة وما ترتب عليها قد قاد الى وحدة في الاحساس البشري بين اتباع مختلف الاديان، والى استنتاج مفاده ان ما يحدث هو عقاب إلهي لبني البشر. ونجد هذا بشكل خاص عند اتباع الديانات الكبيرة الثلاث: اليهودية، المسيحية والإسلام. مواقف الزعماء الدينيين وتصريحاتهم في خطبهم ومواعظهم واستطلاعات الرأي العام تؤكد ذلك، ربما تكون النتيجة الابرز هي ما كشف عنه استطلاع لرأي الجمهور المتدين في الولايات المتحدة، حيث تبين ان ثلثي الامريكيين الذين يمكن وصفهم بالمتدينين يعتقدون ان فيروس كورونا هو عقاب من الله، ورسالة منه للناس لكي يغيروا نمط حياتهم.
الدكتور (روان ويليامز) رئيس اساقفة كانتربري السابق يقول ان هذا الوباء "اثار لحظة روحية تاريخية"، بعد ان لاحظ انخراط اناس كثيرين في التدين، وارتفعت معدلات شراء الكتب المسيحية. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال قفزت مبيعات الكتاب المقدس 55 بالمائة. يقول (روبرت جيفرس) وهو احد القادة الانجيليين المفضلين عند الرئيس ترامب: "جميع الكوارث الطبيعية يمكن ان تعزى في النهاية الى الخطيئة". احد علماء المسيحية وهو (بيلي بريويت) الف كتابا بعنوان (فيروس كورونا في نبوءة الكتاب المقدس)، وفيه يذكر "ان هذه هي علامات الله التي قد تطلق انتقامه من الجنس البشري". ينشر في البلدان المسيحية ما لا حصر له من المقالات والدراسات والتعليقات التي تتعلق بهذا الموضوع والتباين واضح في طريقة تناول هذه القضية والاستنتاجات التي ينتهون اليها. وهناك مدرسة تحاول (تبرئة الله) على حد وصفهم من فعلة الحاق العقاب والضرر ببني البشر، طبقا للتصور والايمان المسيحي بالله، كما يوجد تركيز على (فعلة المثلية) بشكل خاص عند البعض، وان الله غاضب من هؤلاء القوم، وان مايحدث هو عقاب بسبب "انفجار ظاهرة المثلية في دول الغرب". غير ان هذا الامر يطرق على استحياء هناك نظرا للقوة السياسية والاجتماعية الهائلة التي بات يتمتع بها هؤلاء والحماية القانونية التي نالوها والتي تمكنهم من اشهار سلاح التشهير بوجه كل من يعترض عليهم. كما ان اي زعيم سياسي انما يغامر بمستقبله اذا صدر منه ولو تلميح يمس هؤلاء الشواذ.
في العالم المسيحي يوجد قدر كبير من الغموض وطيف شاسع من التنوع والاختلاف عند مناقشة هذه المسائل، وان كانت فكرة العقاب الالهي هي محور ذلك كله وقضيته الرئيسية.
وفي ما يتعلق باليهود، فلا يبدو الامر مختلفا حول المحور الاساسي، وهو العقوبة الالهية، لكن الخلاف في التفاصيل، اذ ان صورة الخالق ومفهومه مختلفة تماما في اليهودية عنه في المسيحية.
الحاخام (ارييه ليبو)، يعتقد ان الله يعاقب البشرية حتى يتم بناء الهيكل الثالث (على انقاض المسجد الاقصى)،  اما الحاخام (مئير مزوز) وهو شخصية شهيرة في اسرائيل، ورئيس سابق لاحد الاحزاب الدينية المتطرفة لليهود (السفارديم) الشرقيين، يرى ان انتشار المثلية الجنسية هو سبب تفشي كورونا كعقاب إلهي وهو يعتقد ان الدول العربية، نجت من هذا العقاب الالهي لانه ليس لديهم هذا الميل الشرير (يبدو انه ينظر الى ارقام الاصابات في غزة والضفة الغربية حيث انها بسيطة ولا تكاد تذكر اذا قارناها بمثيلتها في اسرائيل)، ويتحدث مزوز عن مواكب المثليين والتي يطلق عليها (مواكب الفخر) والتي تقام في اسرائيل كما كل الدول الغربية تقريبا قائلا: (ان موكب الفخر موكب ضد الطبيعة وعندما يعارض شخص الطبيعة فان من خلق الطبيعة ان تنتقم منه).
اود ان اشير الى ثلاث مسائل مرتبطة بهذا الموضوع، اعتقد انها مما ينبغي ان يلتفت له.
الاول/ ان العالم لا يزال في بداية حقبة الحوارات والمناظرات، ولم يتبلور الامر بعد الى بروز حركات او توجهات اجتماعية او شعبوية، يمكن ان نعتبرها (توبة مجتمعات)، او تحركات ذات زخم نخبوي او جماهيري تسعى لإدخال تعديلات جذرية على نمط فكر وسلوك هذه المجتمعات. وقد يرى البعض ان هذا الامر طبيعي وانه قد يتطور مع مرور الوقت واستمرار الجائحة في حصد ضحاياها ليأخذ شكل صور ونماذج اخرى كإعلان مجتمعات او جماعات توبتها او تغيير انماط حياتها.
الثاني/ انه على عكس الغموض الذي يلف النقاشات الدائرة خارج العالم الاسلامي حول هذه المواضيع وقضية العقاب الالهي منه على وجه التحديد، فان الصورة مختلفة تماما في عقائد المسلمين، وطبقا للقرآن الذي يزودنا بنظرية مفصلة ومتكاملة على امتداد سوره واياته، لما يمكن ان نطلق عليه (نظرية العقوبات الالهية لبني البشر). وفي هذه النظرية اجابات شافية على من تقع العقوبات، ومسؤولية الفرد والجماعات في وقوع النوازل والعقوبات، وما الهدف والحكمة منها. ومتى تنزل بالافراد والمجتمعات. وما صورها وصيغها. وما المخرج منها. الى اخر ما يمكن ان يرد من تساؤلات حولها، ولعل من ابسط المبادئ التي يتعلمها المسلم من ايمانه (واعلموا ان الله شديد العقاب وان الله غفور رحيم).
الامر الثالث الملفت للانتباه هو انه بينما نجد ان هذه النقاشات مزدهرة في الغرب، نجد انها تطرق على استحياء في العالم الاسلامي، ومن الواضح ان السبب في ذلك هو الضغوط الفكرية والسياسية التي تسلط على التيار الاسلامي، وعلى دعاة الاسلام؛ حيث يمكن ان يلوح بتهم (الاصولية) و(التخلف الفكري) و(التعصب) و(عدم الانسانية) لكل من يتطرق لمفهوم العقوبات الربانية او يتحدث عنها او يشير الى انها تضرب المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، وربما اعتبرت بعض النظم فكرة ان الله ينزل العقوبات بالناس في المجتمع الذي تحكمه على انها تعريض بتلك النظم وبأهليتها وممارساتها؛ فأفعالها منزهة وهي تقوم بواجباتها تجاه شعوبها بما يرضي الله! وبالتالي فان فكرة نزول العقوبات الالهية على مجتمعاتها، تعد تنديدا خفيا بها لا يمكن القبول به.
هكذا نرى اليوم اصولية حلال.. ومسموح بها في العالم المسيحي واليهودي.. واصولية محظورة ومدانة في بلاد المسلمين.
وصدق الله العظيم، اذ يقول عن بلدة نينوى:
(فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ).

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي