رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 29 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1693

حي على خير العمل ..!

الأديان التوحيدية، هي مرحلة من مراحل الحضارات الإنسانية، الحضارة بمعنى التألق، ومعنى السقوط على حد سواء. وكان سر الموت وسر الحياة يلعبان دوراً في تألق الحضارات والفلسفة والإقتصاد والفكر والأساطير، والأديان لاحقا. فالأساطير السومرية، وصناعة الآلهة وبناء المعابد، وبحث كلكامش عن الخلود، والإهرامات المصرية، والتحنيط والمومياءات والتماثيل كلها شواهد ونصب تعبر عن فكرة البحث في الوجود بديلا عن العدم. وحين ظهر ما أطلق عليهم الأنبياء والرسل، وإعلان علاقاتهم بالمطلق، فإنما لإضفاء القدسية السماوية على شخصياتهم. وكانت هذه العلاقة قد برزت بشكل واضح في أول الأديان نصف السماوية متمثلة بالمعتقدات الإغريقية. وحين ظهرت الأديان التوحيدية، فإنها أخذت من الأديان غير التوحيدية فلسفتها، وأبدلت الأسماء فحسب، وبقيت الأفكار والفلسفات قائمة، وحتى فكرة تعدد الآلهة وأنصاف الآلهة باقية حتى يومنا هذا. وما شكل السلطات والزعماء والدكتاتوريين ورجال الدين ومراتبهم، سوى شكل من أشكال تعدد أنصاف الآلهة! الفرق الوحيد بين الديانات التوحيدية وغير التوحيدية، أن الديانات التوحيدية تمكنت من نقل الإله من المعبد إلى السماء فوق السابعة حتى لا تطاله أيدي العامة، وتم التخلص من فكرة العدم، واستبدالها بفكرة الخلود في الجنان المزدهرة، حتى إذا ما بدأت بوادر العلم، في إكتشاف الحقائق الموضوعية، وإكتشفت أسرار السموات والكواكب أصيب رجال الدين بالرعب، خوفاً من اكتشاف حقيقة الوجود والعدم، فيخسرون مهنتهم كأنصاف آلهة لا يزالون يهيمنون على مشاعر العامة. في الغرب، باتت الكنائس شبه خالية بسبب تطور الوعي الإنساني، وتحولت الكثير من الكنائس إلى منصات لتقديم المسرحيات وعزف سيمفونيات الموسيقى، سيما وهي أساسا مهيأة لأن تكون كذلك، فإضافة لطرز بنائها الجميل، فإنها مزدانة باللوحات العبقرية في سقوفها وجدرانها وبالتماثيل والآلات الموسيقية، وبقي صوت الناقوس ورنينه المنعش دعوة لحضور التراتيل والكورال المموسق بأصوات الملائكة من الإناث والشباب. وعندما ظهرت الرسالة الإسلامية اتخذ الناقوس شكل الآذان بديلا كدعوة لحضور طقوس الصلاة، لكن الرسالة الإسلامية اتخذت مثل أسلافها من الأديان التوحيدية وغير التوحيدية شكل السلطة الدينية فتحول بعض البشر من خلال هذه السلطة، إلى أنصاف آلهة أو ممثلين شرعيين لسلطة الآلهة، يستلهمون قوتهم من قوة المطلق الخفية. والأذان نفسه قد تطور كنغم، حتى وصل إلى نغم "الحجاز" المعروف في سلم المقامات الغنائية. وقد أجريت تحولات في كلمات هذا النغم واللحن غير المموسق. ومنها ما أدخلته المعارضة الإسلامية في كلمات "الأذان" كرد على السلطة الحاكمة "حي على خير العمل" وهو اتهام السلطة الإسلامية الحاكمة، بممارستها أعمالا ليست خيرة. وبالضرورة فهي غير مباركة، ولا تستحق التكريم، ليس هذا فحسب، بل أعلنت المعارضة عبر الأذان عن مرشحيها البدائل لأنصاف الآلهة الحاكمة والمتربعة على عرش السلطات! وتمثل منصة إطلاق الاذان من أعلى بناء يسمى "المنارة" القمر الإصطناعي والصحون المعروفة اليوم، بإسم صحون  البث الفضائي. هكذا بدأ الصراع على السلطة، عاشت معه البشرية الإسلامية طوال أكثر من ألف وأربعمائة عام، حقباً حضارية بعضها مزدهر، وبعضها يقع في عتمة الظلام! 
أدخلت قوى المعارضة الإسلامية في الأذان شعار "حي على خير العمل" كشكل من أشكال التنديد بالسلطات الحاكمة، كونها لا تؤدي العمل الخير والعمل الهادف الذي يمكن مباركته، وبدأت قوى المعارضة الإسلامية تناضل ضد السلطات التي لا تؤدي الأعمال الخيرة. حتى أطاحت بها في العراق بقوة البوارج الحربية الأمريكية وطائرات الفانتوم وجنود المارينز. وتسلمت السلطة من أحفاد أبي سفيان الإرهابيين والذين يمارسون كل أشكال الأعمال غير الخيرة والتي لا يباركها الله والملائكة! 
يتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في تهديم السجون وإبطال مفعول قوى المخانيث في بيوت الأشباح في التسلط على الفرد السجين البريء والإستفراد به لحد الموت. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في عدم الإستيلاء على ممتلكات الناس وإتخاذها مقرات لإقامة أنصاف الآلهة. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في عدم السماح بالثراء الفاحش على حساب خبز الناس ومستقبل الوطن. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في مبدأ الإنسان المناسب في المكان المناسب في إشغال المناصب. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في سيادة العدالة وغياب الحيف في مكافأة الجهد ومكافأة المعرفة، والتمييز العادل بين الجاهل والعالم. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في سيادة قيم التحرر والتمدن والمعاصرة. ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، بإزدهار الثقافة والفن والحرص على ذاكرة الوطن وتاريخه.  ويتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في صيانة ثروات البلاد وحفظها وإستثمارها في سعادة الناس بأوطانهم. وأخيراً يتمثل "خير العمل" الذي يباركه الله وملائكته، في توفير قنينة الماء لطفل السماوة حين يشعر بالعطش وهو يشحذ في الصيف القائظ، ولا يضطر لسرقتها، فيحكم بالسجن عاما كاملا! حينها يصح القول من على شبابيك المنائر الفضائية "حي على خير العمل.. قد قامت الصلاة!" 
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي