رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2489

المحكمة الاتحادية.. من القانون إلى المشروع

الأربعاء - 29 تموز( يوليو ) 2020

د. محمد صباح علي*
(2 ـ 3)
ثالثا: صياغة قانون جديد للمحكمة الاتحادية
   تنفيذا لنص المادة (92/ ثانيا) من الدستور، الذي ألزم أن يسن قانون للمحكمة الاتحادية العليا بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب؛ لتلافي التعارض بين قانون المحكمة الاتحادية رقم 30 لسنة 2005 وبين ما نظمه الدستور في مواده المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا، تم تقديم مشروع قانون منذ أكثر من عشر سنوات إلى مجلس النواب لغرض التصويت عليه، والعمل بموجبه، وإلغاء قانون المحكمة المختصر الذي لا يعد موائما لعمل المحكمة ويعبر عن اختصاصاتها الجديدة، إلا أن وبسبب عدم التوافق السياسي، واعتراض الكتل السياسية على مشروع القانون بسبب انضمام خبراء بالفقه الإسلامي مع قضاة المحكمة سبب تخوفا لدى مكونات الشعب الأخرى والأقليات من حيادية قانون المحكمة فيما إذا تم التوافق عليه، علاوةً على الصراع البارد بين السلطة التشريعية والمحكمة الاتحادية العليا، الذي دعا المجلس ولأكثر من مرة الى قدح حيادية المحكمة ووصفها بأنها تحابي السلطة التنفيذية على حسابها، بالإضافة إلى قرارات المحكمة التي أتت لاحقا بحرمان المجلس من اختصاصاته الدستورية في اقتراح القوانين، والقوانين ذات الجنبة المالية، والاعتراض على المنهاج الوزاري المقدم من الحكومة، ثم عدلت لاحقا عن موقفها من اختصاص المجلس الأصيل في الاقتراح، ثم توالت أكثر فأكثر المخاوف من سن قانون للمحكمة الاتحادية وفق الصيغة المقدمة للمجلس، ليؤيد الرفض الباحثون والمهتمون بالشأن القانوني ومنظمات المجتمع المدني، ما أطاح بمشروع القانون جملةً وتفصيلاً، لينتقل به إلى الحفظ داخل أدراج مجلس النواب، نتيجة الاختلافات السياسية، وتخوف بقية المكونات من فقرات المشروع غير الحيادية، وقرارات المحكمة المختلفة والمتفقة مع رأي السلطة والنفوذ، ما أطلق على مشروعها بأنه نسخة من قانون مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني - الهيئة الاستشارية العليا له - المشكلة بموجب المادة (112) من الدستور الإيراني. 
ومن مجمل تلك الاعتراضات السياسية، والأخرى المتعلقة باستقلالية المحكمة، وآلية تشكليها، لم يتم التوصل إلى قانون جديد للمحكمة بديل عن القانون النافذ. ومن ثم وعلى مدى خمس عشرة سنة تمارس المحكمة أعمالها استنادا إلى قانونها سالف الذكر، وزاد الأمر سوءا، فجوة الخلافات التي اتسعت بين المجلس والحكومة الذي قتل أي مبادرة لتعديل القانون بسبب الأطماع السياسية التي كان ضحيتها الشعب، وهدر الدستور وعدم احترام ما جاء بنصوصه.
رابعا: تعطيل عمل المحكمة الاتحادية العليا
  بتاريخ 16/3 / 2020 فاتحت المحكمة الاتحادية العليا بموجب كتابها ذي العدد ٢٢/ ت.ق/ ٢٠٢٠ فــي ١٦/ ٣ / ٢٠٢٠، السيد رئيس الجمهورية لغرض سحب المرسوم الجمهوري الخاص بتعيين القاضي المتقاعد السيد (محمد رجب الكبيسي)، عضوا أصليا في المحكمة وإعادته إلى التقاعد، وتضمن طلب المحكمة بموجب الفقرة الثانية من كتابها آنف الذكر من الرئيس الاستعانة بالأعضاء الاحتياط المعينين بموجب مراسيم جمهورية، من أجل اكمال تشكيل المحكمة وتسيير شؤونها الدستورية، لحين صدور قانون المحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليه في المادة (92/ ثانيا) من الدستور، أو تعديل المادة (3) من قانونها رقم 30 لسنة 2005، وبالرجوع إلى المادة (3) من قانون المحكمة آنف الذكر نص على ((تـتكون المـحكمة مـن رئـيس وثـمانـية أعـضاء يجـري تـعيينهم مـن مجـلس الـرئـاسـة بـناًء عـلى تـرشـيح مـن مجـلس الـقضاء الأعــلى بــالــتشاور مــع المــجالــس الــقضائــية لــلأقــالــيم وفق مـــا هـــو مـــنصوص عـــليه فـــي الـــفقرة هـ مـــن المـــادة الـــرابـــعة والأربـــعين مـــن قـــانـــون إدارة الـــدولـــة للمرحلة الانتقالية)). وبإمعان النظر في ما جاء بالمادة آنفة الذكر، فانها لم تشر إلى وجود أعضاء احتياط في المحكمة، ولم تبين آلية تعيينهم. بل استندت على الآلية المنصوص عليها في الفقرة (ه) من المادة (44) من قانون إدارة الدولة العراقية الذي نص على ((... ويقوم مجلس القضاء الأعلى أولياً وبالتشاور مع المجالس القضائية للأقاليم بترشيح ما لا يقل عن ثمانية عشر إلى سبعة وعشرين فردا لغرض ملء الشواغر في المحكمة المذكورة. ويقوم بالطريقة نفسها فيما بعد بترشيح ثلاثة أعضاء لكل شاغر لاحق يحصل بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العزل. ويقوم مجلس الرئاسة بتعيين أعضاء هذه المحكمة وتسمية أحدهم رئيساً لها. وفي حالة رفض أي تعيين يرشح مجلس القضاء الأعلى مجموعة جديدة من ثلاثة مرشحين)). وبناءً على ما جاءت به المادة عملت المحكمة الاتحادية العليا على سد الشاغر الذي كان يحدث في نصابها من اختيار الأعضاء الاحتياط من قضاة محكمة التمييز المستمرين في الخدمة، ويستعاض عنهم بآخرين إذا ما أحيلوا إلى التقاعد. وكانت تتم العملية بانسيابية ومرونة ودون البحث في الآليات القانونية، ومراجعة النصوص القانونية التي تسمح للمحكمة بذلك من عدمه؛ لربما كان السبب هو لكون رئيس السلطة القضائية هو نفسه رئيس المحكمة الاتحادية. ويعمل على استدعاء أي قاضي من محكمة التمييز ليكون عضوا احتياطيا في المحكمة. والآن وبعد إلغاء المحكمة الاتحادية صلاحية مجلس القضاء الأعلى بترشيح قضاة المحكمة استنادا إلى المادة (3) من قانونها، يرافقه انعدام نص قانوني صريح وواضح يعمل على ترشيح قضاة المحكمة سواء الأصليين أو الاحتياط، أصبحنا أمام فراغ دستوري وقانوني يمنع المحكمة من انعقادها وأداء عملها وفقا للدستور والقانون. وبات تحقيق طلب المحكمة الوارد بكتابها سالف الذكر ضربا من الخيال، ولن تولد المحكمة الاتحادية إلا من خلال مجلس النواب، وعن طريق تشريع قانون المحكمة المنصوص عليه في الدستور، أو المضي بتعديل قانونها عن طريق نص قانوني يملأ الفراغ الذي أوجدته المحكمة الاتحادية العليا، وتطيل عمل المحكمة، وهذا يمهد إلى ولادة جديدة للمحكمة بثوب جديد، بعد أن أنهى حياتها من أحياها أولا، في وقت بالغ الصعوبة، وبوقت أزمة كانت أعين الشعب تتجه إليها.
• رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي