رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 25 تشرين الاول( اكتوبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2535

المحقق «هركيول بوارو».. خيال أجاثا كريستي الحي

الأربعاء - 14 تشرين الاول( اكتوبر ) 2020

 زيد خلدون جميل*
نشرت جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية الشهيرة، وعلى صفحتها الأولى في السادس من شهر آب/ أغسطس عام 1975، تأبينا لشخصية بالغة الأهمية. ولكن تلك الشخصية ما تزال بالغة النشاط حتى الآن، على الرغم من ولادتها في تشرين الأول/أكتوبر عام 1920، أي أنها تبلغ الآن مئة عام من العمر. وقد يعتقد القارئ، أن هناك خطأ ما. ولكن في الحقيقة لا يوجد أي خطأ حيث أن تلك الشخصية كانت خيالية وتدعى «هركيول بوارو» (Hercule Poirot) أشهر محقق خاص في تاريخ الأدب العالمي، الذي خلقته الكاتبة البريطانية أجاثا كريستي (Agatha Christie) عندما قدمته في أول رواية بوليسية لها بعنوان «القضية الغريبة في ستايلز» في أكتوبر من عام 1920. وأصبحت أجاثا كريستي رمزا خالدا للأدب البريطاني بشكل خاص والعالمي بشكل عام.
الأدب البوليسي
الأدب البوليسي هو الأدب الذي يدور حول جريمة، ومحاولة شخص ما تحديد مرتكبها. ومن الناحية التاريخية لم يكن هذا النوع من الأدب وليد القرن العشرين، فقد حوت قصص «ألف ليلة وليلة» لمحات منه، ومنها قصة «التفاحات الثلاث» التي ترويها «شهرزاد». ولكن أولى الأمثلة له في العصور الحديثة كانت في قصة «زاديك» (1748) للفيلسوف الفرنسي فولتير، حيث يستخدم بطلها تفكيره المنطقي في الكشف عن الجرائم. ومع ذلك، فإن أول من اشتهر بهذا اللون الأدبي كان الكاتب الأمريكي أدجار آلان بو، الذي كان أول من غامر بقوة في مجال الأدب البوليسي في العصور الحديثة، عندما نشر أول رواية بوليسية له بعنوان «جرائم القتل في مشرحة رو» عام 1841 التي تدور أحداثها في باريس، وكان بطلها «أوغوست دوبن» الذي يستطيع بذكائه الخارق والمنطقي اكتشاف القاتل.
وأخذت الروايات البوليسية تظهر تدريجيا في القرن التاسع عشر، ولكن ظهور شخصية «شرلوك هولمز» كان نقطة الأنطلاق الحقيقية للأدب البوليسي على النطاق العالمي. وازدهر الأدب البوليسي في بريطانيا بشكل واضح بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) حيث ازداد عدد الروايات، وكانت ذات صفات مشتركة، حيث تقع الجريمة دائما في مكان منعزل، والمشتبه فيهم جميع من كانوا في ذلك المكان. أما الجريمة نفسها، فتكون عادة جريمة قتل. ويقوم شخص (شرطي أو محقق خاص، أو شخص ذو مواهب خاصة) من خارج ذلك المكان بحل لغز الجريمة، بذكائه العجيب. وتمتاز هذه الروايات كذلك بخلوها من العنف والمطاردات، باستثناء الجريمة نفسها طبعا. وكتبت البريطانية أجاثا كريستي أولى رواياتها «القضية الغريبة في ستايلز» عام 1916 وانتظرت حتى عام 1920 لتعرضها على دارين للنشر، بدون نجاح، فعرضتها على دار ثالث للنشر، التي وافقت بعد أشهر من الانتظار، بشرط قيام كريستي ببعض التغييرات. وكان النجاح حليف الرواية، ولكن كل ما حصلت عليه كريستي كان خمسة وعشرين جنيها أسترلينيا وحسب، ما أثار سخطها واتهمت دار النشر بفرض عقد غير عادل عليها. وأبرز ما وجده النقاد والقراء مثيرا للأعجاب في روايتها الأولى تلك، كان المحقق الخاص «هركيول بوارو» الذي سرعان ما أصبح الشخصية الأولى في عالم الأدب البوليسي.
 من هو «هركيول بوارو»
إنه الشخصية الخيالية للمحقق الخاص البلجيكي، الذي هاجر إلى بريطانيا بعد الاحتلال الألماني لبلجيكا أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان بدينا وقصيرا (1.63 م)، وذا شارب غريب. وكانت قضيته الأولى، حسب رواية كريستي الأولى، عندما حدثت جريمة قتل في قصر يدعى «ستايلز»، حيث قام «آرثر هَيستنغز»، الضابط السابق الشجاع في الجيش البريطاني، بالاستعانة بصديقه القديم «هركيول بوارو» لاكتشاف القاتل، نظرا لعدم كفاءة الشرطة المحلية. وكان «هركيول بوارو» عند حسن ظن صديقه، حيث نجح بتفكيره المنطقي في أن يستنتج هوية القاتل، ويقوم في نهاية الرواية بجمع المشتبه فيهم، وكل من له علاقة بالجريمة في غرفة واحدة، وفي عرض مسرحي يذكر اسم القاتل وكيف تم تحديده. وفي الواقع أن جميع روايات أجاثا كريستي أمتازت بهذه الصفات.
إن من أهداف كاتب الرواية البوليسية المتسلسلة اختيار صفات للشخصية الرئيسية تترسخ في ذهن القارئ وتثير اهتمامه، ولم تكن كريستي استثناء. ولنبدأ بجنسية «هركيول بوارو»، فلم تجعله المؤلفة بريطانيا، بل بلجيكيا حيث كانت بلجيكا حليفة لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى. وكانت المنطقة التي سكنت فيها كريستي مليئة باللاجئين البلجيكيين أثناء الحرب، كما أنها نفسها عملت ممرضة أثناء الحرب، وكان الكثير من المرضى من البلجيكيين. ويقال إنها تعرفت على ضابط شرطة سابق من بلجيكا في منطقتها، وإنها اقتبست شخصية «بوارو» منه. أما اسم «هركيول بوارو»، فيقترح المؤرخون أنه خليط من اسمين سابقين كانا موجودين في الأدب البريطاني في بداية القرن العشرين. وجعلت هوية «بوارو» الأجنبية شخصيته ومظهره غريبين بشكل مثير للاهتمام، ويُمَكّنُ هذا من جعل القارئ يتقبل تصرفاته الغريبة والمضحكة. ودراسة عميقة لشخصية «بوارو» تبين بسهولة تأثر كريستي البالغ ببعض الشخصيات الخيالية التي سبقتها في الأدب البوليسي، مثل «شرلوك هولمز» للكاتب بريطاني آرثر كونان دويل و»المفتش آنو» للسياسي والكاتب البريطاني ألفريد مَيسن.
 نشرت كريستي أكثر من مئة كتاب من روايات وكتب تاريخ ومسرحيات. وتعتبر المؤلف الأكثر بيعا في تاريخ الأدب العالمي، حيث بيعت حتى الآن أكثر من مليارين نسخة. ولكنها لم تقتصر على القصص البوليسية، بل شمل إنتاجها الأدبي الروايات العادية والمسرحيات.
 جعلت الكاتبة بطلها معتمدا تماما على ذكائه، وليس على عضلاته. وعلى الرغم من أن ضعف «بوارو» تجاه جمال المرأة كان واضحا، حتى أنه أعطى الفرصة لإحدى المحتالات للفرار، لأنه كان مغرما بها. ولكن كريستي كانت تغير في بعض صفاته حسب القصة، فهو غير عنيف في أغلب الروايات، ولكنه يطلق النار ويردي المجرم قتيلا في إحدى الروايات. وتارة تذكر رواية أنه كان محققا في شرطة العاصمة البلجيكية بروكسل، وتارة أخرى تذكر رواية أخرى أنه رئيس شرطة بروكسل مع علاقات خاصة بكبار أعضاء الطبقة الحاكمة في بلجيكا، وليس هذا غريبا، حيث أن تتجلى هذه الميزة كذلك بوضوح في روايات «شرلوك هولمز».
كانت شعبية «بوارو» بين القراء البريطانيين في تزايد بطيء حتى عام 1926 حيث زادت شعبيته بشكل كبير، نظرا لنجاح رواية «مقتل روجر أكرويد». ولذلك استمرت أجاثا في نشر القصص المتتالية، وكان العهد الذهبي لرواياتها مع بطلها «بوارو» من عام 1932 وحتى 1942. وكانت الرواية الأخيرة لها عام 1975 بعنوان «ستارة» حيث يموت «بوارو» فيها لأسباب طبيعية. ومما هو جدير بالذكر أن موجة الأدب البوليسي انحسرت بعض الشيء بعد الحرب العالمية الثانية.
لا تمتاز روايات كريستي بالحبكة العميقة، إذ سذاجة الرواية واضحة. وما يسمى بالمنطق العظيم لبوارو، في الحقيقة يخالف المنطق السليم، لاسيما اعتماده على الجانب النفسي للقاتل والقتيل، واعتقاده أن لكل نوع من الجرائم نوعا معينا من المجرمين. ولكن القارئ لا يشعر بهذا، لأنه عندما يقرأ الرواية يدخل في عالم الخيال وينسى واقعه. وفي هذا العالم يتحكم المؤلف، كريستي في هذه الحالة، بالظروف والشخصيات كما يشاء للوصول إلى هدفه. ولا يعني هذا أن رواياتها لم تستوجب جهدا كبيرا من قبلها، بل إن الجهد اللازم لتأليف رواية من الأدب البوليسي، أكبر من ذلك اللازم لتأليف رواية من الخيال العلمي، لأن كاتبا مثل كريستي، مقيد بحدود الواقع، على الرغم من كون الرواية خيالية. وأما في روايات الخيال العلمي، فلا وجود لأي حدود.
«بوارو» في الإعلام
ظهرت شخصية «بوارو» سريعا في الراديو والسينما والمسرح والتلفزيون، حيث مثلها سبعة وعشرون ممثلا في مختلف أنحاء العالم، وكان بعضهم من الأبرز في عصره مثل الممثل البريطاني تشارلز لوتن، الذي كان أول من مثل الدور، وكان ذلك على خشبة المسرح عام 1928. وقدم كل منهم تفسيرا مختلفا لشخصية «بوارو»، فالممثل البريطاني بيتر يوستينوف، جعله ساخرا ومرحا بعض الشيء، بينما حاول البريطاني الآخر ديفيد سوشي، أن يلتزم بالشخصية كما ذكرتها روايات كريستي. أما الممثل الأمريكي جون ماكوفيتش، فقد جعله كئيبا ووحيدا وبدون الشارب الشهير، وبلهجة غريبة غير فرنسية. وحاول البريطاني كينيث براناغ تقديم الشخصية وكأنها مهرج بشارب لا نراه سوى في عروض السيرك.
على الرغم من وفاة «بوارو» في روايات كريستي عام 1975، ووفاة كريستي نفسها عام 1976، فإن شخصية «بوارو» ما تزال حية في عالم الأدب، ليس فقط بسبب استمرار نشر الروايات القديمة، واستمرار إنتاج أعمال سينمائية وتلفزيونية مأخوذة عنها، فإن ورثة كريستي قاموا بالاتفاق مع كاتبة لكتابة روايات جديدة من بطولة «بوارو».
نشرت كريستي أكثر من مئة كتاب من روايات وكتب تاريخ ومسرحيات. وتعتبر المؤلف الأكثر بيعا في تاريخ الأدب العالمي، حيث بيعت حتى الآن أكثر من مليارين نسخة. ولكنها لم تقتصر على القصص البوليسية، بل شمل إنتاجها الأدبي الروايات العادية والمسرحيات. وأكثر مسرحية في العالم من حيث عدد العروض كانت مسرحية لها بعنوان «مصيدة الفئران». وعرضت للمرة الأولى عام 1952، واستمر عرضها حتى هذه السنة، حيث توقف بسبب وباء كورونا. أصبحت كريستي، أشهر امرأة في تاريخ الأدب العالمي. وتم نشر الكثير من الكتب عنها، بالإضافة إلى بعض الأفلام، خاصة عن اختفائها الغريب لعشرة أيام عام 1926، الذي أثار ضجة كبيرة آنذاك. وكان أحد تلك الأفلام بعنوان «أجاثا ولعنة عشتار» تظهر فيه شخصية كريستي وهي تحاول حل لغز جريمة قتل في العراق. وعلى الرغم من كون القصة خيالية تماما، فإن كريستي زارت العراق فعلا عام 1928 وسكنت لفترة في فندق السندباد في بغداد. واستُخدم اسما كريستي وبوارو، للدعاية التجارية أيضا، حيث يدعي مالك أحد الفنادق في إسطنبول، أنها قد ألفت رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» أثناء مكوثها في ذلك الفندق، وأن الغرفة التي سكنت فيها ماتزال كما هي. أما «بوارو» فتدعي إحدى قرى بلجيكا أنه ولد فيها واختلق أحدهم فيها شهادة ميلاد له تبين اسمي والديه.
ليس غريبا أن يكون لشخصية بوارو» تأثير بالغ في الأدب البوليسي بشكل عام كان كبيرا، حيث ظهرت الكثير من الأعمال الشهيرة المتأثرة بها مثل، «كولومبو» و»مونك» و»كتبت جريمة قتل». سوف تبقى أجاثا كريستي وبطلها «بوارو» يمتعان الأجيال المتتابعة من القراء.
 ٭ باحث ومؤرخ من العراق

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي