رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2467

عملية سياسية شديدة الغباء..!!

الأربعاء - 1 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

تدارس علماء اللغة وخبراء الذكاء الخطابات المكتوبة والمنطوقة لعدد من رؤساء الولايات المتحدة الامريكية ثم انتهوا الى نتيجة مفادها: جورج بوش الابن هو الاكثر غباء بين رؤساء امريكا عبر تاريخهم وبيلي كلينتون هو الاشد ذكاء. 
كيف تمكن هؤلاء الباحثون من هذا الاستنتاج الخطير..؟  الجواب عندهم كان سهلا.. استخدمنا معيار الذكاء اللفظي واحتسبنا عدد المفردات التي استخدمها كل رئيس فكانت النتيجة ان كلينتون جاء في بداية السباق باعتباره حائزا على اكبر ثروة لغوية واوسع حجم من المفردات، كما يتضح من خطبه، بينما كان جورج بوش الابن هو الرئيس الاكثر خيبة بالعدد الاقل من المفردات.
اجراء اختبارات الذكاء من خلال قياس الثراء اللغوي وجزالة الالفاظ والمعاني والقدرة على استخدامها ووضعها في السياقات المناسبة وكذلك احتواء الحديث او الخطاب على ما يعرف بالمفردات المعقدة، كل ذلك صار امرا معروفا يستخدم على نطاق واسع في علم النفس، وممارسة معتادة للباحثين في مجالات دراسة الذكاء وقياسه. وقد تم طرح سؤال علمي مفاده: هل يمكن الحكم على ذكاء شخص من خلال مفرداته..؟ وكان الجواب بالإيجاب في كل تلك الدراسات. 
الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ عندما اختار خليفة في الارض   و(مفهوم الخلافة في الارض مفهوم اسلامي عظيم لم ينل حقه من الاهتمام والتوضيح في وعي الامة وادراكها)، واختار ادم وذريته لهذه الخلافة، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فقد تساءل الملائكة ولم يعترضوا (حاشا لله) عن سر هذا الاختيار .. (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، فان الباري عز وجل علّم آدم الاسماء كلها وعرضهم على الملائكة (فَقَال أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، ولأمر ارادته مشيئة الخالق، فقد بز ادم الملائكة في قدرته على حفظ تلك الاسماء واستذكارها كما تفوق عليهم في امتلاكه لتلك الثروة اللغوية والقدرة على التعلم، وهي الصفات التي أهلته لحمل مسؤولية الخلافة في الارض.
وبما اننا في كل ما نكتب ونفكر.. لا بد لنا في اخر المطاف من اسقاطه على احوالنا في العراق.. فالسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو ما مستوى ذكاء العملية السياسية في بلادنا؟ وما مستوى ذكاء رموزها؟
لو اجرينا دراسة احصائية وحسبنا عدد الالفاظ والمفردات والتعابير المستخدمة في هذه العملية السياسية لربما توصلنا الى (نتيجة كارثية) تجعل من غباء جورج بوش الابن (عبقرية نادرة الحدوث) لو قورنت بها، مفردات ضئيلة.. وصغيرة لا تتعدى العشرين او الثلاثين.. هي زاد وزواد تلك العملية المتخلفة التي كتب علينا (كعقاب من الله) ان نعيشها ونتابع اخبارها. ومصطلحات بالية لا تتعدى اصابع اليد الواحدة يلوكها الساسة صباح مساء حتى ملت اسماعنا منها، وكاني بالجواهري الكبير يصف هؤلاء حين يقول:
وميتين على ما استفرغوا جمدوا 
 ويتساءل المرء: الا يتطور هؤلاء؟ الا يتحفونا بلغة سياسية جديدة؟ الا تعلمهم التجارب شيئا غير الذي تعودوا ان يسمعونا اياه؟ ألا تغنيهم الحياة ببعض المفردات الاضافية؟
سبعة عشر عاما عجاف، كتب علينا فيها ان نسمع مصطلح (المحاصصة) في اليوم عشر مرات يردده ساسة من هذه الضفة او تلك، دون ان نعلم لحد الان تعريف علمي محدد له، ولا ندري ما هو فرقه عن مصطلح (التوازن بين المكونات)، او نسمع تعبير (سيادة القانون) و(محاربة الفساد) و(تاكيد هيبة الدولة)،  (احترام السيادة الوطنية) و(نزاهة الانتخابات)، دون ان يكلف ساستنا انفسهم عناء ان يضيفوا لها ولو سطرا واحدا، يمكن ان نحتفل به ونعتبره اختراعا جديدا.
تكرار ممل. وتهافت في المنطق. واسفاف مزعج. ومحدودية تثير الشفقة. والغريب ان هذا الامر يجري في البلد الذي علم العالم الابجدية.
قال لي صاحبي وهو يمازحني... لو احتسبنا نضج العمليات السياسية في العالم بالمستويات الدراسية   واعتبرنا الساسة العراقيين طلابا في سنواتها. ففي اي مستوى دراسي تضع رواد العملية السياسية عندنا؟
قلت له بالصف الثاني الابتدائي. قال: الا ترى انها كثيرة عليهم. اجبته انا لم اكمل كلامي بعد. طلابا في السنة الثانية بمدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة.
وصدق الله العظيم اذ يقول:
(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي