رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 24 كانون الثاني ( يناير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1649

«العالم».. بين يديك!

قاسم حول


هل الناس الذين يأتون بعد مائة عام، يذكروننا أم ينسونا؟! عبارة قالها الكاتب المسرحي الروسي الفذ "إنطون تشيخوف". عندما قرأتها وأنا طالب في معهد الفنون في مسرحية الأخوات الثلاث، توقفت عندها وعند عبارة مائة عام؟ والزمن نسبي مثل كل شيء، فقد تكون بضع سنوات تساوي دهراً في حساب الزمن. وقد يكون الدهر بضع سنوات. ولذا فإن ما مر علينا من عسف ومن ظلم على يد الدكتاتور الأرعن وما نعانيه الآن من حيف على يد السلطة "المتدينة" و"المتدنية" لهو زمن ثقيل كالدهر، ولكن حين يقرر العراقيون اختصار الزمن ويهبوا لإنقاذ وطنهم ويوقدوا شعلة الأمل التي تكشف وجوه اللصوص في عتمة الليل، فسيصبح الدهر يوما أو بعض يوم!
 أكتب هنا، متذكراً الكاتب اللامع الراحل "أحمد مهنا" يوم قرر والشخصية الديمقراطية "مهدي محمد رضا الهاشمي"، أطال الله في عمره، أن يهديا الشعب العراقي ويهديا العالم صحيفة "العالم" التي تمر اليوم ذكراها الثامنة. كلموني أن أكتب فيها. اسمان؛ لا يملك الفرد أن يرد لهما طلباً، ولكن يدي على قلبي كما يقال.. كيف يصدر المتحضرون صحيفة في وطن تفشت فيه الأمية، وبشكل كبير الأمية السياسية؟!
قبل عام، سألت مستشاراً سياسيا كبيراً في الدولة العراقية الحاضرة عن دراسة كتبتها في صحيفة "العالم" بعشر حلقات، أن يقرأها ويتابعها لأن فيها ما يهمه. سألني أين نشرتها قلت له في صحيفة "العالم" قال لي وأين تصدر هذه الصحيفة؟ والمسافة بين مكتبه ومقر جريدة "العالم" هي المسافة بين الجادرية والبتاوين! فذهلت أن في الوطن بشراً وفي موقع المسؤولية السياسة ليس فقط لا يقرأون، بل لا يعرفون أن في بلادهم صحيفة مرموقة اسمها "العالم" تزهو بعنوانها، تتغنج بجمال ألوانها، تكتب الرأي الحر الديمقراطي. يسطر الكتاب المختلفون رأيا، يعبرون عن مواقفهم بمنتهى الحرية، صحيفة تنشر الرأي الحر، وتنشر الأدب والقصة والشعر والرياضة إلى جانب التحليل الأخباري. تصيحك من بين الصحف في أكشاك الباعة ومكتباتها. فإذا كان المستشار السياسي وهو مستشار لأكبر رأس "باجة" في الدولة العراقية لا يعرف إنْ كانت ثمة صحيفة تحمل اسم العالم تصدر في العراق والمسافة بين مقر عمله والصحيفة هي المسافة بين الجادرية والبتاوين، أليس من حق تشيخوف أن يتساءل "هل الناس الذين يأتون بعد مائة عام يذكروننا أم ينسونا، فيما الناس الذين بيننا أو الذين نحن بينهم، وهم في موقع المسؤولية، الذي عليه أن يقرأ وأن يدرك وأن يفهم وأن يتأمل كل حرف وكل كلمة وكل سطر وكل ما هو بين السطور.. ليس فقط لا يقرأ السطور وما بينها بل هو لا يقرأ أصلا ولا يعرف أصلا أن في العراق صحيفة مرموقة اسمها "العالم"!
هذه الصحيفة الجميلة يحررها أربعة عراقيين فقط، أربعة عراقيين "أبطال" وكل كتابها عراقيون وطنيون مبدعون؛ يحبون وطنهم حد الشتيمة وحد اللعنة، وأنا في مقدمة الشاتمين حد اللعنة لأنني أموت حبا في العراق. كل كتاب الرأي "الحر" في جريدة "العالم"، كل كتاب الرأي غير المحسوب انتفاعا، وكل كتاب الأعمدة التي تمسك سقف الجريدة وجدرانها يبدعون حتى لا ينهار بنيان الجريدة بسبب العوز أو الضائقة الاقتصادية، لأن الصحيفة في العراق لا تتلقى الدعم من دولتها، ولا من مؤسسات الدولة ولا من شركات الطيران مثل بقية بلدان العالم المتحضرة ولا ترفدها مؤسسات الدولة بالإعلانات. إلى كم من الوقت يستطيع صاحب الجريدة أن يستورد الورق وأن يستورد الأحبار وأن يرمم المطبعة حين يصيبها الوجع، وإلى متى يظل المحررون الأربعة سهرانين حين ينتظرون خبراً لم تكتمل معلوماته بعد، كأن تنفجر مفخخة في مدينة الثورة، فينتظر المحرر أن يأتيه النبأ اليقين في آخر الليل من المستشفى عن عدد الذين أدخلوا في براد الموتى أو الجرحى يأتون على أسرة الأوجاع! أيه أصحابي كتاب "العالم" وأيه يا أصحابي المحررين.. أصمدوا قليلا.. فلم تبق من مسافة الطريق سوى خطوات، ستمشيها الجموع في مسيرة ليست من مسيرات الأوجاع حين تسقط الأكف على الصدور، ولا من مسيرة السلاسل حين توجع الظهور، ولا من مسيرة الطبر وجلد الذات، بل ستمشي الجموع مرددة النشيد الوطني العراقي. نشيد "العالم" نشيد موطني! والله لم تبق من مسافة الطريق سوى خطوات نمشيها معا.. مسيرة يتقدمها شباب في بعمر الورود، سمر الزنود، وأيديهم على الزناد، هم شباب الحشد الشعبي، الذين يعودون محملين بالخبرة القتالية والوعي الوطني يسيرون آتين من المنطقة الحمراء، متوجهين نحو المنطقة الخضراء. شباب سوف يوقدون شعلة الحرية التي تكشف نارها وجوه اللصوص ووجوه القتلة ووجوه الغرباء، شباب بعمر الورود يرفعون راية النصر السومرية، وليست راية الدكتاتور "الله أكبر" شباب بعمر الورود، يستحقون العراق ويستحقهم وهم يرددون.
"موطني.. موطني.. الجمال والجلال والبهاء والسناء في رباك
هل أراك، سالما منعما وغانما مكرما،
هل أراك في علاك تبلغ السماك.. موطني.. موطني".
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي