رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 24 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2517

"الرواية العمياء" التي تعالقتْ مع قصة "الشبيه"

الأحد - 13 ايلول( سبتمبر ) 2020

عدنان حسين أحمد
تشكّل "الرواية العمياء" الصادرة عن "شركة المطبوعات" في بيروت منعطفًا جديدًا في تجربة شاكر نوري الروائية الذي بدأ يتعالق نصيًا مع شخصيات وثيمات لها وجود واقعي كما فعل في رواية "خاتون بغداد" التي استنطقها بطريقة روائية بعيدة عن التوثيق، كما تعالق نصيًا مع قصة "الشبيه" للكاتب الراحل فهد الأسدي وصنع من فكرتها الجوهرية فضاءًا روائيًا ناجحًا نغبطه عليه لكننا نعاتبه، في الوقت ذاته، على حجم الإفادة من هذه القصة بشخصياتها الأساسية "مروان والزيبق وحياة"، وأحداثها الرئيسة والفرعية، وبنيتها الدرامية وما تنطوي عليه من توترات ومواقف انفعالية تفضي إلى القتل والاغتصاب وما إلى ذلك لدرجة أن "الرواية العمياء" قد أصبحت "إعادة صياغة" Paraphrasing لقصة "الشبيه" ومطّ لعمودها الفقري، وإضافة شخصيات أخرى لم تُغيّر كثيرًا من بنية الأحداث الروائية المستمدة من القصة التي تعالقَ معها، علمًا بأنَّ مفهوم الإفادة أو "التناصّ" Intertextuality يقوم على توظيف فكرة محددة مثل ثيمة الشبيه فقط التي كانت مهيمنة على النص القصصي والبناء عليها، لا أن يمتدّ هذا التوظيف ليشمل مجمل المواقف الدرامية التي انطوت عليها القصة الأصلية.
يُكلِّف مدير مؤسسة رعاية المكفوفين الموظّف مروان بمَهمة التجسّس على نزلاء معهد النور للعميان في بغداد بعد أن استشرى الفساد في معاهد تأهيل العميان في عموم البلاد. وعليه أن يكتب إلى مديره تقريرًا أسبوعيًا على مدى "تسعة أشهر قابلة للتجديد" بغية الإمساك بالفاسدين الذين يسرقون حقوق العميان وامتيازاتهم في هذا المعهد الواقع في قلب العاصمة بغداد. وسوف يزوّده المدير بأوراق مدموغة بأختام الوزارات والدوائر المختصة التي تُعينه على تأدية دور الأعمى الذي يلتحق بهذا المعهد أسوة بالعميان الآخرين الذين تنطبق عليهم اشتراطات القبول من دون أن يثير الشكوك لدى الموظفين والنزلاء. فدائرته لا تريد منه "سوى كشف الخيوط التي تحرّك شبكات الفساد في المعهد" وعليه أن يتقمّص دور الأعمى بإتقان شديد ولكي لا يثير ريبة الموظفين في دائرته الأصلية أخبرهم بأنه سيرافق أمه المريضة في رحلة علاج طويلة إلى تركيا لكنه سيلتحق في حقيقة الأمر  بمعهد النور للعميان وسينخرط في عالمهم المُبهم ويتخلّص من رتابة الحياة الوظيفة.
حينما يصل مروان إلى المعهد لا يشكُّ به سوى "الزيبق" الذي يصفه الراوي بـ "الماكر والمحتال والماهر" فهو مثل جميع العميان الفاقدين لحاسّة البصر يتمتع بحواس أخرى مرهفة كالسمع واللمس والشمّ والتذوّق، والأهمّ من ذلك كله هو حاسته السادسة القائمة على الحدْس، والتنبؤ، وقوّة المخيّلة، فقد عرف الزيبق بأن القادمَ الجديد مروان قد أحبّ "حياة" ووقع في غرامها، وهو مستعد للتضحية بحياته من أجلها، فقد كانا يلتقيان، ويتناجيان كلما سنحت لهما الفرصة لكن الزيبق الذي يستطيع أن يقلّد أي صوت يسمعه، ويتقمّص أي شخصية يتعايش معها سيستغل الفرصة المؤاتية وينفرد بـ "حياة" حينما يأخذون مروان إلى المستشفى لإجراء الفحوص الطبية، ويتقمص شخصيته، ويقلّد صوته، ويتضمّخ بعطره المفضّل حتى تظنه مروانَ بروحه وجسده لكن هذه الحيلة سرعان ما تنكشف حينما يعود مروان من المستشفى ويضبط غريمه الزيبق متلبسًا بالجرم المشهود، فتسقط "حياة" في خانق الحيرة والالتباس لكن مروان يتداركها بعد فوات الأوان ويعرف أنها منحتهُ أعزّ ما تملك في هذا الوجود.
ثمة أحداث كثيرة تقع في المعهد مثل مقتل بورهان خنقًا بوشاحه الأحمر، وثمة قصص تجري في حانة العميان التي يرتادها مروان مع الرسّام سرغين الذي يروي قصة الراقصة ميلاد التي كانت مغنيّة فقدت بصرها على المسرح ثم أصبحت راقصة في حانة العميان.
تنطوي هذه الرواية على توترات وأسئلة درامية متعددة من بينها: كيف تتصرّف "حياة" إذا ما عرفت أنّ مروان بصير؟ وهل ستصفح عن هذه الكذبه الكبيرة التي ارتكبها مضطرًا للحفاظ على وظيفته ومصدر رزقه الوحيد؟
لقد بنى شاكر نوري شخصيات موازية لمروان والزيبق وحياة أبرزها الموسيقي فريدون الذي يرفض العزف في الملاهي الليلية ويفكر بعزف سمفونيته الخاصة بواسطة فريق مؤلف من 45 أعمى يجمعهم من مختلف المحافظات العراقية، والرسّام سرغين الذي ملأ المعهد بلوحاته الفنية الآسرة، والمبدع بورهان الذي لا يكفّ عن الكتابة والتأليف، والصبي القارئ الذي يقرأ لمدير المكتبة مقابل تأمين هاجس العيش، والراقصة ميلاد التي تعرض مفاتنها للأعين العمياء التي تستعين بوهج المخيلة التي تعوّض حاسة البصر عند المكفوفين الذين يتدفقون ليلاً إلى حانة العميان علّهم يحققون بعض الملذات الجنسية الهاربة من بين أصابعهم.
بموازاة هذه الشخصيات الجديدة والأحداث المتصاعدة تباعًا تبرز مذكرات الراوية التي كان يدوّنها يوميًا ويخبئها في مكان أمين كي لا تقع في أيدي الموظفين وينفضح وجوده غير القانوني في المعهد. وقد ساهمت هذه المذكرات أو "اليوميات" على الأصحّ في إيجاد حلّ للعُقدة التي يعاني منها الراوي العليم. فعندما عاد من الفحص الإجباري لم يجد هذه اليوميات الأمر الذي ساهم في زيادة توتره وانفعاله لكنه ما إن يسأل المنظّف حتى يخبره بأنه وجد دفترًا في الغرفة وخشية عليه من الغُبار وضعه تحت الفراش فالتقط الراوي أنفاسه، واسترخت أعصابه المشدودة.
ينقلب هذا النصّ في جانب منه إلى رواية بوليسيةحينما يُقتل بورهان وتنشغل الجهات المعنية والقائمون على المعهد بالجاني المحتمل الذي يُستبعَد أن يكون من خارج المعهد، خاصة وأنّ الروائي قد أشار إلى حادثة قتل وقعت في داخل المعهد قبل عشر سنوات وقد تمّت بالخنق أيضًا لأن العميان لا يطيقون فكرة التجسس على أسرارهم وعوالمهم الخاصة.
لا تخلو روايات شاكر نوري من النَفَس الفلسفي، ورغم ورود كلمة الرواقية في قصة "الشبيه" إلاّ أن الكاتب قد طوّر العديد من الأفكار في هذا الاتجاه، وتوسّع فيها حينما رصد متنزّه المعهد بأشجاره الباسقة، وزهوره العابقة، وبساطه الأخضر الذي كان ينام عليه مروان وحبيبته "حياة"، فهما من أبرز الشخصيات العمياء التي تتناغم مع الطبيعة وتتماهى مع عناصرها.
يرسم شاكر نوري نهاية مفتوحة للرواية حينما يقدّم تقاريره الـ 35 إلى مديره الذي يحوّلها بدوره إلى الوزارة حيث تنصبّ الشكوك في مجملها على الزيبق فهو الذي يعتدي على شرف النساء العمياوات، ويتاجر بالمخدرات، ويقف وراء عمليات الفساد الأخرى التي تعتاش على الأموال المخصصة للنزلاء العميان. وقد هنأه المدير في نهاية المطاف على المهمة الصعبة التي قام بها طوال تسعة أشهر لكنه سوف يظل منتظرًا ردّ الوزير. ومع ذلك فقد ظلّ همّ مروان مُنصبًا على قهر الظلام الذي في داخله، تُرى هل يغادر المعهد بانتهاء مهمته، أم يعود إليه ليقضي ما تبقى من حياته بعيدًا عن عالم المبصرين؟ يحسم مروان و"حياة" أمرهما حينما يخرجان من المعهد مُخلّفين وراءهما بوابة العمى. وبينما هو يفكر باختزال معاناته في كلمتي "أنني مُبصر" يقرّر أن يمنحها "الرواية العمياء" علّها تنقذه من محنة الكذب التي انساق إليها مضطرًا وظل يتنقل بين عالَمَي العتمة والنور طوال تسعة أشهر مليئة بالقلق والتوتر والضياع. جدير ذكره أن شاكر نوري قد أصدر إحدى عشرة رواية من بينها "نزوة الموتى" و "جحيم الراهب" و "طائر القشلة" و "خاتون بغداد" الني نال عنها جائزة كتارا للرواية المنشورة عام 2017.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي