رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2489

المجرب لا يجرب

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020

محمد عبد الجبار الشبوط

٤. وشاعت ايضا عبارة "المجرّب لا يجرّب" ونسبت بمعناها الاطلاقي الى المرجعية الدينية، زورا وبهتانا، والمرجعية بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف. 
وقبل اماطة اللثام عن الالتباس الذي وقعت فيه هذه العبارة، اشير الى ان شيوعها بالشكل الذي اشيعت فيه دليل على وجود خلل حاد في طريقة تعاطي الجمهور مع "الاحاديث" المنسوبة الى المرجعية. وهو خلل مركب من عدة عناصر. فقد اقتطع "الحديث" من سياقه الاصلي ووضع في سياق اخر مخالف، وتمت اعادة صياغة المعنى الجديد بطريقة مختلفة، واخيرا فُهم الحديث وطبق خارج السياق الذي قيل فيه. وهذه هي نفس الامراض التي ظهرت في التعامل مع احاديث الرسول (ص) بعد وفاته. وهو مرض يتعلق بالتلقي والفهم والتفسير والنقل والتطبيق. رهذا مرض او خلل حاد يصيب "العقل الجمعي" للمجتمع، كما يعبر گوستاف لوبون في كتابه الشهير "روح الجماعات"، ونقيضه حسن التلقي وحسن الفهم وحسن التفسير وحسن التطبيق وحسن النقل.
اصل النص ورد على لسان السيّد الصافي في خطبة صلاة الجمعة في يوم 29 آب 2014م وكان خطابا موجها للكيانات السياسية وليس لجمهور الناخبين وهذا نصّه : (نحثّ الكيانات السياسية المشاركة في الحكومة أن لا تجازف بإعطاء المواقع الوزارية أو غيرها الى من لم يقدّمْ خلال الفترات السابقة خدمةً للشعب ، بل تفسح المجال لمن تتوفر فيه المعايير السابقة فإنه : "من جرّب المجرّب حلّت فيه الندامة").
 ثم اعادت المرجعية التذكير بالفكرة وليس بالنص في خطبة يوم ٤ مايس من عام ٢٠١٨ حيث جاء فيها: "فالعبرة كل العبرة بالكفاءة والنزاهة، والالتزام بالقيم والمبادئ، والابتعاد عن الاجندات الاجنبية، واحترام سلطة القانون، والاستعداد للتضحية في سبيل انقاذ الوطن وخدمة المواطنين، والقدرة على تنفيذ برنامج واقعي لحلّ الأزمات والمشاكل المتفاقمة منذ سنوات طوال. والطريق الى التأكد من ذلك هو الاطلاع على المسيرة العملية للمرشحين ورؤساء قوائمهم ـ ولا سيما من كان منهم في مواقع المسؤولية في الدورات السابقة ـ لتفادي الوقوع في شِباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين، من المجرَّبين أو غيرهم."
وواضح ان النص الثاني لا يتضمن عبارة "المجرّب لا يجرّب". وقد يرد عليّ القارئ ان النص الذي صاغه الجمهور وتداوله واشاعه يعبر عن نفس الفكرة والمفهوم، اذاْ المهم هو الفكرة وليس الكلمات التي صيغت للتعبير عنها. وهذا الرد صحيحا اذا كان هذا واقع الحال، لكن الامر ليس كذلك، فقد تم توظيف النص بطريقة "التعميم" وليس بطريقة "التخصيص" كما هو اصل النص سواء في عام ٢٠١٤ او في عام ٢٠١٨. وهذا هو "الخلل الثقافي" الذي نتحدث عنه. فالمجرّب المذكور في خطبة عام ٢٠١٤ هو "مَنْ لم يقدّمْ خلال الفترات السابقة خدمةً للشعب". والمجرّب المذكور عام ٢٠١٨ هو من كان من "المخادعين من الفاشلين والفاسدين". وهذان قيدان في التوصيف يمنعان من اطلاق عبارة "المجرّب لا يجرّب"، وكيف تطلق المرجعية هذه العبارة وهي تقرأ قول الامام علي: "في التجارب علم مستأنف"، وقوله "التجارب علم مستفاد". والعلم هنا يفيد في حالتين: مجرّب فاسد لا يولى ثانية، ومجرّب صالح يستفاد من تجربته. لكن العقل الجمعي اغفل عن هذا، وراح ينادي بعدم اعادة تولية كل من تولى في وظيفة في الحكومات السابقة. وهذا تعميم لا اصل له من الناحية العقلية، والعملية، ولا اصل له من حيث الرواية المنسوبة الى المرجعية. لا يهمني ان رغب الجمهور بإعادة تولية المرشح الصالح او لم يرغب، فهذا امر لست بصدده، لكن ما يهمني هو التأكيد على "الخلل الحضاري" المتمثل في سوء التلقي وسوء الفهم وسوء النقل وسوء التطبيق وسوء الترويج الذي وقع فيما يخص هذا القول الذي نسب بكل نواحي السوء هذه الى المرجعية الدينية واستخدم سلاحا. مع ملاحظة ان الجمهور تراجع في نهاية المطاف وقبل بالمجرّب ولم يكرر عبارته الملتبسة: "المجرّب لا يجرّب"!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي