رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 24 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2517

فيلم (لص بغداد) .. السينما وفخ التنميط

الاثنين - 14 ايلول( سبتمبر ) 2020

د. ياسر عبد الصاحب البراك*
تحاول السينما المصرية أن تقتفي أثر السينما الغربية وتحديداً الأمريكية في العمل على ثيمات سينمائية تحتاج الى الكثير من التقانات التي ربما لا تتوافر في مصر لا على مستوى جودة السيناريو ولا على العناصر الأخرى المكونة للشريط الفيلمي مثل الاخراج والتصوير والتمثيل والخدع السينمائية والمؤثرات البصرية ، ولعل فيلم ( لص بغداد ) للمؤلف تامر إبراهيم والمخرج أحمد خالد موسى وإنتاج شركة سينرجي للإنتاج الفني عام 2020 أحد تلك الأفلام التي تحاول أن تقتفي أثر أفلام الحركة والإثارة والتشويق والكوميديا وفي مقدمتها سلسلة أفلام أنديانا جونز. وهذا الإقتفاء لا يقتصر على الحبكة السينمائية فقط وتشابه مسارات السرد السينمائي فيها إنما يتعدى ذلك الى الإفادة من اللغة السينمائية البصرية التي تعتمد على الايقاع السريع والتنقل بين الأمكنة المتعددة والمزاوجة بين التاريخ والحاضر ، ناهيك عن محاولة إضفاء بُعد عالمي على الأحداث عبر التركيز على شخصية محورية هي نصف مصرية ونصف روسية متمثلة بشخصية نادية التي مثلتها أمينة خليل بوصفها تقود عصابة دولية لتهريب الآثار . وحبكة السيناريو ليس فيها ما يدعو الى الجدَّة أو الإبداع لأنها حبكة نمطية تعتمد على قصة مكررة أشبعتها سلسلة أنديانا جونز وأفلام أخرى كثيرة بحثاً ومعالجة، حيث تتصارع ثلاث عصابات لتهريب الآثار على إيجاد المفاتيح الأربعة لما يُعتقد أنها مقبرة الأسكندر الأكبر التي تضم أطناناً من الذهب والكنوز الأخرى التي جمعها من مشارق الأرض ومغاربها خلال حروبه الكثيرة ، العصابة الأولى تضم إثنين من اللصوص فقط هما: يوسف الذي مثله محمد إمام وهو إبن عالم آثار متوفي، وصديقه مجدي الذي مثله محمد عبد الرحمن، ثم بعد ذلك تلتحق بهما طالبة الدراسات العليا في التاريخ سلمى التي تمثل دورها ياسمين رئيس عن طريق المصادفة لتكون دليلاً ومترجماً لهما عن اللغة الاغريقية القديمة التي تمت كتابتها على المفاتيح الاربعة، والعصابة الثانية من شخص واحد فقط هو خالد الذي مثل دوره فتحي عبد الوهاب ويرتبط بعلاقة صداقة قديمة مع يوسف فضلاً عن إرتباطه العاطفي بزعيمة العصابة الثالثة نادية التي يحيط بها حراسها الشخصيين دائماً. ومن أجل تأكيد طابع الحركة (الأكشن) في الفيلم فأن الجميع يطارد بعضهم البعض للحصول على المفاتيح ومن ثم الكنز بدءاً من كينيا في محاولة لسرقة قناع أثري مقدس ومرورا بالعراق وإسبانيا واليونان وإنتهاء بمصر. وتجري تلك المطاردات في إطار من الكوميديا المفتعلة التي لا تحقق متعة حقيقية للمشاهد لأنها تفتقر الى عنصر الإقناع ويغلب عليها عنصر المبالغة. ولعل الاغرب في بناء الفيلم كله هو عنوانه (لص بغداد) مع أن اللص يوسف يمر ببغداد مثل مروره بإسبانيا واليونان وكذلك مصر باحثا عن المفاتيح فليس ثمة أي مسوّغ أن يتخذ الفيلم بغداد عنواناً للصوصية سوى أنه يقتفي أثر تلك الأفلام التي أفادت من أجواء ألف ليلة وليلة لبناء حبكتها السينمائية مع أن أحداث هذا الفيلم ليس لها علاقة بتلك الأجواء لا من قريب ولا من بعيد. والأدهى من ذلك أن رئيس العصابة الروسي زميل نادية يخاطب يوسف قائلاً : أنه سمع بلص بغداد لكنه لم يلتقِ به سوى الآن وهي إشارة أخرى تدعو الى الإستغراب أيضاً.
إن الفيلم لا يجتهد في بناء شخصيات إستثنائية يمكن لها أن تجعل من حبكته السينمائية متفردة إنما يُكرر الشخصيات النمطية نفسها التي سبق وأن شاهدناها في العديد من الافلام السابقة مثل ثنائية الذكي والغبي (يوسف ومجدي)، والمرافقة الثرثارة (سلمى)، والشريرة الجميلة (نادية)، والمتحاذق المُضحك (خالد)، والأتباع المُطيعون (حراس نادية) ، فضلاً عن المفارقة الميلودرامية في نهاية الفيلم حيث يموت الأشرار وينجو الأخيار مع أنهم لصوص أيضاً ليتزوج الفتى الذكي يوسف من الفتاة الثرثارة سلمى بينما يحظى مجدي بمجموعة من النساء الجميلات بعد أن كان يشكو إستيلاء يوسف على جميع النساء الجميلات اللواتي تتم مصادفتهن .
أفاد المخرج من تقنية الجرافيك في العديد من المشاهد خاصة المقبرة وإنهياراتها في نهاية الفيلم عبر العديد من التصاميم المجسمة (3D) لبناء المكان ومنحه صفة الإقناع والمحافظة على الأجواء التاريخية ، كذلك حاول الافادة من هذه التقنية في إبراز بعض معالم بغداد أثناء مشاهد المطاردات فيها مع أن الاختلاف بدا واضحا بين المشاهد والواقع الفعلي للمتحف الوطني العراقي، فضلاً عن بعض أزياء حراس المتحف وخاصة البدلة التي تنكر بها خالد بوصفه ضابطاً كبيراً في الشرطة العراقية. كما عمد المخرج الى إختزال الكثير من التنقلات من بلد الى آخر عبر المزاوجة بين مشاهد الرسوم المتحركة التخطيطية والمشاهد الفعلية. ولعل اللافت للنظر في الفيلم هو الحركة المستمرة للكاميرا عبر التنوع في اللقطات والزوايا لتتواءم مع إيقاع المغامرة السريع والمطاردات الذي فرضته الأحداث، وكذلك التصوير تحت الماء الذي أضاف جمالية للغة السينمائية العامة للفيلم.  تبقى العلامة المميزة في الفيلم هي الأداء التمثيلي الذي ينطوي على تنوع واضح يجمع بين الكوميديا والحركة والمغامرة والمعارك التي جرى تنفيذها بحرفية جسدية عالية محققة الإقناع خاصة تلك الاشتباكات الجسدية بين نادية ويحيى. لكن تبقى الأدوار الثانوية تحتاج الى التدريب الجيد في الصوت والالقاء والتعبير النفسي بما يتوافق مع المنظومة الأدائية العامة للفيلم لتحقيق الإنسجام التام بين جميع الأدوار على الرغم من نمطية بناء الشخصيات وسلسلة العلاقات التبادلية بينها.   

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي