رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 21 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1669

الشيخ الرفسنجاني، قائد ملتزم باخلاقيات «فقه الخلاف»

عادل عبد المهدي

شيعت جموع غفيرة من ايران والدول العربية والعالم الشيخ الرفسنجاني الى مثواه الاخير.. ودفن رحمه الله قريباً من استاذه وقائده اية الله العظمى الامام السيد الخميني. ونعاه سماحة الامام المرجع الاعلى اية الله العظمى السيد السيستاني، وأبّنه في كلمة مؤثرة، وصلى عليه مرشد الثورة اية الله العظمى السيد الخامنئي وكبار المسؤولين الايرانيين وابناء الشعب، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ حسن روحاني رئيس الجمهورية.
ارتبط اسم الشيخ رفسنجاني بالثورة والجمهورية الاسلامية.. فكان له دوراً كبيراً في الانتصار والتأسيس. لعب دوراً حاسماً عندما كان رئيساً لمجلس الشورى في المعارك الداخلية لتثبيت النظام وفي الحرب العراقية الايرانية. وعندما تسلم رئاسة الجمهورية لعب دوراً كبيراً في الانفتاح الخارجي، وفي الانطلاق الاقتصادي للبلاد. 
عرفت شخصياً الشيخ الرفسنجاني في فترة مبكرة.. وكنت حريصاً على زيارته كلما زرت الجمهورية الاسلامية، سواء اكنت في مواقع المسؤولية او خارجها. فالرجل صريح وواضح في افكاره، ويمتلك خزيناً من العلم والتجربة وبعد النظر تجعل مجالسته ثروة كبيرة لا تعوض بشيء. كان عميقاً وجريئاً في نظراته، تهمه شؤون العالم والمنطقة كما تهمه الشؤون الايرانية.. فوقف مع الشعب العراقي متجاوزاً اية حدود جغرافية او انشدادات قومية. كان نصيراً ومؤيداً في كافة المنعطفات الصعبة. زار العراق في  2012، وقد تشرفت بتنظيم دعوة له التقى فيها بكبار المثقفين والسياسيين العراقيين من مختلف الاتجاهات.
في حياة الراحل الرفسنجاني دروس كثيرة.. لكنني اعتقد ان اهم درس يمكن للمرء ان يتعلمه منه هو درس السلوك الاخلاقي عند بروز الخلافات. فشخصية بارزة كالشيخ رفسنجاني كانت دائماً محل تاييد واختلاف واسع في آن واحد. وهذا يصح ليس مع القوى والتيارات الايرانية العليا، بل مع الجمهور الايراني الذي يتمتع بحيوية ومتابعة واجتهاد وجد قلما تتمتع بها شعوب اخرى. رغم ذلك لم يفقد هدوء اعصابه، ولم يضطرب خطه الفكري والمسلكي، بل بقي مخلصاً للمبادىء الاساسية الى اخر ايام حياته. لم تمنعه المجاملات من الكلام بكل جرأة وشجاعة عما يؤمن به، ولم يخف رؤيته عند اشد الخلافات، لكنه لم يتخل عن احترام الاخر، وايجابية التعامل معه، وبقي حريصاً على ان تبقى الخلافات في اطاراتها المنضبطة والمسؤولة. مدركاً ان طريق الاصلاح لا يمر عبر المزيد من التمزق والصراع وردود الفعل، بل عبر تجميع القوى واتحاد المخلصين، لتأتي الظروف مؤكدة القناعات التي توحد الجميع. وهذا سلوك لم يفارقه ليس فقط في سنواته الاخيرة، بل كان نهجاً ثابتاً لديه. واتذكر مرة، في عام 1986، انه قال (بالمعنى وليس بالنص) في "مؤتمر نصرة الشعب العراقي"، وكان يومها رئيساً لمجلس الشورى، ان اصلاح الدولة بعد الثورة امامه طريقان.. اما حملات تصفية واسعة لكل منتسبي اجهزة النظام القديم، او انتظار توغل الدماء الجديدة الى اجهزة الدولة، لتزاح عناصر القديم بالتدريج. وقال ان الطريق الاول سريع وفعال مؤقتاً، لكنه سيجدد بالتدريج دورة الاحقاد وانضمام اطفال وعوائل المنتسبين القدامى من غير الطغمة الحاكمة الى جموع المتمردين والرافضين للنظام الجديد، او الطريق  الثاني فهو قد يكون بطيئاً ، وفيه مشاكل كثيرة على المدى القصير، لكنه يمنح الاطمئنان والاستقرار على المدى الطويل، وان علينا ان نعد الشباب الجديد بشكل جيد ليستوعب مبادىء الثورة، وهكذا ستزداد الدماء الجديدة بانتهاء خدمة الدماء القديمة، دون الكثير من اعمال الانتقام والاذى من منتسبين لا ذنب لهم سوى انهم كانوا موظفين دولة في فترة الشاه. فالشيخ الرفسنجاني كان واقعياً ومبدئياً في آن واحد.. وان هذا السلوك وسم حياته في المواقف السياسية والاجتماعية سواء ما يتعلق بالاوضاع في ايران او في العراق والمنطقة والعالم.
رحم الله الشيخ الرفسنجاني، وتعازينا الحارة للقيادة الايرانية وللشعب الايراني ولمحبيه ولاسرة الفقيد الراحل، وانا لله وانا اليه راجعون.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي