رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 13 اب( اغسطس ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2491

المحقق كونان وقضايا الفساد العراقي

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020

محمد جواد الميالي

أولى مخاضات التجربة الديمقراطية، أنتجت أحزابا تبحث عن تعميق جذورها في الحكومة العراقية العميقة عن طريق تشعب أتباعها داخل المؤسسات الحيوية، ليهيمنوا على مقدورات الشعب من المال والتعيينات وحرمان المواطن من الخدمات، ما عمق وثبت مصطلح الدولة العميقة الذي ارتبط بحزبين لغاية اللحظة. ويدعي بعضهم أن أهم جذورهم كانت وتداً صلباً في القرارات القضائية.
السلسلة اللامنتهية في الفلسفة تتشابه مع سلسلة تبعية ارتباط الحقائب الوزارية والمناصب في الحكومة، بالتصاقها تباعاً بقادة الكتل والتيارات وفق ما تمليها عليهم ارتباطاتهم بالدول الإقليمية وقرارات السفارة، ليكونوا عبارة عن حلقات متصلة من الدمى في مسرحية يكتب الأقوى فصولها، ليقتنع بها الجمهور المضلل.
أخطر ما يخاف منه يتجسد في مقولة الإمام علي ـ عليه وأله أفضل الصلوات ـ حين قال "إذا فسد القضاء فسدت الأمة". هذه الحكمة توضح لنا أهم أسباب تراجع المجتمع العراقي بكافة مكوناته، بالإضافة إلى الهدر والفساد في المال العام الذي لو تم وضع العشر منه في موضعه الصحيح، لكان من الممكن أن تجعل المواطن العراقي، ممن يعدون أصحاب الدخل العالي في العالم.
العجيب ليس الفساد الذي نخر أروقة الحكومة فهو معتاد، وإنما ما نقل من تصريح لأحد للنواب، حين وضع المتابع للقضية العراقية في زاوية مظلمة، عندما نقل "قدوم ٢١ محققاً دولياً للتحقيق في قضايا فساد في جميع مفاصل الوزارات العراقية". وهذا يجعل دور القضاء والنزاهة في صندوق أسود، لأن طلب المساعدة من الخارج، يجعل من في الداخل يبدون وكأنهم لا فائدة ترجى منهم.
هذا يثبت الاتهام المتداول إعلاميا وشعبيا، بأن كل السلطات والمؤسسات في العراق تخضع للتحزبية المقيتة، لأن تصريح النائب يتزامن طردياً مع سبات الدورات البرلمانية السابقة، ويتناسب عكسياً مع الدور الرقابي لهيئة النزاهة، الذي يشبه دور المحقق "كوكوري" في الكارتون الياباني الشهير.. ذلك المحقق ذو الدور المؤسف في توجيه أصابع الاتهام للكل، ماعدا المجرم الحقيقي!
كثير من المشاركين في الحكومات المتعاقبة هم ممثلون بارعون، استطاعوا أن يجذبوا جزءا من الجمهور ويوهمهم بشعارات كاذبة على مدى سبعة عشر عاما. وربما سيتكرر لكنه هذه المرة بين جهل الشعب واستغلالية بعض الأحزاب. فالأثنان يشتركان بخراب الأمة. المنعطف الأخير لإحتجاجات تشرين وضع الجميع في خانة واحدة؛ إما مبادرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه والاتجاه نحو الإنتخابات المبكرة، أو انهيار كامل لمنظومة ما بعد ٢٠٠٣ الديمقراطية. العراق اليوم أمام تحد خطير، يفصله بين إنهاء وجود الدولة العميقة التي تمثل التيارات الفاسدة، وبين دولة المؤسسات التي نحلم بها. فإن فشلت هذه الحكومة في توجيه الضربة القاضية للفساد، ولم تستطع أن تكسر شوكته، عندها لن يكون لدينا سوى خيار اللجوء إلى المحقق كونان ليخرجنا من عنق الزجاجة، وينهي آخر آمالنا بعراق مستقل معاصر، لأن الحقيقة لو تجلت لناظرها ستملأ العراق دماً.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي