رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 21 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1669

ثماني سنوات...

صالح الرزوق*

صدرت صحيفة "العالم" عام 2010. بمعنى أن عددها الأول صدر في ذلك التاريخ. لكن في الحقيقة كلما اطلعت على محتوياتها أجد أنها كانت موجودة من قبل. وشكلها الحالي عبارة عن إعادة إخراج أو تصميم جديد.
ومثل هذه المعرفة النابعة من الذهن ومن المشاعر تدل على أنها جاءت لاستكمال نفس الرسالة الاجتماعية التي حمل لواءها الرواد.
أحمد حسن الزيات في الرسالة. وجرجي زيدان في الهلال. وعلى نحو أكثر فاعلية سامي الكيالي في الحديث. 
لقد ورثت صحيفة "العالم" من كل هؤلاء صيغة العمل الناجح. وهو الإخلاص لما تقول. والمحافظة على الاستقلالية في عالم تشوبه كل صفات الاستغلال، وانتهاز الفرص. والعمل من خلف الحاجز الزجاجي الذي يعتقد سارتر أنه يفصلنا عن العالم لكنه يخولنا رؤيته.
أجزم أن الصحيفة مفصولة عن الحريق الجنوني الذي يلتهمنا كل يوم. ولكنها تحترق بنفس الأسلوب الذي تكلم عنه إدوارد شيفرناذزة في مذكراته. فقد لاحظ أن الجمر لا يتشكل إلا في الرماد، والصحافي المحظوظ هو الإنسان الذي يعرف كيف يقلب هذه الجمار، قبل أن يبرد الموقد، وقبل أن تموت النار، وتخمد حرارتها.
هكذا هي سياسة "العالم".
تلقي الضوء على مصادر الإضطراب والفوضى في جو تتحكم به المنافسة. ويستولي فيه الكيار على أصول اللعبة. وإذا كان عمالقة العمل الصحفي في السابق هم من تحلى بالديمقراطية والجرأة ولا سيما في القاهرة في نهايات التاسع عشر وفي بيروت في منتصف الثمانينات فإن الكفة تميل حاليا بكل أسف للمال السياسي الذي يجتذب الكفاءات، ولكن يكبلها بفتات الموائد.
أعتقد أن الهبة التي ينتظرها الصحافي هي هبة أخلاقية. بمعنى تقديم كل العون الممكن له ليكون حرا وليرسم لنا الصورة الصحيحة كما يراها وكما يشعر بها بوجدانه. لقد تسبب لنا أدب المناسبات بهزائم منكرة. ليس أولها نكبة 1948ولن يكون آخرها تدمير بنيتنا التحتية في سلسلة حروب بينية طويلة. لا أعتقد أن شراء الذمة أو الترهيب والتخويف ينفع مع الصحافة. فهذا سيحولها إلى كلام بلا معنى. أو أقله إلى إنشاء لا يغني ولا يسمن من جوع. 
إن الصحافة ليست رسولا ولا نبيا يهبط من السماء. وليست محصنة عن الأخطاء. لكنها في كل الأحوال جرس إنذار. لو تدخلنا في آلية عمله بأساليب قسرية لن يرن في الوقت المناسب. وخطأ الأمم النامية بموازاة العمل الانتحاري. أزعم أن الطاقم في "العالم" بإمكاناته القليلة استطاع أن يلقي حزمة من الضوء، وأن يستقطب بعض الأقلام العربية، من الدائرة ومن خارجها. وهي أقلام مخضرمة أو أنها مبتدئة. ولكن لديها سلطات ذات، تعرف كيف تحترم المشاكل والكوارث. لا تجسم الهفوات وفي نفس الوقت لا تقلل من شأن المخاطر العابرة التي تسببت لنا بانزلاقات وخسائر وسقطات نحن نعاني من إحداها الآن.
لقد فاجأت التطورات مؤسسات لها أساس متين كالسفير (وهي من نتاج الحرب الأهلية في لبنان)، والآداب (وكانت الأب الحنون لكل الاتجاهات العروبية) وملحق الثورة الثقافي السوري (بنسخة علي سليمان ومحمد عمران والذي قاوم محنة العقل التكفيري ولكن لم يصمد أمام ألعاب القوميين الكلاسيكيين أصحاب الأقدام المعفرة بتعبير الدكتور عصمت سيف الدولة. أو ما أقول عنهن منتعلي الأحذية الباردة). غاب كل هؤلاء بسبب قسوة الظرف ولا معقوليته. وقد سبقهم ولا ريب كوكبة من نجوم الخمسينات والستينات كالطالب العربي والمعلم العربي اللتين صدرتا في دمشق وقدمتا لنا نجوم تلك الفترة أمثال الدكتور طه حسين وتيسير شيخ الأرض وأمينة السعيد ومعهم عراب أدب المراهقين يوسف السباعي وخليفته إحسان عبد القدوس. كل هؤلاء طوتهم المغامرة مع الكلمة المستقلة. وهي كلمة تعيش بروحها وليس بصورتها. وما دامت الروح كالطاقة تتحول ولا تفنى فأرجح أنها حلت أو تقمصت صحيفتنا هذه.. "العالم". وما زالت تتابع دورها في الحوار مع الذات والآخر.
* روائي وأديب وأكاديمي سوري

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي