رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 13 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2491

العراق.. أزمات تتغذى ببعضها ..!!

الأربعاء - 29 تموز( يوليو ) 2020

علي غالب بابان

يبدو المشهد العراقي في لحظته الراهنة محفوفا بالمخاطر، ومشحونا بعوامل التفجر ، فضلا عن ظواهر التعقيد والتداخل والتشابك بين الازمات؛ فمن الواضح ان البلد يواجه ازمة سياسية عميقة، لها اكثر من وجه، وازمة اقتصادية طاحنة، باتت تهدد المواطن في قوت يومه، وازمة ثقافية اجتماعية ربما كانت بحق (ام الازمات) ومصدرها جميعا، ويصح وصفها بانها (البنية التحتية) لباقي الازمات. 
 على الرغم من ان العراق لم يغادر منطقة الازمات منذ عقود، الا ان هذه الازمة تبدو الاخطر وفق معايير ثلاث: الاول/ المعيار التراكمي، اذ تراكمت الازمات وتضخمت  وتعقدت وتشابكت وبلغت حدودا خطيرة. الثاني/ بروز العنصر المعاشي للمواطن وبلوغ الدولة حالة تقرب من الافلاس، فلم يعد المواطن يقيم وزنا للدولة التي لا يحصل منها في الواقع على اي شيء. والثالث/ ان الازمة الاخلاقية للنظام السياسي وقاعدته الثقافية هي في ذروتها وحالة افتقاد المصداقية تطبع المشهد كله ولا تتيح للقوى القديمة فرصة لاعادة تأهيل نفسها ولعب ادوار جديدة.
هذه الازمات باتت تتغذى ببعضها وتشكل كل منها وقودا للاخرى، وتضيف لها حدة واشتعالا. ومن هنا كان من الضرورة اللجوء لمنطق (تفكيك الازمة) وتحديد اولويات المعالجة قبل ان تخرج الامور عن السيطرة فيما هي اليوم قاب قوسين او ادنى من ذلك.
لعل من نافلة القول الاقرار بحقيقة ان العراق بحاجة للتغيير الجذري الشامل، وان كل محاولات الاصلاح والترقيع الداخلي، قد تجاوزها الزمن، ولم تعد تجد نفعا، وان الامر لم يعد يحتمل ان يأتي الشخص الفلاني من داخل النظام ليحل بدل الشخص العلاني، ولا ان نستبدل الحزب او الكتلة س بالكتلة ص، في مقاعد السلطة. الهوة بين قوى السلطة من جهة والمجتمع من جهة اخرى في اوضح صورها، وقد صارت من الاتساع والتجذر بحيث أصبح من المتعذر ردمها، ولم يعد هناك مناص من تغيير شامل يزيح تلك القوى بصورة تامة، ويمنعها من ممارسة ادوارها السابقة ويعيد تشكيل الوضع السياسي  بصورة تجعله يحظى، ولو بحد ادنى من القبول الاجتماعي.
اذا كان التغيير الشامل كلمة (جميلة على اللسان)  فانها كما يقولون (ثقيلة في الميزان)، فعلينا ان نقر ان قوى ومصالح المعادلة الحالية ليست على استعداد ابدا لمغادرة مواقعها، وهي تفكر في اكثر من سيناريو لاعاقة ذلك. وعلى الجانب الشعبي فان الامر لا يخلو من صعوبات ومعوقات، فالقوى والتيارات الجديدة الطامحة للتغيير تفتقد في عمومها التنظيم، مع عدم وجود قيادات واضحة تملك التجربة والتمرس الضروريين. كما ان الشطر الاعظم منها، ليس لديه تصورات محددة عن عملية التغيير، وهي بمجملها من العناصر الشابة التي تفتقر الى الخبرة.
الاوراق التي بيد القوى التقليدية عديدة، منها ابقاء البلد في وضع دستوري وقانوني متأرجح وضبابي، بحيث يعيق اجراء الانتخابات الموعودة، وقد يشتد الجدل ويحتدم حول قانون الانتخابات وطريقة توزيع الدوائر الانتخابية. وهنا قد نكتشف توزيعا متقنا للادوار، يضع فيه البعض اللوم على البعض الاخر، لكن الهدف سيكون واضحا: اعاقة الانتخابات واضاعة الوقت حتى يتم نقل الازمة الى مدارات جديدة،  واجهاض ذلك الاستحقاق الذي يحق لنا وصفه بانه (انتخابات بنكهة الانقلابات)، فالكل يتوقع فيها هزيمة ساحقة لقوى النظام القديم ـ فكرا ورموزا ـ لو توفرت لتلك الانتخابات السلامة والنزاهة اللازمتان.
لقد افصح الراي العام العراقي في ثورة تشرين وقبلها وبعدها عن رأيه في المجاميع الحاكمة بكل حسم ووضوح، وتبدو القوى القديمة في اضعف حالاتها غير قادرة على الحركة وعاجزة عن تطوير خطاب سياسي يحقق الحد الادنى من الاقناع والتاثير. كما ان منطقها وشعاراتها مستهلكا تماما. ومن جهة اخرى تتسع الهوة بين الحكام والمحكومين كل يوم، واصبح كل منهما وكانه يعيش في كوكب مختلف اخر.
هناك ايضا سيناريو الدفع باتجاه الفوضى وهو امر قد تلجأ له القوى المناهضة للتغيير؛ اذ يكفي اندساس بضع افراد في هذه التظاهرة او تلك، او دفع هذه المجموعة او غيرها لاستخدام السلاح والتخريب،  وهي امور لا تبدو انها بعيدة عن قدرة القوى التي تحكمت بالمشهد العراقي منذ عام 2003 ولا عن طبيعة تفكيرها.
 إن سيناريو الفوضى يبقى احتمالا قائما وبقوة، (ومرشح دائم للاحداث)، بعد ان بلغ اليأس والاحباط حدودا خطرة عند المواطن العراقي ووصلت المعاناة الى مستويات يصح فيها قول الزعيم السوفييتي ستالين "ايها العمال ثوروا فلن تخسروا سوى قيودكم"، وبالقطع فان سيناريو الفوضى يوفر مزايا عديدة للقوى المهزومة؛ فهي مبرر كاف لتعطيل الانتخابات، وهي فرصة لوصم قوى التغيير واتهامها ووضع اللوم على القوى الخارجية. وهنا يمكن ان يبرز اكثر من متهم، طبقا لمن يلقي الاتهام وميوله السياسية.
إن الفوضى هي اكبر عدو لمشروع التغيير الحقيقي، ويمكن ان تدخل البلد في دوامة مدمرة تحرق الاخضر واليابس. وهنا قد يمسك بزمام الامور من يملك السلاح ومن يقف وراءه من قوى اقليمية والتي ستصبح في ظل هذا السيناريو الكارثي صاحبة الكلمة العليا في الشأن العراقي، ولنا العديد من الشواهد وفي اكثر من ساحة عربية.
عيون العالم كله على الانتخابات الرئاسية الامريكية، والتي لم تعد بعيدة عنّا (فما يفصلنا عنها سوى اشهر معدودة). وعيون دول المنطقة كذلك ترقب تطورات واشنطن، وبالأخص ايران اللاعب الرئيسي على الساحة العراقية. وبالقطع فان حدثا كهذا ستكون له تداعياته الواضحة على الشأن العراقي: طهران تطمح بمغادرة الرئيس الحالي ترامب، وقدوم حكم الديمقراطيين الذين طالما اظهروا في الماضي استعدادا لعقد الصفقات مع طهران. وقد يكون من ضمن ذلك ترتيب اوراق الدور الايراني في المنطقة والعراق في مقدمتها. والعودة الى حالة التنسيق بين واشنطن وطهران في الشان العراقي و(المواجهة المحددة المنضبطة وتبادل المصالح). وهي الحالة التي ميزت هذه العلاقة بين الطرفين منذ عام 2003 وحتى قدوم الرئيس ترامب. وبالطبع فان عودة هذا التنسيق وابرام صفقة ايرانية امريكية حول العراق سيكون خبرا سيئا لقوى التغيير هنا، لكن المبالغة في تقدير اندفاع الديمقراطيين في واشنطن بهذا المسلك، امر يحتوي على مجازفة كبيرة في التحليل.
فيما تتفاقم الازمات وتتغذى بعضها ببعض وتقف السلطة في العراق شبه عاجزة عن مواجهتها، تحاول القوى التقليدية كسب مزيد من الوقت، وترتيب اوراقها وافشال مشروع الانتخابات المقبلة، وادخال العراق في حالة من الفراغ والضياع والفوضى وعينها على الدعم الخارجي وعلى علاقة اقل توترا بين واشنطن وطهران. 
يبقى الرهان على وعي قوى التغيير وفهمها لتشابكات الوضع الراهن، وقدرتها على افراز قياداتها ولملمة صفوفها، وطرح برامجها وحشد المجتمع العراقي وراءها. لا يوجد متسع من الوقت امام تلك القوى وعليها ان تغادر أنانياتها وتشددها الايديولوجي وانقساماتها الفكرية. وعليها الا تبيع مشروعها لاي دولة صغيرة كانت او كبيرة. ان المخاطر المحدقة بمشروع التغيير عديدة ومتنوعة. وان مساعي الاختراق والتشويه لن تتوقف، وليس هناك من مخرج من هذه الدوامة المتواصلة الا ان يصبح العراقيون وقواهم الحية (الرقم الصعب) الذي لا يمكن تجاوزه.
 ان سيناريوهات الفوضى والاشغال والانهاك والتشتيت تحمل مخاطر ينبغي التنبه لها، كما ان محاولات الاندساس والعرقلة وافراغ جهود التغيير من محتواها قد تطيح بالمشروع كله. العراقيون وحدهم القادرون على انقاذ بلدهم، واي مساحة من العمل الوطني يتراجعون عنها سيتم ملؤها من المشاريع الخارجية التي ستحوز الوصاية على الوضع العراقي لا سمح الله.
إن الرهان الاكبر على العراقيين والتحدي الاعظم يقع على عاتقهم ليس الا.
انها لحظة اختبار لوعي العراقيين ووطنيتهم وقدرتهم على تنظيم صفوفهم وتوفير مستلزمات النجاح لمشروع التغيير المنشود، الذي بات بارقة الامل الوحيدة امامهم.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي