رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2489

العراق.. لن نرفع الراية البيضاء

الأحد - 5 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

كل ما في المشهد العراقي اليوم يثير الاسى ويصبغ النفس بالكآبة، والاخطر من هذا وذاك انه يقود الى اليأس والإحباط، بالقطع ليست الخسارة في الثروات والارض والانهار والارزاق.. ولا بالمكانة الضائعة للدولة، لكن المصيبة الاعظم هي في الانسان العراقي الذي تلقى طيلة العقود الخمسة الماضية من الضغوط ما تنوء به العصبة اولي القوة.  
نتلفت حولنا فماذا نرى؟ اشلاء مجتمع.. وركام دولة.. وبقايا امة.. مشهد اجتماعي بائس.. ومشهد سياسي يائس.. واقع اقتصادي مريع.. والاخطر من هذا كله المشهد الثقافي الذي قد نعزو اليه الامر كله، فهو عند كل ذي بصيرة السبب فيما نعيشه ونتلظى به.
لا أدري ماهي المشاعر التي كانت تعتمل في نفس الجواهري وهو الوطني الصادق عندما قال:
 فما بال كف القضا لا تدور 
على بلد ظل حتى اختزى 
واي يأس واحباط عظيم احاطت بمشاعره وهو يكتب كلمات بهذه القسوة.. واذا كان الجواهري قد وصف حال البلد بتلك  (الحقبة الملائكية)، بانه بلد بالغ في الضلال، حتى بلغ درجة الخزي، فما تراه كان سيقول لو عاش ايامنا هذه.
لكن الشاعر لم يصل لهذه المرحلة من استعجال العقوبة، وطلب التدخل من كف القضا الا بعد ان نهش الالم نفسه ودفعه ليصف حالته قائلا:
انا عندي من الاسى جبل 
يمشي معي وينتقل  
الحزن.. ثم الياس.. وطلب استنزال العقوبة.. مراحل مر بها الشاعر، لكننا ننتظر منه موقفا اخر. 
نتساءل بصوت عال: هل كان غزو بلادنا عام 2003 هو الذي قاد الى الحالة الكارثية التي نحن عليها اليوم في هزيمة نفوسنا وانسحاق احاسيسنا؟ هل يقطن فينا شعور بالأثم و نستبطن احساسا بالذنب لا نريد البوح بهما، وهما ما يوجهان اعمالنا طيلة السنوات العجاف التي مرت منذ ذلك التاريخ؟
امير المؤمنين علي بن ابي طالب يقولها بوضوح: "والله ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا".
رائد علم الاجتماع العربي ابن خلدون يقول: "الشعوب المقهورة تسوء اخلاقها". وهو نفسه الذي يعلمنا: "الظلم مؤذن بخراب العمران". وكانه يعيش معنا ويحدثنا عن واقعنا المعتل حين يذكر "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدا في عصور التراجع الفكري للمجتمعات".
اذا صح ان نطلق لفظ جدلي على المجتمعات، كما نطلقها على الافراد فان العراق وطن جدلي controversial
 يمكن ان يختلف حول امره الباحثون والدارسون.
من جهة اخرى فهو unpredictable فما ان تصدر حوله حكما، حتى ترى ما لم تتوقعه، وما يقلب حساباتك تماما.
التاريخ العراقي امامنا.. من كان يظن ان تقوم للعراق قائمة بعد ان انطفات حضاراته القديمة وتساقطت امبراطورياته العريقة التي قامت على ارضه، اما بسبب الغزو الخارجي او بسبب الحروب الداخلية؟  
من كان يعتقد ان العراق سينهض مجددا بعد سقوط بغداد، على يد المغول، حيث نقل لنا رواة التاريخ صورا عما حدث في ذلك اليوم المهول، فقد كان الغازي المغولي يقول للعراقي: اجلس في مكانك هذا ولا تبارحه لاني ساذهب لاجلب السيف لاذبحك، فيعود المغولي شاهرا سيفه ويجد العراقي المسكين قابعا لم يغادر موقعه.. هكذا بلغت حالة العراقي انذاك، وللتاريخ فقد سبق غزو المغول لبغداد بعام واحد فقط (معركة الكرخ) التي وقعت بين السنة والشيعة والتي وصفها المؤرخون بانها كانت (مقتلة عظيمة) لكن العراق عاد للحياة بعد الهجمة المغولية، وان كان بمستويات مختلفة من العافية.
اما الجواهري الذي حمل اسى العراق كجبل يمشي معه وينتقل، والذي طالب بسرعة العقاب لبلد ضل، حتى اختزى، فانه عاد ليقول لنا:
سينهض من صميم الياس جيل 
شديد الباس جبار عنيد 
يقايض مايكون بما يرجى 
ويعطف ما يراد لما يريد 
هاهو التاريخ امامنا يحمل الشواهد تلو الشواهد على ان هذا الوطن الجدلي، لديه قدرة استثنائية على التعافي والتجدد، وان هذا البلد الذي يصعب التنبؤ بتمخضاته ومفاجآته، سيبهر الدنيا مجددا.
لاجل ذلك لن نرفع الراية البيضاء مستسلمين او محبطين.. ولن نصاب بالياس من ان بلادنا ستنهض من رقدتها.
نذكر العراقيين بوصية نبي الله يعقوب لبنيه:
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). صدق الله العظيم

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي