رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 13 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2491

سياسة احتواء فصائل اللادولة

الأربعاء - 29 تموز( يوليو ) 2020

د. سامان سوراني  

بعد تراكم حلقات الفشل الحکومي خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب تحکم السياسة التقليدية والدين السياسي العاجز وغير المؤهل إدارياً بمستقبل ومصير العراق، وبعد تدهور الوضع الاقتصادي والخدماتي بشکل مزر اندلع في تشرین من العام 2019 حراك احتجاجي يقوده شباب مغترب عن كل أنواع الايديولوجيا والمنتمي لفكرة الوطن المرتجى والحق المستلب في بغداد ومحافظات الجنوب بهدف التغيير وإبعاد المنظومة السلطوية الفاسدة وإنهاء الشبكات الزبائنية القابضة على عنق الدولة. 
هذا الحراك الشعبي الذي تمکن بديمومته وثباته وسلمیته وتنظيمه المحکم أن يفرض على السياسيين سماع صوته، لم يكتف فقط باستقالة رئیس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي، بل أصر علی "تنحية جميع رموز الفساد" في حکومته. 
وحتی حکومة السيد مصطفی الكاظمي، التي جاءت نتیجة هذا الحراك والمظاهرات والإنتفاضة العراقية غير المتحزبة، تلك التي فرضت واقعا جديدا في العملیة السياسية، لكي یکون هناك رئیس وزراء عراقي غیر تابع للأحزاب الدينية أو لأية کتلة أو حزب سياسي آخر، رغم أن حکومته أتت أخيراً من رحم النظام الإثنو- طائفي أو مايسمی بنظام المحاصصة والمغانـمة الحزبية لتحقيق مصالح تلك الأحزاب، يری نفسه اليوم أمام نفس المعضلة أو الفخ الذي وقعت فیه حکومة السيد عادل عبدالمهدي. فالسيد الكاظمي اليوم، رغم المدة التي منحت لە لإجراء التغيير المطلوب وتحقيق المطالب الشعبية، غير قادر علی تحديد موعد لإنتخابات مبکرة ولا بإستطاعته الكشف عن أسماء قتلة المتظاهرين أو علی الأقل القيام بإلقاء القبض علی بعض منهم. 
فالخطوات التي قامت بها حکومته لإصلاح النظام السياسي، مثل فرض سيادة الدولة على المنافذ الحدودية والموانئ، ومنع سيطرة المتنفذين على المال العام وبعض التغييرات في مفاصل الأجهزة الأمنية، لا تعتبر کافية بالنسبة للمتظاهرين العطشی للحرية والأمن والإستقرار ليثبت من خلالها جدیته في تنفيذ مطالبهم. فإعادة احياء نظام حكم مستقر ومستدام وإعادة تشكيل مفردات السياسة الخارجية العراقية من أجل الدخول في تفاعلات أمنية واستراتيجية مع دول الجوار الجغرافي وتفعیل الدستور المعطل منذ عام 2010، وإيقاف الخروقات القانونیة وحل المشاکل العالقة بين إقلیم کردستان والحکومة الإتحادية بالحوار وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ الفصائل اللادولتية الموالية للقوی الإقليمية المنتهکة لهيبة الدولة، وعلی رأسها حزب الله، وسيطرتها علی الكثير من مفاصل الدولة وإبعادهم عن سلطة القرار العراقي والإسراع بتشريع قوانين تحمي حرية التعبير وتقديم الفاسدين للعدالة ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين هي مطالب مشروعة من قبل الجیل المنتفض، قد تؤدي تحقيقها وضمانها الی إلتفاف قاعدة إجتماعیة وجماهيرية وفاعلين سياسيين بل وحتی مثقفين عضويين حول حکومته.
هناك من يری أن حکومة السيد الكاظمي لا تبادر بإستیلاد الجديد ولا تمهد السبيل الی ذلك، فيوصفون زیارته الأخيرة الی طهران برحلة نحو المجهول وسط متغيرات عاصفة معلومة، باعتبار أنها كشفت عجزه الإدراكي لاستيعاب مفهوم السيادة الوطنية أو الدولتية. 
أما التخاذل والتواطؤ حیال أجندات خارجية مفروضة، بدل إقامة علاقات مع الفواعل الاقليمين والدوليين، بما يتناسب مع مصالح وقدرة العراق واستخدام أوهام ورقة الاحتواء الفاشلة بدل واقعیة سياسة التصدي الحازم والعودة الی التفاوض مع أقطاب الفساد وفصائل اللادولة والنخب السياسية التي نهبت ثروات العراق وساهمت في هدم بنائه بحجة استخدام سياسة الإحتواء بدلاً من تفكیك المنظومات الفاسدة، هو نوع من الإرضاء السیکولوجي للذات، قد يکون مآله الإستسلام وإنهاء مفهوم الدولة الوطنية لأمد غير محدود. 
فالمنظومات الفاسدة تعتبر سياسة الإحتواء، التي يريد السيد الكاظمي أن يتبناها، فرصة ذهبية لإعادة هیکلتها. فبواسطتها تستطيع العیش لمدة أطول وتمدد سلطتها وتنجح أخيراً في عملیة إحتوائها الحکومة لا العکس. 
إذا أراد السيد مصطفی الکاظمي أن ينجح في مهمته وأن لا تکون حکومته حکومة هدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، علیه أن يتخذ قراراته باسم العراق ودستوره وسلطته القضائیة وقوة المتظاهرين العراقيین لإنهاء مهزلة اللادولة، فإنه بحسب المعطيات الحالية سوف يجد آذانا صاغيَة ودعما كبيرا ليس فقط من جماهير العراق والجيل الشبابي المنتفض، بل من جميع بلدان العالم الحر أيضاً.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي