رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 20 تشرين الاول( اكتوبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2532

في التخطيط الحضري .. الفضاء الحضري وظاهرة الاعتداء

الخميس - 15 تشرين الاول( اكتوبر ) 2020

محسن الغالبي
  حين تعود مساءا ً الى البيت وحيد ا ً وتشعر بالخوف على نفسك، قأعلم أنك ليس في مدينتك.
  وحين يخرج إبنك الى مدرسته وتشعر أنت بالقلق، فأعلم أنك ليس في مدينتك.
  وحين تغطي نوافذ بيتك بقضبان الحديد كمن يصنع سجنه بنفسه، فأعلم أنك ليس في مدينتك.
  ومدينتك التي تعجز أن تكون بيتك الاكبر....ليست مدينتك. 
  يتفق الكثير من منظري ومؤرخي تخطيط المدن أن أحد العوامل المهمة – أن لم يكن الاهم – في نشوء المدن هو عامل الامن والشعور بالاطمئنان بعيدا ً عن تهديد المخاطر الطبيعية (الفيضانات والعواصف والحيوانات المتوحشة الخطرة وغيرها ) وعن تهديد المخاطر البشرية (الحروب واللصوص والعصابات والتنظيمات الخطرة والخارجين عن القانون وما الى ذلك). 
 ولايحتاج الامر الى الكثير من التنقيب والبحث للعثور على عدد بيّن من المدن التي ولدت و نشأت يرافقها هاجس الامن والاستقرار. أنشا أجدادنا السومريون مدينة أور على أرض مرتفعة نسبيا ً عن مجرى الفرات الضروري لحياة المدينة، والمهدد لها بفيضاناته المزاجية. إنحرف مجرى الفرات عن المدينة بضعة أميال ليتركها في أمان. ربما كان هذا جانب من جوانب عبقرية سومر للحفاظ على ما قد يتبقى من أور. ربما أدركوا أنه سياتي بعدهم خلف أضاعوا التأريخ وأتبعوا الدولارات فسيتركوها لعوادي الزمن. 
 وأحاطت أغلب المدن القديمة أجسادها بأسوار منيعة خشية طمع مدن الجوار وحكامها وخوفا ً من جنونهم و من نزواتهم. أحاط أبو جعفر المنصور بغداده المدورة بسور وخندق مائي ليأمن على نفسه وعلى جنده الذين يعملون على حمايته، وترك خارج السور شعبه عرضة لنزوات أعدائه.
 لا يشكل عامل الامان والاستقرار السبب الاوحد لنشوء المدن فهناك أسباب أخرى عديدة كالعامل الديني (النجف وكربلاء والكاظمية) والتجاري (حلب ومكة بشراكة العامل الديني) والعسكري (واسط والبصرة والكوفة) والسياسي (بغداد) وغيرها. ولكن هذا العامل – الامن والاستقرار- يصبح حاسما ً بغيابه فلا تعود المدينة قابلة للسكن وقد يتوقف نموها، فأن طالت فترة عدم الاستقرار فأن دخول المدينة مرحلة الانهيار يصبح أمرا ً لا مفر منه. ولا غرابة في الامر أذ يقع هذا العامل في المرتبة الثانية في هرم ماسلو للحاجات البشرية بعد حاجاته الاساسية الفسيولوجية. 
 تصبح الحياة جحيما ً لايطاق – ربما هناك جحيم يطاق – حين تفقد المدينة أمانها. لاشيء يدمّر الايمان بالمستقبل مثل فقدان الامان. حين بصبح المرء في مدينة بغير أمل أن يمسي فيها. حين يخرج من بيته ولايعلم ما الذي ينتظره خارجه.
 إن إمكانية الخروج والتجول في انحاء المدينة بلا استثناء ومن دون أن يتعرض المرء لاي نوع من انواع الاعتداء هو حق طبيعي لاي فرد، ذكرا ً كان أو أنثى، بالغا ً او غير بالغ. وهناك عوامل عديدة قد تشكل تهديدا ً لامان الفرد تلعب الحكومة في الحد منها دورا ً بالغ الاهمية، بالاضافة الى عوامل أخرى مثل ثقافة المجتمع ودور التخطيط الحضري والبيئة الفيزياوية للمدينة وهو موضوع الحديث هنا.
 يعرّ َف الامان على أنه الشعور الذي يصاحب المرء حين تواجده في بيئة معينة، والذي يفقده عند تعرضه الى نوع من الاعتداء أو التهديد. قد يكون هذا التهديد شيء واقع، أو ربما هو الاخر مجرد شعور بأنه قد يكون عرضة للاعتداء بسبب إيحاءات مصاحبة للبيئة.
 هناك بعض الاماكن ما يوحي بعدم الامان بالرغم من عدم وجود أي تهديد واقعي. إنغلاق المكان، الانفتاح الخارج عن المقياس، فوضى المكان، سوء الانارة في المكان، قذارة المكان وربما رائحة المكان أيضا. هذه بعض ملامح المكان التي تفضي الى هذا الشعور. من منّا بشعر بالامان وهو يتجول في محطة (كراج) العلاوي باحثا ً عن سيارة تقله بعيدا ً عن هذه البيئة؟ من منّا يشعر بالامان مساءا ً وهو يعبر ساحة الطيران أو الامة رغم كل الحشود فيهما؟ يضاف الى ذلك تجربة المرء الشخصية بسبب تعرضه لاعتداء ما في مكان ما، أو ربما مجرد معرفته لاخرين تعرضوا لاعتداء فيه. أي ما يمكن وصفه بسمعة المكان (  Place Reputation ). هناك بعض الاحياء السكنية لايجرؤ المرء دخولها إن لم يكن من قاطنيها بسبب السمعة التي لحقت بها. 
 ما الذي يفعله التصميم/ التخطيط الحضري فيفقد المكان معه أهليته للشعور بالامان؟ أو ما الذي يفعله كي يمنح المكان والبيئة الحضرية إحساسا ً بالامان؟ والاهم أن يكون بالفعل أمينا. وهل يملك التخطيط الحضري هذه القدرة وهذه الوسائل كي ينجز مهمته هذه؟
 وقبل البحث في الاساليب التي يمكن للتخطيط الحضري إتباعها لتحقيق هذه الاغراض، يمكن  القول أن مفهوم الامان وإن كان مرتبطا ً بشدة بالشعور به ومعايشته الا أنه يمكن قياسه. تقوم الكثير من المؤسسات البحثية كالجامعات في الدول التي تهتم بهذه المفاهيم بإجراء إحصاءات وإستفتاءات دورية حول قطاعات المدينة وعدد الاعتداءات الحاصلة فيها بالاضافة الى كيفية معايشة المواطنين لها – قد تتضمن الاعتداءات هذه الاعتداء الجسدي والسرقة والنشل والتحرش وسرقة المحال و تحطيمها وتدمير الاثاث المديني كمواقف الباصات والتهديد والغش والاحتيال في عمليات التسوق وما الى ذلك - . كما تقوم الدوائر الامنية كالشرطة بجمع إحصاءات حول عدد البلاغات والحوادث الواقعة في المدينة وبالخصوص الاحياء السكنية.
 ولانجاز هذه المهمة يستخدم المخطط الحضري عدة طرق مثل تحليل المكان place analyzer ، وتحليل بنية الفضاء Space Syntax-analysis ، وتشكيل المكان Placemaking ، والتجول من أجل الامان safety walk-around وغيرها.
 أما فيما يفعله المخطط الحضري لمنع تحول المكان الى بيئة غير مرغوبة توحي بالعدائية او ربما تتحول الى وسط مناسب للجريمة والاعتداء فهناك مفهوم واسع يحاول دراسة هذا الامر والاساليب الممكنة لمعالجته يسمى بمفهوم منع الجريمة من  خلال التصميم البيئي Crime prevention through environmental design ومختصره ( CPTED ). 
 يتطرق المفهوم هذا الى محاولة تشكيل بنية المكان لمنع وقوع الجريمة بكل أنواعها من خلال تصميم البيئة الحضرية أو إحداث تغييرات تصميمية في المكان لتلافي هذه المشكلة، ربما من خلال تغييرات بسيطة أحيانا ً مثل تحسين الانارة أو قطع الشجيرات التي تصنع زوايا خفية يصعب مراقبتها. يرتكز هذا المفهوم على 6 مبادي هي: 
- الاول: الاهتمام المحلي Territoriality – وهو أن يشعر ساكني محلة ما بالاهتمام والمبالاة بالمحلة والفعاليات المقامة بها والتعاون على الحفاظ عليها مما يضيق المجال أمام من ينوي إرتكاب أي إعتداء فيها.
- الثاني: التحكم بالدخول Access control  – من خلال إستخدام بعض التقنيات لتحديد مستخدمي بعض الاماكن وخاصة السكن كهواتف المداخل وشفرات العبور وغيرها.
- الثالث: المراقبة Surveillance – ولا يقصد بها المراقبة من خلال الاجهزة الامنية أو الكاميرات فقط وانما أيضا من خلال تصميم وتوجيه المباني مثل فتح النوافذ نحو مواقف السيارات أو الشوارع الخلفية.
- الرابع: تحديد إحتمالية الاعتداء – من خلال إستخدام الحدود الواضحة للفضاءات الحضرية المختلفة والاسيجة وأجهزة الانذار وغيرها.
- الخامس: هيئة المكان Place Image  - من خلال الحفاظ على تنظيم المكان ونظافته وإزالة المخلفات باستمرار وإصلاح العناصر التي تتعرض للعطب أو التحطيم وعدم تركها كأعمدة الانارة ومواقف الباصات وإشارات المرور والنوافذ المحطمة. 
هناك نظرية في علم الجناية أو الاجرام Criminology تسمى بنظرية النوافذ المحطمة Broken Windows للامريكيان جورج كيلنغ وجيمس ولسون ملخصها إن المبنى الذي يتعرض الى إعتداء- تحطيم نافذة مثلا – إن لم يتم تدارك الامر بسرعة وإصلاحه فإن ذلك سيؤدي الى المزيد من النوافذ المحطمة ثم قد يتعرض الى إختراقه من البعض فإذا كان مهجورا ً فإنه سيتعرض الى الاستيلاء والتخريب وقد يتحول الى وكر للجريمة.
- السادس : تفعيل المكان place activation – من خلال توقيع بعض الفعاليات مثل أماكن اللعب والجلوس أو المقاهي وكذلك مواقف الباصات وغيرها من الاماكن التي تستدعي تواجدا ً في أوقات مختلفة لتقليص إحتمالية حدوث إعتداء.
 هناك الكثير من المفاهيم المشابهة والطرق والوسائل التي تمكن المخطط الحضري من دراسة وتحليل المكان والمدينة ككل وإيجاد ولو بعض الحلول الجزئية لعلاقة المكان بالجريمة والاعتداء. الا إنه يبقى مكتوف الايدي مسلوب الارادة أمام سلطة لامبالية وقانون مغيب ومجتمع قصير النظر.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي