رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2489

الاطلالة على الدنيا من علو...!

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

كلما هممت بتشغيل جهاز الحاسوب خاصتي والولوج الى الشبكة العنكبوتية، والتجوال الممتع بين مواقعها كلما تخيلت نفسي اركب قمرا صناعيا يصعد بي الى الفضاء الخارجي لأطل على الكون من علو، وكأني اتحكم بمقود هذا القمر الصناعي فاطلب منه ان يهبط بي بهذا البلد او ذاك، أو أن يجول بي في شوارع هذه الدولة او تلك أو يجعلني استمع لسكان تلك القارة البعيدة، واتعرف على نمط حياتهم وأصغي الى لغتهم، واتعرف على همومهم. وقد صار كل ذلك وأشباهه متاحا لي بفعل غوغل ايرث، وترجمة غوغل، واليوتيوب، ووسائط التواصل الاجتماعي، وما سواها من إنجازات (حضارة الانترنت).
 هل تصدقون أني واحيانا في ساعات الليل المتأخرة يطيب لي ان أشاهد ما كتبته الصحافة في البرازيل،  او السنغال، أو غيرها. اما البلد الشقيق موريتانيا فقد صرت خبيرا في صحفه ومواقعه الإخبارية، ودائما أردد في نفسي دعونا نتعرف على (عوالم اخرى)، ونسبر أغوار الامم البعيدة، ونفهم كيف يفكرون، وماهي مشاكلهم واولوياتهم، وكيف تتفق او تفترق حياتهم مع حياتنا، فنحن في اخر المطاف ابناء ادم وحواء واحدة. 
اما الصحف الشهيرة التي يقدمها لك الانترنت على طبق من ذهب فهي بحد ذاتها (عوالم) قد لا يتيح لك الوقت المحدود ان تطلع على كل عطاياها، أو تقطف كل ثمارها، وعندما تدخل تلك المواقع يختلط عندك الاعجاب بالحسرة. الاعجاب بما عندهم، والحسرة على تواضع ما عندنا. وفي الواقع فنحن في العالم العربي (عيال) قياسا على ما عندهم. الشيء الوحيد الذي ينغص عليك  في هذه المواقع، هو عندما يقطعون عليك متعتك ويطالبونك باشتراك... بالطبع هذا من حقهم وإلا كيف يمولون مؤسساتهم، وهم يوظفون (جيوشا جرارة) من الصحفيين والاعلاميين المحترفين والمتمرسين. بعض هذه الصحف ذات اشتراك زهيد لا يكاد يساوي شيئا: دولار واحد أو نحوه لمدة شهر او شهرين، لكنك تتفاجأ بأن ما بعد الشهرين أمر آخر، والقوم يريدونك ان تتذوق من الحلاوة طرفاً، ثم تعتاد عليها وتصبح مدمنا لا تستطيع مفارقتهم، وهم في كل ذلك معذورون بالطبع. 
في بريطانيا تقدم لشغل منصب في وزارة الخارجية ثلاثة افراد: الاول يحمل تأهيلا رفيعا في العلوم السياسية. والثاني يعمل في السياسة الداخلية وله فيها خبرة. أما الثالث فقد اخبر لجنة الفحص بانه يقرأ الفايننشال تايمز منذ سنوات، ويتابع اخبارها وتحليلاتها. وقع اختيار اللجنة على الثالث. 
عندما انتهت الألفية الثانية، وولجنا الى الالفية الثالثة، أرادت إحدى مؤسسات الأبحاث التي تدرس اراء الناس وافكارهم ان تجري بحثا وطلبت من المستجيبين للدراسة ان يختاروا كلمة واحدة تلخص لهم ما يعتقدون انه يمثل الالفية الفائتة، طبعا تباينت اجابات الناس؛ بعضهم كتب كلمة (جنس) والبعض (امريكا) واخرون اختاروا مفردة (رأسمالية)، (وبالطبع لو اجري هذا البحث في وقتنا لكانت مفردة كورونا قد اكتسحت الجميع، غير ان مفردة اخرى ترددت ايضا وهي (انترنت).
تطورات الانترنت وتطبيقاته الجديدة في السنوات الاخيرة زادت هذا الانجاز البشري فائدة وإثراء، وقدمت للباحثين، وحتى للمستخدمين العاديين تيسيرات لا حدود لها، صارت الثقافة والمعلومة في متناول من يطلبها، واختزنت الحقائق ولم يعد يستطيع احد اخفاءها او منع انتشارها.  عندما كنت طالبا في الجامعة بمطلع السبعينيات من القرن المنصرم كنت احلم بكتاب جامع لأحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم، يضم كل احاديثه مع رواتها وطرقها المختلفة وتخريجاتها واقوال العلماء فيها في كتاب واحد نقتنيه، واتساءل في نفسي كيف يقصر المسلمون في مشارق الارض ومغاربها عن انجاز كهذا يحفظ ميراث نبيهم وتوجيهاته...؟ اليوم صارت مثل هذه الامنيات وراءنا. 
ربما لا اكون مبالغا اذا قلت ان ترجمة غوغل وما سواه من وسائل الترجمة الالكترونية، لا تقل في اهمية انجازها عن انجاز الانترنت ذاته. اليوم لم تعد هناك ثقافة مغلقة وصار العالم يعلم بعضه بعضا ويتبادل التجارب والمعارف. ولن توجد بعد اليوم مشكلة في التعرف والافادة على ما عند الامم الاخرى وما هو مكتوب بلغاتهم. لكن الانسان عليه ان يحلم وان يتخيل... وكما يقول البيرت اينشتاين "ان العلامة الحقيقية للذكاء ليس كم المعرفة بل هي القدرة على التخيل". فدعونا نتخيل جهازا يتم تركيبه على الفم وبه درجات او ازرار فإذا اردت الحديث بالانجليزية وضعته على رقم واحد، واذا اردت الفرنسية وضعته على رقم اثنين، وهكذا باقي اللغات. ومثل هذا الجهاز وبنفس فكرته تضعه على الاذن فيقوم بترجمة الكلام لك. وهكذا تملك لغات الارض كلها. وربما لا يكون الحصول على مثل هذين الجهازين امرا صعبا في ظل التطور العلمي الحاصل وخصوصا ان فكرته واضحة وقد تعتمد على ترجمة الذبذبات الصوتية وهي مسالة قد يكون العالم قد قطع 99 بالمائة من الشوط لها. ولا أدري فربما تكون مثل هذه الاجهزة موجودة اصلا ولكن معلوماتي المتواضعة لم تمكنني من السماع بها.  ازمة كورونا الاخيرة كشفت اهمية حضارة الانترنت فالتعليم وكثير من الانشطة تتهيأ للتحول الكامل الى (الأتمتة)، ولم يعد ما يخشاه العالم هو انقطاع التيار الكهربائي، (وطبعا هذا لا ينطبق على اوضاعنا في العراق) بل صار الخطر ان تعجز احمال شبكة الانترنت عن الوفاء بالاستخدام الواسع لها، ولذلك نجد ان توسيع قدرة الانترنت صار الشغل الشاغل لكثير من الدول. الانسان يحدث نفسه في سره.. واحيانا يردد كلمات وجمل معينة معروفة...  يحدث هذا للأسوياء وليس للمختلين.. ولا اكتم سرا انني عندما استخدم الانترنت واحصل على معلومة محددة، أو اقوم بطباعة نص او كتاب كامل منه، او الجأ الى ترجمة غوغل للتعرف على بعض النصوص غير العربية، فإني غالبا ما اردد في نفسي ما هذا العز...؟ واحمد الله واشكره على هذه النعمة. فعلا هو (عز حقيقي) للباحث، والصحفي، والمتعلم، وطالب المعرفة، والمتحري عن الحقيقة، والمنقب في التاريخ...   وكثيرون غيرهم. واسفا على العراق...  وعلى مواطن بلادي المحروم من هذا كله، والذي يشوي الحر جلده، وهو بسبب الخدمة المتخلفة للانترنت، والفاسدون الذين يهربون السعات، بات معزولا الى حد كبير عن حضارة الانترنت وعن عطاياها العظيمة. 
وصدق الله العظيم اذ يقول 
(قال الذي عنده علم من الكتاب انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما راه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني اشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي