رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 22 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2516

يوميات لم يغطِها الغبار بعد

الثلاثاء - 11 اب( اغسطس ) 2020

يعرض الدكتور عبد الباسط تركي سعيد، في سلسلة مقالات، خصّ "العالم" بها، لمسيرته المهنية في رئاسة ديوان الرقابة المالية، خلال عشرة أعوام، مسلطا الضوء على كواليس عمل لجان الديوان الرقابية، وأسرار العقود الحكومية في مختلف وزارات الدولة.
وبينما ينوه الدكتور سعيد بجهود تلك الأعوام، يجيب بصراحة استثنائية عن السؤال الازلي العالق في ذهن كثير من العراقيين: لماذا وصل البلد لهذا المستوى من الفساد المالي والإداري الذي نعيشه في الدولة العراقية؟ عبر إضاءة الحقائق، التي يرى من حق الجمهور، ان يطلع عليها.

د. عبد الباسط تركي سعيد*
(نحن والمنظمات الدولية) 
(6)  
ابتداء في العام 2004، تم تفعيل اتفاق كان قائما بين ديوان الرقابة المالية والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والذي يتضمن تقديم الدعم الفني عبر إقامة دورات وورش تدريبية لكوادر الديوان، وقد صادف مع مباشرتي المسؤولية في الديوان، الحاجة لعقد اجتماع بمديري هذا البرنامج في عمان, لم يكن لي سابق معرفة بتفاصيله فقد كان للمرحوم احسان غانم رئيس الديوان الذي سبقني دورة في تأمين هذا البرنامج. استفسرت من القسم المعني في الديوان عن طبيعة هذا البرنامج، فقد كان ضمن منحة مقدمة للعراق لتطوير وتقوية الأجهزة الرقابية فيه وتنمية القدرات الإدارية للأجهزة الحكومية, فوجدت أن البرنامج لم يزل في بدايته حيث سبق أن عقد اجتماعاً بروتوكولياً جرى في عمان للاحتفال بإطلاق البرنامج. وهكذا لم يكن لدينا تفاصيل أكثر من ذلك. 
عقد الاجتماع، وتعرفت إلى رئيس البرنامج، وكانت امرأة فاضلة كندية الجنسية سورية الأصل (من المهاجرين الأرمن), وحضر الاجتماع رئيس ديوان المحاسبة الأردني وأمينه العام السيد مصطفى البراري (والذي أصبح لاحقاً رئيسا للجهاز) وعدد من المدراء المتخصصين في التدريب. لم يكن لدى زملائي في الوفد العراقي الأوليات التفصيلية لما طرحته مديرة البرنامج فقد بينت عدد الدورات التي ستقام وطبيعتها والتخصصات التي ستستهدف بالتنمية. سألت زملائي إذا كانت الأمم المتحدة قدمت هذا البرنامج للعراق، فما هي طبيعة تواجد ومشاركة الإخوة في الجهاز الأردني؟ أبلغوني أن هذا ما تم في الاجتماع الأول، وهذا الاجتماع هو استكمال له, بعد أن شكرت الإخوة الأردنيين على كرمهم واهتمامهم برعاية البرنامج، توجهت الى مدير البرنامج  بالاستفسار مباشرةً حيث لم تكن إجابة زملائي كافية لإزالة هذا اللبس, فقد تفاجأت من استفساري عن دور الجهاز الأردني بذلك (رغم مودتي وتقديري حقيقة الى هذا اليوم لهذا الجهاز، والذي لم يبخل بكل إمكاناته لدعمنا).
قالت: إن ديوان المحاسبة الأردني شريك في البرنامج. عند ذلك أصبح من غير المناسب الدخول في مناقشة الامر أكثر بوجود الاخوة الأردنيين مع كل ما يتمتعون به من خلق رفيع وكريم وضيافة. طلبت من المدير الاطلاع على تفاصيل موازنة البرنامج وطبيعة الدورات المستهدف إقامتها من خلال البرنامج, فزاد استغرابها حيث ان الانطباع الذي تولد لهذه الجهات أن العراق متلقٍ فقط، وأصبح مألوفاً أن لا يعترض كثيرا على مثل هذه العلاقة. 
فكانت هذه فرصة لطلب الاجتماع معها والوفد العراقي فقط، وهكذا كان. وعند بدء الاجتماع طلبت منها توضيح طبيعة العلاقة مع الديوان الأردني، قدر تعلق الامر بالبرنامج. فقالت أنه يتمتع بقدرات متقدمة ومفيدة في مجال تدريب الكوادر العراقية، وبشكل خاص في مجال (تقويم الأداء). فقلت اذا كان الامر كذلك، وأن البرنامج هو بين الأمم المتحدة والعراق حصراً, فيتم تكليف الجهاز الأردني بإقامة دورة في مجال تقويم الأداء للكادر العراقي, وليس أبعد من ذلك. 
طلبت الاطلاع على تفاصيل البرنامج ومناقشته فقرة فقرة، والمبالغ المتوقع إنفاقها على كل برنامج (للكوادر التي تقوم بالتدريب)، عند ذلك أدركت مدير البرنامج بجدية الجانب العراقي, فأوضحت لها أن العراق لم يبدأ من فراغ، رغم أنه شبه منقطع عن العالم الخارجي، منذ العام 1980 وأن المطلوب تفعيل هذه البرامج لردم الهوّة بيننا وبين ما وصل اليه العالم. 
ولذا فقد تم تعديل البرنامج ليشمل تدريب مدربين، وليس الكوادر فقط، وهنا أصبحت المدير أكثر اندفاعاً وحرصا على إنجاح البرنامج، وقامت باستبدال الخبراء المساعدين لها من العاملين بالأمم المتحدة بشباب أكثر فاعلية وحركة، وأعدنا مراجعة كامل البرنامج ونجحنا في أن نهيئ كادراً تدريبياً مناسباً لإقامة دورات مشابهة في العراق، وتشمل القيام بتدريب الجهات الحكومية المعنية وليس كوادر الديوان فقط. 
طبعاً، المنظمات الدولية ليست بعيدة عن وجود الفساد أو استغلال الفرص لمنافع شخصية, لكن التجربة أثبتت لي أن تعاملهم يعتمد على الطرف العراقي وجديته في القضية التي يشترك فيها معهم. 
فإذا كان يفهم أن هذه المساعدات تؤمن الإيفادات والترويح بجزئها الأكبر، فهم أكثر سعادة منه في مناهج السفر والترويح، وإذا كان جاداً وحريصا، فلن يكونوا أقل منه حرصاً على نجاح برنامجهم المشترك. 
طبعاً، استمرت المديرة تتفاخر، ولسنوات بأن هذا البرنامج قد حاز تقدير البرنامج الأنجح في برامج الأمم المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في حينه، مثلما كنا سعداء في الكفاءات التي استطعنا توفيرها للديوان والجهات الحكومية الأخرى. كما هو الحال مع البرنامج الذي قدمه البنك الدولي للديوان، بعد انتهاء البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. 
(7)
(من يقاضي القاضي ومن يراقب الرقيب)
عقدت الجمعية العامة للمنظمة الدولية لأجهزة المحاسبة (الأنتوساي) في المكسيك خلال تشرين الثاني 2007 اجتماعها الدوري التاسع عشر. وكان ذلك اول حضور لي في مثل هذه المؤتمرات المهنية الصرفة على المستوى العالمي. كانت تعقد على هامش هذه المؤتمرات ورش عمل واجتماعات فنية عالية المستوى ينتج عنها في الغالب معايير للعمل الرقابي، تعتمد في نهاية المؤتمر, لكن ما لا يقل أهمية عن ذلك اللقاءات والاجتماعات الثنائية مع رؤساء الأجهزة، والتي تعود الى تأمين فرص تبادل الخبرات بين الأجهزة.
كنت أسعى دائماً لإيجاد كل الوسائل التي تؤمن بناء مؤسسة قوية ومستقلة، ولكن التساؤل كان دائماً هو كيف تؤمن الوسيلة التي تطمئننا على صواب المسيرة التي تنتهجها هذه المؤسسة؟ 
كيف نتأكد من سلامة أدائها؟ هناك قواعد للضبط الداخلي اعتمدت في مؤسسة ديوان الرقابة المالية, فلا يوجد هناك تقرير يصدر دون أن يتم تداوله وفحصه من ثلاثة مستويات إدارية في الأقل، عدا التقارير الوزارية وذات الأهمية المركزية (كانت حوالي 240 تقريرا) فتناقش بالإضافة الى ذلك من قبل مجلس الرقابة قبل إصدارها. ولضمان عدم صدور تقارير من المستويات الإدارية الأدنى غير مستوفية الشروط والقواعد المهنية فقد أقيم قسم متخصص لفحص الجودة، يديره محاسب قانوني من الزملاء المتقاعدين، وبعض من قدامى الموظفين يساعدونهم طلبة الدراسات العليا، لضمان تلاقح الخبرات، ووضعت نقاطا معلنة لكل موظفي الديوان، لتقييم كل تقرير، ولا توجد هيئة رقابة لا يسحب منها تقرير واحد في الأقل للفحص. وهناك قرارات صدرت في ضوء ذلك لضمان تأمين نوعية أفضل. هذه إجراءات داخلية للرقابة يقودها مجلس الرقابة بشكل أساسي. لكن السؤال هو من يقيم (فنياً) عمل ديوان الرقابة المالية كمؤسسه؟ كانت لدينا مؤشرات عن الأجهزة الأكفأ فنياً في العالم، وعليه فقد كانت فرصة المؤتمر في المكسيك، فرصة للالتقاء بهذه الشخصيات، فقد سبق أن فاتحنا أحد الأجهزة العربية للقيام بما يسمى (بمراجعة النظير) أي التقييم الفني لعمل الديوان، ولم يستجب آن ذاك، فاستغربت عدم قيامه بالإجابة الرسمية حتى, وبعد التواصل في المؤتمرات والتجمعات المهنية العربية, وجدت أن هذا الجهاز رغم كل الهالة التي يصنعها لنفسه، لم يكن قد وصل الى الكفاءة التي تؤهله للقيام بالمهمة الصعبة لجهاز رقابي عريق، يتمتع بخبرة، وتسوده قواعد عمل مهنية كجهاز الرقابة العراقي رغم انقطاعنا عن العالم منذ عام 1980 لغاية 2003.
كانت الأجهزة المرشحة للقيام بمراجعة النظير للديوان، هي الكندي والهولندي والنرويجي. ولم نفلح في عقد لقاءات عمل مع رئيس الجهاز الكندي، وباشرنا مع محكمة المحاسبة الهولندية, وقد كانت تصغي رئيسة المحكمة الى طلبنا في هذا الخصوص، ولكنها كانت تتوقع أنها رغبة أكثر من كونها منهجا. وبعد انقضاء المؤتمر وعودتنا الى بغداد، لم نهمل الاتصال لتأكيد حرصنا على اخضاع عمل ديوان الرقابة المالية لرقابة الجهاز الهولندي (محكمة المحاسبة الهولندية), عند عقد المؤتمر التالي، في جنوب إفريقيا عام 2010 كان دور الجهاز الهولندي متميزا فنياً، كانت المحاور الأساسية في مؤتمر جنوب إفريقيا تدور حول الدعوة الى اعتماد تقويم الأداء في العمل الرقابي، وعندها طلبت الكلمة، وأوضحت أن ديوان الرقابة المالية في العراق، لديه تجربة غنية في هذا، كانت قد طبقت في منتصف الثمانينات, ما أثار انتباه المؤتمرين بحيث تقدم مني احد الوفود العربية، وقال يبدو أن هناك خطأ في الترجمة، عندما ذكرت تاريخ تجربتكم في تقويم الأداء، قلت له كلا بل الترجمة صحيحة تماماً؛ فالديوان كان قد أنجز هذه المهمة فعلاً في عام 1985 (على ما اذكر)، ثم عقد لاحقاً لقاء عربيا أوربيا في دولة الامارات العربية المتحدة، عندها تم الاتفاق بشكل نهائي على تبادل الوفود العراقية والهولندية لوضع الخطوط التفصيلية للاتفاق النهائي ليباشر الجهاز الهولندي المهمة.
وفي ضوء جدية رغبة العراق وموضوعية ديوان الرقابة في طرح كل امكانياته للتقييم فقد وافق الجهاز الهولندي على القيام بالعملية، بل وذهب لأكثر من ذلك، إذ تمت تغطية كلف انجاز المهام كافة  من خلال منح العراق (منحة) بمبلغ نصف مليون يورو، وهذا لوحده كان أمرا غير معتاد، رغم ان الوضع المالي في العراق، كان جيدا في حينه. وباشرنا العمل لأكثر من سنتين، كان لسفير العراق في لاهاي د. سعد عبد المجيد العلي، الدور المهم والاعتباري في دعم النجاحات التي حققها موظفو الديوان.
عند انتهاء جهاز الرقابة الهولندي (محكمة المحاسبة) من عمله وأتم إعداد تقريره بشأن تقييم عمل الديوان العراقي، اتصلت رئيسة المحكمة للاستفسار عن الطريقة، التي يسلم بها التقرير، فقلت يتوجب إرسال التقرير الى رئاسة مجلس النواب العراقي حيث يرتبط ديوان الرقابة المالية به، بموجب الدستور. تفاجأت حيث كانت تفترض أني أتوقع مثل أي عمل رقابي وجود ملاحظات سلبية على أدائنا، فكيف أطلب تقديمه خارج الديوان قلت لها، بالحرف الواحد (أنا رقيب فإن كانت هناك ملاحظات فعلي تعديلها بهدف تداركها، وفي كل الأحوال فأني سأرسل التقرير لمجلس النواب). 
استغربت هذا الموقف، فقالت رئيسة المحكمة من أجل هذا الموقف فأني سآتي وأقدم التقرير بنفسي شخصياً، وعندها عقدنا اجتماعا مع هيئة رئاسة مجلس النواب، وقدم التقرير من قبلها مباشرة بحضور سفيرة هولندا الى الأستاذ أسامة النجيفي.
لم يكن التقرير يتضمن أية ملاحظة سلبية على العمل الفني للديوان، بل ذكرت به ملاحظتين حول عدم قيامهم بإشراك خبراء من خارج الجهاز الهولندي والاكتفاء بالاطلاع على التقارير الرقابية المعدة من الديوان ومناقشة الرقباء وبعض أعضاء مجلس النواب، دون التواجد الميداني عن قرب مع عمل الديوان، وبذا كان ديوان الرقابة المالية الاتحادي اول جهاز رقابي ليس عربيا فقط بل وفي كل منطقة آسيا والشرق الأوسط يخضع لمراجعة النظير, وقد أنجزت هذه المهمة عندما لم يكن عدد الأجهزة التي مارستها تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة فقط على مستوى العالم.   
أنجزت هذه المهمة الرائدة دولياً بنجاح استثنائي. وغطيت كلفها من غير الموازنة العراقية. 
أحيلت السيدة ساسكيا. جي. شيفلنك على التقاعد في العام 2014 وكانت قد بلغت السادس والسبعين من العمر. ولمناسبة احالتها على التقاعد كرمتها محكمه المحاسبة الهولندية بإصدار كتاب تحت عنوان (ابرز ثمانية مراقبين حكوميين على المسرح) ممن قابلتهم خلال الست عشرة سنة التي قضتها في ترؤس محكمة المحاسبة الهولندية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي