رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 24 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2517

الرواية العربية: أصول واحدة؟

الاثنين - 14 ايلول( سبتمبر ) 2020

هيلاري كيلباتريك* - ترجمة/ صالح الرزوق
  هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى أصل واحد من أصول الكتابة؟. وهل يمكن  الحكم على الروايات المصرية بنفس المعايير المطبقة على الروايات المنشورة في سوريا ولبنان على سبيل المثال. وهل الاختلافات بينهما ناشئة من اختلافات طرأت على الموضوعات المشتركة، أم يمكن تتبعها حتى نصل لاختلافات خاصة بكل بلد نتيجة الخبرات المختلفة والأشكال والأساليب الخاصة بكل منطقة على حدة؟. واجهتني هذه الأسئلة حينما كنت أدرس الرواية المصرية. وكان من الممكن والواضح أن ننظر للتطورات التي لحقت بالجنس الفني بمعزل عن الكتابة النثرية في بقية البلدان الناطقة باللغة العربية، ومع ذلك يمكن أن تلاحظ في الدراسات و النقد إشارات تدل على  علاقة ارتباط وثيقة بين هذه الأشكال.وإذا كانت مقدمة د. جونسون دافيس لمجموعة من القصص القصيرة، لا تشير إلى الرواية، يبدو لي أنها تعكس موقفا عاما من الكتابة النثرية العربية. وفيها يقول:
“تعاملت مع العالم العربي على أنه وحدة ثقافية واحدة. وهذه القصص هي نتاج تلك الثقافة. وأن يكون قاص مولودا في سوريا وآخر في السودان مسألة ليست ذات أهمية محسوسة، لكن لعلها تهم القارئ غير العربي... فالعنصر المشترك بين هؤلاء الكتاب أن قصصهم مكتوبة بلغة عربية كلاسيكية، وهو العامل الذي تستند عليه الوحدة الألسنية للعالم العربي”(1). 
وربما كان هذا الموقف الذي يغلب على مقدمة كتاب “الكتابة العربية اليوم” (2) ، منبعه أن الشواهد تركز على الأعمال المصرية، باستثناء إشارات قليلة عن موضوعات القصص. وهذا يخالف سياسة المجموعة التي كان نصف قصصها من بلدان أخرى.  
لقد مرت مشكلة أصل الكاتب وتأثير أصله على كتابته بصمت مطبق. حتى أن عنوان بحث الدكتور طه عبدالمحسن بدر” تطور الرواية  العربية في مصر”(3) يشير لعلاقة مشتركة  بين مسار الرواية في مصر ومسارها في بقية بلدان العالم العربي، لكن لا نجد أي ذكر للموضوع في سياق الدراسة. وهناك مجموعة أخرى من الكتابات بررت تركيزها على منطقة واحدة.. من هؤلاء مثلا يحيى حقي مؤلف “فجر القصة المصرية” (4)  يذكر أن الحركات الأدبية في مصر في السنوات الأولى من القرن كان لها شخصيتها المستقلة وهويتها. فارتباطاتها كانت مع أوروبا حصرا.  زكتابان من السلسلة نشرهما معهد الجامعة العربية للدراسات العليا في القاهرة، وهما الفن القصصي في لبنان (5) والقصة في سورية (6) يتخذان موقفا متشابها، ولكن في نفس الوقت توجد إشارات تدل على معرفة الدوائر الأدبية في بلديهما بما يجري من تطور أدبي في مصر وبقية البلدان العربية.  إن النهج الإقليمي الواضح لهذه الدراسات يعتبر أمراً مفروغاً منه. ويمكن ملاحظة اتجاهين في النقد، الأول يفترض أن اللغة المشتركة هي انعكاس لحقيقة عميقة،  والثاني يقصر الدراسة على منطقة محدودة ومعزولة داخل العالم العربي. ويجدر بنا ذكر أن الاتجاهين إما كانا يعملان بشكل منفصل، أو معا وجنبا إلى جنب في البحث الواحد، ولكن لم أوفق بالعثور على أي تحليل لهذين الاتجاهين، ولا لدراسة أثر اللغة المشتركة كعامل من عوامل ربط وتوحيد النشاط القصصي.  في النهاية هناك أمثلة كثيرة على كتابة أدب عدة بلدان مستقلة بلغة واحدة.  وأول مثال يأتي للذهن هو الأدب الإنكليزي والأمريكي.  وليس من المستحيل أن تجد سببا لهذه الدائرة المظلمة في النقد الأدبي. والقومية العربية واحد من هذه الأسباب. وهناك أسباب أقل وضوحا، منها الصعوبات العملية الناجمة عن مشاكل توزيع الكتاب. فالمصري سيجد مصاعب عويصة بالحصول على كتاب منشور في مكان آخر، ما لم يكن الكاتب من المشاهير مثل سهيل إدريس أو نزار قباني. ونادراً ما يكون لدى دار النشر الصغيرة في بيروت أو القاهرة، ناهيك عن دمشق أو بغداد، إمكانية للوصول إلى أسواق تتجاوز حدودها الجغرافية وساحات نشاطها.
 والآن بعد توفر كتلة ملموسة من الروايات باللغة العربية، من الممكن، ومن الضروري بشكل مضطرد، أن نتابع العلاقة بين المدارس المناطقية في الكتابة. ومن المؤمل أن دراسة هذا المحور ستقودنا إلى الانتباه لوعي أوسع بمعنى الشكل الذي وصل له هذا الجنس الفني في البلدان العربية، وكيف يتم تحريض تطوره وتقديم  فضاء إضافي لحركة النقد الأدبي. وبالفعل توجد محاولات لدراسة الموضوعات التي ظهرت في عدة بلدان (7)،  مع متابعات محدودة لتطور الرواية والقصة القصيرة في مصر والمشرق(8). وهناك دراسات تتابع نشوء وتطور الرواية في مصر ولبنان وسوريا والعراق (9). وهذا تمهيد لا بد منه لدراسة أوسع تشمل كل الرواية العربية. أما المشكلة الأهم التي تواجه كل من يقوم بدراسة من هذا النوع هو توفر المواد وهي مشكلة ملحوظة لو كنت خارج الشرق الأوسط. في بلداننا تتوفر الروايات والمصادر الثانوية التي تغطي مصر ولبنان، ولكن ما أن تبتعد قليلا باتجاه الشرق يندر توفر الأعمال الأدبية، والمصادر العراقية على وجه الخصوص ليست واضحة. وبسبب من هذه المصاعب لا أدعي أنني أقدم هنا ما يزيد على اقتراحات من بضعة سطور أقترب بها من موضوع يستحق دراسة معمقة ومطولة. 
 هوامش ضرورية:
1- د. جونسون دافيس. لندن. 1967.
2- الكتابة العربية اليوم: القصة القصيرة. إعداد: ن. منزالوني. القاهرة. 1968.
3- القاهرة 1963.
4- القاهرة. بلا تاريخ نشر.
5- سهيل إدريس. القاهرة. 1958.
6- شاكر مصطفى. القاهرة. 1958.
7- على سبيل المثال صبري حافظ: نكبة فلسطين في الرواية العربية. الآداب. نيسان. 1964. أزمة الحرية في الرواية العربية المعاصرة. حوار. أيار - حزيران. 1964.
8- ر. ول. مكاريوس. أنتولوجيا من الأدب العربي الحديث: 1- الرواية (بالفرنسية). باريس. 1969. مقدمة.
9- أهملت شمال إفريقيا الفرانكوفوني والذي ينتمي لتقاليد وأصول مختلفة. وتوجب استبعاد كتابات من المغرب والسودان لأسباب عملية. 
• هيلاري كيلباتريك Hilary Kilpatrick : مستشرقة ومترجمة. من أهم ترجماتها رواية “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي