رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 29 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1693

إشكالية الوطنية.. الثقة المتبادلة، والشك المتبادل؟

قبل سقوط النظام السابق.. كان النظام يتهمنا وكنا نتهمه. وكانت التهم تتغير من وقت لاخر. في فترة الشاه كنا نمر في ايران عند العبور الى العراق، واذا القي القبض على احدنا، فالنتيجة تسليمه للنظام وفق اتفاقية 1975، او بالعكس تسليم المعارض الايراني لنظامه. وهكذا سجن واعُدم كثيرون نتيجة ذلك. وقبل اجتياح الكويت كنا ندين النظام العراقي لعلاقاته بدول الخليج.. وكانت تلك البلدان تتعاون مع النظام العراقي وتضيق علينا الخناق. وبعد اجتياح الكويت واخراج النظام العراقي منها كنا نتردد على دول الخليج وبالذات الكويت والسعودية وكان النظام يتهمنا نتيجة ذلك.. والأمر نفسه مع الاردن وتركيا وسوريا التي كنا نلتقي فيها ونستغل خلافاتها مع النظام، او تضيق علينا عند تقاربها معه. فهل الوطنية موسمية؟ وهل الوطنية هي العمل داخل البلاد فقط؟ وهل الوطنية هي السلطة؟ فالعمل معها وطنية، والعمل خارجها خيانة. هذا جانب من الاشكالية.
اما الجانب الاخر من الإشكالية فهو حدود الوطنية العراقية وامتداداتها، وعلاقتها بالوطنية القومية والوطنية الاسلامية و الوطنية الدينية، والوطنية الاممية؟ فجميع الحركات والاحزاب التي عملت في العراق منذ استقلاله وليومنا هذا لها امتدادات اقليمية وقومية ودينية واممية. فتعقد المؤتمرات وتتعاون مع اشقائها دون ان تعتبر ذلك تجاوزاً على الوطنية العراقية. فهل يتخندق كل منا خلف معتقداته ليفصل منها ما يبرر لنفسه ويدين مواطنيه الاخرين؟ ام هناك منطلقات ومباني تسمح برسم الخطوط الفاصلة بين علاقات سليمة ووطنية وبناءة، وبين علاقات مشبوهة وغير سليمة وغير وطنية. هذه اشكالات كبيرة تنظم الخطاب والشعارات والمواقف السياسية والتي يمكن ان تنتج وفاقاً اجتماعياً وقبولاً يتفهم مختلف التلاوين والتيارات؟ ام نتخندق كل في مفاهيمه واصطفافاته لتصبح ادانة الاخر جزءاً من مفاهيمه وتصوراته التي لا تتغير، فنستمر بانتاج الصراعات والمنازعات الازلية، ما دمنا نتبنى موضوعة رأي صحيح بالمطلق.. ورأي غيري خطأ بالمطلق.. ولا نتخلق بقاعدة "رأي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
لا يمكن اعطاء تعريف للوطنية العراقية خارج ظرفها السياسي والجغرافي، الا اذا اردنا المغالطة والكيل بمكيالين. لا يمكن اعطاء تعريف الوطنية انطلاقاً من مفهوم السلطة فقط. الامر واضح عندما تكون السلطة مستبدة ودكتاتورية تقمع من يخالفها، فالوطنية الحقة في هذه الحالة هي الخروج على الحاكم وتعريته بكل وسيلة ممكنة بما في ذلك في المجالات الاقليمية والدولية. ولكن ما هو الحكم عندما تكون السلطة ديمقراطية وتفتح المجال لشتى التيارات للعمل وفق دستور تم الاتفاق عليه. فهل هذا كاف؟ نعتقد ان الحكمة وحماية الوطن والوطنية تقتضي التمييز بين مجتمع استقرت مكوناته ووجدت جميعها مصالحها مستبطنة بمواطنتها، واخر ما زال يعيش الازمة، وما زالت مكوناته متململة قلقة لا تشعر بالاطمئنان لاوضاعها. فطرف يتعرض للارهاب والقتل اكثر من غيره.. وطرف يشعر بالتهميش والملاحقة والاعتقال اكثر من غيره.. وثالث يسعى لتعزيز هويته وجغرافيته.. ورابع يشعر ان حقوقه مهضومة وان القضاء والمحاكم والمؤسسات لا تنصفه فيلجأ للخارج هجرة او دفاعاً عن نفسه.. في مثل هذه الاوضاع سنظلم انفسنا واخواننا ان حصرنا مفهومنا للوطنية العراقية تشبهاً بمجتمع استقرت اوضاعه ومبانيه. هذا هو التمييز الاول للوطنية.. اما التمييز الثاني للوطنية فهو عدم جعل الوطنية العراقية حاجزاً امام الامتدادات الخارجية الايجابية والسليمة والطبيعية، التي هي حاجة وضرورة للدولة والشعب والقوى والتيارات المختلفة. فالعالم ليس مجرد دول تجاور بعضها، بل هي ايضاً مصالح وثقافات وانتماءات متداخلة بشكل واسع. ففي السياسة، لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم. وان الوطنية الحقة يجب ان تكون حاجزاً للامتدادات السلبية والخاطئة واللئيمة والمتآمرة التي هناك اجماع او شبه اجماع وطني على رفضها، وان تنفتح للامتدادات التي تشكل فضاءات طبيعية وتكوينية وتاريخية وانسانية تقبلها وتشرعنها كافة الدول والشعوب، وتعمل بها خارج الاصطفافات والمحاور والمنازعات السياسية المؤقتة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي