رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

مجد إبراهيم من سوريا

كان غزو الأمريكان للعراق مقلقا في البداية لبشار الأسد. استعادت العلاقة مع الزئبقي الخطر صدام حسين حديثا, شيئا من الدفء. كان بلا شك متأكدا من انه سيكون التالي في القائمة الأمريكية. ولكن في عام 2000 وكما حدث لمعمر القذافي رأى الأسد ان لا شيء يخيف من جانب الولايات المتحدة المتخبطة.
لم تترجم تلك الثقة إلى حرية للشعب السوري.. كما حدث في زمن الوالد, عاشت الرعية في خوف من رجال الأمن ومن شبكة من رجال للسلطة أشداء يسمون الشبيهة. كان جهاز التجسس منتشرا في كل مكان أو الخوف منه, ولم تكن السياسة موضوعا مريحا للمناقشة في البيوت وقد تلغى  تماما.
"لا استطيع أن أتذكر والدي يقول شيئا, أي شيء, عن النظام"، مجد إبراهيم يقول، "كما أني لا أتذكر واحدا من أقاربي أو من جيراننا يذكر ذلك.. عندما يتعلق الكلام بالدولة تسمع من يقول, ربما يقف شرطي المرور الفاسد في الزاوية, لا تتحدث عن هذه الأشياء مع أي كان".
بسبب نشأته التعليمية الراقية في مدرسة كاثوليكية, أحس بالصدمة وهو ينتقل بعد الصف التاسع إلى مدرسة ثانوية رسمية. طرقه الحديثة ونمط تفكيره الدنيوي جعلته يبتعد غالبا عن زملائه المتأثرين بالفكر الإسلامي. والتعليم كان سيئا جدا -abysmal-. لكن المدرسة الثانوية تعتبر مرحلة متعبة لكثير من الناس.
تخرج  في صيف 2010. لم يحصل على درجات كافية لإدخاله كلية الطب أو الهندسة, وهكذا التحق بجامعة البعث في حمص، في ذلك الخريف ليتابع تعليمه في إدارة الفنادق.
وربما كان ذلك أقرب إلى مزاج مجد غير المكترث.. وهو شاب أنيق حسن الطلعة, مؤثر, مما مكنه من إقامة العلاقات السريعة مع الناس, منجذبا إلى تصوراته عن عالم ما وراء حمص. يحلم أن تمكنه شهادته من الحصول على عمل في أفضل فنادق دمشق. "فهي تمثل واحدة من أحسن الطرق  للتقدم", هو يقول, "والعيش الكريم". لكن هناك الجانب الآخر من المدينة الذي لم تسنح الفرصة لمجد أن يفكر به مليا ضمن حياته القصيرة: حمص في الحقيقة هي ملتقى الطرق التي تذهب إلى أنحاء سوريا. تقع في منتصف الطريق العام الواصل بين دمشق وحلب. كما أنها النهاية الشرقية لخط المواصلات بين داخل سوريا ومدنها الساحلية.
وهي محور مصافي النفط والغاز – وهذا منطقي بحكم مرور خطوط أنابيب النفط والغاز قادمة من مراكز الإنتاج في الصحراء الشرقية, تمر عبر المدينة إلى الساحل. فإذا كان كل هذا مدعاة لرخاء المدينة في السلم فإنها في حالة الحرب ستكون مركزا للصراع الحاد طمعا بالسيطرة عليها.
في الوقت الذي بدا فيه مجد في جامعة البعث, كانت المدينة قد اشتعلت فيها الحرب قبل أشهر قليلة.
*****

الجزء الثالث 
الربيع العربي/ 2011 - 2014


ليلى سويف من مصر

لقد عملت ليلى في السياسة المصرية زمنا كافيا جعلها تؤمن بما سمعته عن مظاهرة 25-1-2011. يقول لها احد النشطاء الشباب "لن تكون مظاهرة, ستكون ثورة". فهمتْ حماس الرجل. فقبل أيام ضحّى بائع الفواكه التونسي بنفسه حرقا وقامت المظاهرات التي أطاحت بالحاكم المزمن زين العابدين بن علي. وعبر العالم العربي كانت الثورة تملأ الأجواء. لكنها, هنا, مصر. توقعت ليلى مؤتمرات صحفية, اجتماعات للجان التضامن, ربما بعض الإصلاحات الإعلامية, وقطعا ليس. خروجا مسلحا على النظام. بل أنها اعتبرت الأمر نكتة. كانت قبل يوم من المظاهرة في مؤتمر ثقافي. وحينما سألها احد المنظمين للمؤتمر إن كانت ستأتي في الغد أجابت "لدينا غدا ثورة, فإذا انتهيت مبكرة سأكون هنا".
في اليوم التالي اقتربت ليلى من ساحة التحرير، فأدركت أن ما تراه يختلف  عن احتجاجات المصريين الدرداء الماضية. حتى تلك اللحظة كان المتظاهرون – القاهريون - يفترضون نجاح المظاهرة إذا أغرت بضعة مئات للإشتراك فيها.. في ساحة التحرير يوم 25 كانون الثاني, كان عدد المتظاهرين يربو على 15.000. ثم سمعت ليلى بعد قليل أن الآلاف قد تجمعت في نقاط تظاهر في أطراف المدينة، بل في مدن ومناطق أخرى  في مصر. في ساحة التحرير كما في أي مكان في الوطن, كانت قوى الأمن مصعوقة ولم تجد غير أن تتراجع جانبا، بينما كانت النداءات بالإصلاح قد تطورت إلى سقوط حسني مبارك.
تواصلت المظاهرات لليومين التاليين, وفي يوم 28 كانون الثاني، استنتجت ليلى أن لدى المتظاهرين إمكانية ثورة.. وفي ذلك الصباح توجهت هي وأصدقاء إلى أمبابا، شمل غرب القاهرة للانضمام إلى مجموعة تنوي الذهاب في مسيرة إلى ساحة التحرير للمشاركة. وإذا بجدار من قوى الأمن بقيافتهم لمكافحة الشغب. وبعد تفريق المتظاهرين لاحقهم الجنود إلى أزقة أمبابا الضيقة, وهم يطلقون الغازات لتفريق المتظاهرين.
"لقد كانت غلطة غباء" تشرح ليلى, "لقد كانت ممرات ضيقة بين البيوت, وحيث يعيش بعض الناس في الشوارع. كان ذلك إذلالا لأمبابا. وتحولت إلى معركة أكيدة بين القوات الأمنية والسكان. ولم يتحرك الشعب من مكانه, إنهم قادمون على دحر العسكر وإحراق مركز الشرطة أو يموتون وهم يحاولون".
استمرت معركة امبابا إلى وقت متأخر بعد الظهر. ليلى وقد انفصلت عن أصدقائها, قررت ان تسير وحدها إلى مركز المدينة. وكانت رحلة مخيفة. الشوارع مقفرة والنيران تتصاعد مع اختلاط الظلام: في السيارات, والمتاريس, ومراكز الشرطة. صدى إطلاقات نارية يأتي عبر الأبنية أو أصوات رمي لبنادق هجومية. بحلول الظلام وصلت ليلى إلى شارع رمسيس, شارع رئيسي في وسط القاهرة.
"وفجأة ظهر الجمهور المحتشد للمتظاهرين, مسرعين في شارع رمسيس بعد أن اخترقوا نطاق الشرطة المضروب حول المنطقة, وهم في طريقهم إلى ساحة التحرير.. شاهدني احد الشباب واقفة هناك، فأقبل نحوي واحتضنني لا بد انه كان يعرفني من قبل وشاهدني في ساحة التحرير، وقال ’لقد قلت لك أنها ثورة!‘، وكانت تلك اللحظة التي عرفت أنها الحقيقة, وأننا منتصرون".
طيلة الأسبوع التالي كانت المظاهرات تزداد حجما وقتالية - militancy, بمقابل ازدياد لقسوة الحكومة في استجابتها. العساكر استبدلوا القنابل المسيلة للدموع بأسلحة ذخيرة حية. في الأول من شباط أخذ حسني مبارك المتحدي، عهدا على نفسه وعلى الهواء, ألا يترك مصر وانه سيموت فيها، وفي اليوم التالي حدث المشهد الذي يصعب تصديقه: معركة الجَمَل  سمّوها. على ظهور الخيول والجمال هاجم عشرات من البلطجية  المستأجرين من الحكومة, خيام المتظاهرين في ساحة التحرير وبأيديهم أسواط قصيرة وطويلة.
في اليوم التالي هاجمت الشرط العسكرية مركز أحمد سيف للقانون، واقتيد هو وعشرة من الآخرين إلى المخابرات العسكرية للاستجواب. وتناوب على استجواب احمد وليومين عدد من الضباط. لكنه لن ينسى واحدة من تلك المقابلات. حدث ذلك في صباح 5 شباط, رئيس المخابرات العسكرية, جنرال عديم اللون يدعى عبد الفتاح السيسي كان منصرفا لقضية أخرى  حين تخطى عابرا مكان احمد وبعض السجناء وألقى محاضرة مرتجلة. انذر السيسي مستمعيه الأسرى من أنهم يجب أن يحترموا الرئيس مبارك والقيادة العسكرية لمصر وأن عليهم بعد إطلاق سراحهم العودة إلى بيوتهم ونسيان ساحة التحرير. احمد أضاع فرصة الصمت ورد بحزم من أن مبارك فاسد. على الفور تغير موقف الجنرال المتعالي إلى الغضب. "تحول إلى رجل غاضب؛ وجهه احمرّ". وصف أحمد المنظر بعد سنين إلى صحيفة الجارديان، "تصرف على أساس أن كل مواطن يجب أن يحترم رأيه. ويجب أن لا يعارضه احد علانية. وعندما عورض علانية تركه".
ما إن تم تحريره عاد احمد إلى البيت ليغير ثيابه ثم التحق بساحة التحرير.
صار واضحا حالا أن النظام فقد سيطرته. من أنحاء الوطن وردت أنباء رفض الجيش تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين. واصطادت الكاميرات في ساحة التحرير مشاهد احتضان الجنود للمتظاهرين وتقديم السجاير لهم.
في 11 شباط حانت أخيرا ساعة حسني مبارك. فبعد أن قدم استقالته, استقل الرئيس هو وعائلته الطائرة وفروا إلى ملجئهم الفخم في شرم الشيخ على البحر الأحمر.. وما إن سمع المصريون الخبر حتى انفجروا  في احتفالات, ولا مثيل أبدا لاحتفال ساحة التحرير.
لكن مجموعة صغيرة كان فرحها ممزوجا بالقلق, خاصة بعد الإعلان أن ضباطا كبارا، المجلس الأعلى للقوات المسلحة –scaf- سيستلم السلطة موقتا وحتى الانتخابات. ومن الذين أصابهم القلق كانت ليلى سويف.
"في الأيام الأخيرة لمبارك" تروي ليلى, "كنا نراقب القادم من الأمور, حولت, أنا, ومجموعة من المستقلين أن نتحدث إلى الكتل السياسية من مختلف الاتجاهات. ’امسكوا السلطة. لا تنتظروا السماح بذلك. تولوا السلطة الآن قبل أن يأتي العسكر‘"، وكلهم قالوا: ’نعم هذه فكرة جيدة. سننظم اجتماعا للبت في ذلك خلال اليومين القادمين‘. هزت ليلى رأسها  وضحكت بمرارة "ربما كنت أطلب كثيرا، ولكني اعتقد ربما أننا عاجزون عن تدبير الأمر. الشعب يريد أن يحس انه قد ربح المعركة.. وليس نحن  المسيّسين, الملايين يجب أن تشعر بالانتصار بعد أن نزلت إلى الشارع. يريدون وقتا يستشعرون فيه بالانتصار". وارسلت حسرة كبيرة, وظلت صامتة بعض الوقت "لا ادري. حتى هذا اليوم, لا اعرف. ولكني أظن أنها كانت لحظتنا الحرجة, وأننا خسرنا". 

مجدي المنكوش من ليبيا

أكمل مجدي عامه الثالث والأخير في الأكاديمية الوطنية للقوة الجوية, مجموعة مبان منتشرة جنوب غرب مصراطة, مؤملا الحصول على شهادة في هندسة المواصلات. لكنه كان جنديا غير محتمل, فهو رقيق القلب, واقرب  إلى القِصَر والسمنة، لكن الأكاديمية كانت اختيارا سهلا لمجدي, مكنته من التمتع بإجازات منظمة لزيارة أهله, على بعد أميال قليلة, والتسكع مع أصدقائه المدنيين. هو وزملاؤه الشباب كانوا يتابعون أخبار الانتفاضة في تونس ومصر وهم مندهشون, لا أحد يربط ما يجري من اهتياج بوضعهم في ليبيا, ولم يكن متخيلا أنها ستتسرب إليهم. ثم, وفي أمسية شباطية من يوم 19-2-, وكان يوم سبت سمع زملاؤه أصوات فرقعات قادمة من وسط المدينة. تصوروها في البدء ألعابا نارية, لكن الأصوات تصاعدت مقتربة نحوهم, ليدرك الطلبة أنها أطلاقات بنادق. وعلى الفور جاءتهم الأوامر بالتجمع في ساحة التدريب, حيث أبلغوا ان جميع الإجازات قد ألغيت. أبراج المراقبة التي تحيط بالمعسكر والخالية عادة من المراقبين أو ينهمك بها رقيب واحد ضجر, احتلها الآن عدد من الجنود المراقبين وقد اشرعوا بنادقهم.
"عندها عرفنا أن أمرا كبيرا يحدث"، يقول مجدي "لأن ذلك لا يشبه أي حدث سبق وان رأيناه. مع ذلك, لم يخبرنا احد بما يجري".
تمنى مجدي ان يسمع تفسيرا لذلك, في اليوم التالي لبدء الصفوف, لكن المعلمين المدنيين لم يحضروا. قضى مجدي نهاره ذاك مع صديقه  المفضل في الأكاديمية, جلال الإدريسي بعمر 23 من بنغازي. وبعكس مجدي الخجول كان جلال نحيلا ونشطا, جاهزا لإلقاء نكتة غير موقرة أو مزحة متقنة الصنع. الاثنان كانا مولعين بالعلوم والآلات الميكانيكية الصغيرة. كان جلال يدرس الأسلحة الجوية –aviation weaponry -  وخلال الفصول الدراسية لسنتين ونصف ظلا مرتبطين ببعضهما.. وغالبا ما يقضي جلال إجازة نهاية الأسبوع مع آل منكوش في مصراطة, كرم ضيافة رده آل إدريس في بنغازي حيث  قضى مجدي جزءا من الصيف معهم.. حاول الاثنان أن يحزرا ما وراء الأحداث, الأحداث التي تتحدث عنها أجواء الأكاديمية.
استمر إطلاق النار ليومين خلف جدران الأكاديمية ولكن بشكل متقطع.. والدويّ يقترب أحيانا, ثم يتراجع؛ تبادل نار شديد يتبعه هدوء. 
قسط من الوضوح توفر أثر خطاب للشعب توجه به القذافي في 22 شباط  تغطيه جبة زيتونية شاحبة. أطلق على تلك الخطبة مصطلح "زنقة زنقة", فالديكتاتور الليبي ألقى باللوم لكل هذه القلاقل الاجتماعية على المؤامرات الأجنبية وال الجرذان, وتعهد بتصفيتهم في ليبيا وتطهيرها إنجا إنجا, بيتا بيتا, غرفة غرفة, زقاقا زقاقا - زنقة زنقة - كما تلفظها القذافي، وفردا فردا.
"بعد انتهاء الخطاب مباشرة اشتد سعير الرمي في مصراطة, يبدو أن قوات الأمن كانت تنتظر الإشارة لفتح النار في كل مكان.
طلبة الكلية العسكرية ظلوا محجوزين في كليتهم محاطين من خارج الكلية بعناصر لا يسمح لهم بمعرفة أهدافهم, وثمة جنود أجبروهم على البقاء  ومن الواضح أنهم لا يثقون بهم.. وبمرور الأيام اشتد أوار المعارك غير المرئية. الطلبة يتكاسلون في ثكناتهم يتساءلون عما يمكن أن يحدث لهم. كان ذلك جل ما يتحاور به مجدي المنكوش وجلال الادريسي. "كنا نجلس معا ونستعرض كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل ما نسمع  به"، يقول مجدي "ماذا كانت تعني؟ هل كانت تعني شيئا؟ لكننا أحيانا نعجز عن تفسير فرط الأشياء فنتوقف, ونتحدث عن الفتيات وكرة القدم وكل ما من شأنه أن يرفه عنا".
حياة الإهمال والنسيان التي كنا فيها انتهت في ليلة 25 شباط, ليلتها ظهر فجأة في القاعدة جنود من النخبة - اللواء 32 - وأعلنوا أنهم جاءوا من طرابلس لنجدة الطلبة. المغاوير أمروا الطلبة بجمع أغراضهم وحاجاتهم  ويسارعوا إلى نقطة للتجمع في طرف القاعدة، حيث تنتظر المركبات لتقلهم.
لا بد أن واحدا من اللواء 32 قد ارتكب خطأ سوْقيا –logistic- على أية حال. لقد كانت المركبات تلك اثنتين فقط بمقابل 580 طالبا. شاحنتان فقط. ملئت السيارات تماما بالطلبة وحشر البقية في سيارات اللواء –الجيب - والمصفحة, وتدحرجت السيارات ليلا في رحلتها الطويلة نحو طرابلس.
وبعد إتمام عملية الإنجاد من مصراطة لا يبدو أن السلطات في طرابلس تعرف ما تفعل بهذه الودائع الشابة. شحنوا في باصات إلى مدرسة ثانوية عسكرية فارغة في حدود طرابلس الجنوبية. تم إيواؤهم في قاعات ثكنات وصفوف تعليم. لكنهم منعوا من المغادرة أو الاتصال بأُسرهم. ذلك الأمر  ينفذه في أرض الواقع، جنود مسلحون مستعدون في أبواب المدرسة. لكن قيود المدرسة العسكرية تلك كانت أقل صرامة من أكاديمية القوة الجوية, تمكن الشباب الطلبة من معرفة بعض المعلومات عن النزاع الذي حل بشعبهم. بالرغم من أن الاضطرابات تثيرها العصابات الإجرامية والمرتزقة الأجانب المستأجرين من قبل أعداء ليبيا الغربيين, فقد أخبرا أن بعض المجاميع الشعبية قد التحمت مع بعضها لنشرها. وبقدوم شهر آذار  بلغت الحركات الإجرامية, المدفوعة من الخارج, مصراطة وبنغازي, وتحولت المدينتان إلى ميادين معارك ضارية. مجدي المزود بتلك الأخبار لم يندهش حينما ظهرت طائرات الحلفاء في سماء طرابلس وقصفت المؤسسات الرسمية في منتصف آذار. ربما كان ذلك لإشعار الشعب انه يضرب من هناك من الخلف أو من اليوم الآخر. ومن الطبيعي ان يتذكر مجدي وجلال مدنهم وأصدقاءهم وهل انخرطوا في صفوف الخونة. "تكلمنا كثيرا عن هذا الموضوع. خالد مثلا كان شديد الحماس والاهتياج؛ أراهن انه التحق بهم"، يقول مجدي. بدا وكأن الشباب قد حظوا بثقة النظام وبالتدريج, فقد نقلت مجموعة منهم إلى قاعدة عسكرية للتدريب في منتصف نيسان للتدريب على منظومات الصواريخ.. لم يقع الاختيار على مجدي أو جلال لتلك المهمة. ومددت إقامتهم في المدرسة. وفي يوم من أيام مايس هرع مجدي ليستقبل واحدا من أقاربه الكبار, محمد. إنه الآن ضابط مخابرات. أحب أن يحدث مجدي عن مسراطة. وبعد حديث طويل اخذ محمد يسأل مجدي عن مختلف مناطق مصراطة, وفيما إذا كان الشاب مجدي يعرف "القادة المدنيين" هناك. لم يفكر مجدي بعد ذلك في الحديث, لكنه في ظهيرة احد الأيام استدعي إلى مقر المخابرات. وهناك علم أنه قد تم اختياره لينظم إلى المجموعة التي تتدرب على منظومات الصواريخ؛ سيارة الجيب التي ستقله كانت ستغادر على الفور. كانت رحلته على عَجل بحيث لم يودع جلال. لكن سائق الجيب لم يأخذه إلى القاعدة. بدلا من ذلك انطلق في الطريق الدوار حول طرابلس ثم خرج إلى فرع ساحلي يتجه للشرق.
في المساء وصلوا مدينة الدافنية آخر مدينة قبل مصراطة، وآخر حدود سيطرة الحكومة. هناك اقتيد مجدي إلى بيت ريفي, حيث بلغ أن احدهم يريد أن يكلمه بالتلفون.. وكان محمدا ضابط المخابرات.
شرح محمد بأن الطالب الشاب للقوة الجوية قد اختير لمهمة وطنية. عليه أن يتسلل إلى مصراطة ويعرف من هم قادة التمرد وأين يسكنون. وما إن يحصل على المعلومة عليه أن يوصلها إلى رجل أمن هناك اسمه أيوب. ولكي يتصل بأيوب أعطي مجدي جهاز ثريا متصلا بالأقمار الصناعية ورقما ليخابره.
مجدي بعد أن سمع كل ذلك انتابته فكرتان؛ الأولى عن أصدقائه في مدينته: منذ أن سمع بالمعارك في مصراطة افترض أن قسما من أصدقائه قد انضم إلى الجانب الآخر. فإذا ما نفذ مهمته فقد يتسبب ذلك بموتهم. الفكرة الثانية كانت عن حديث أخير أجراه مع جلال. جلال هب من نومه فزعا بعد حلم رهيب. تمكن مجدي أخيرا من انتزاع تفاصيل الحلم منه، "حلمت أننا ,أنا وأنت, أرسلنا للقتال في مسراطة". وأردف جلال, "ثم إنك قُتلْتَ".
لكن أي تردد سرعان ما يمر، بحياته في طرابلس والتي تشبه حياة الأسماك الذهبية الصغيرة في حوضها, كان مجدي يسمع ما يريده النظام أن يسمع, وإذا لم يكن يصدق الكلام كله فإنه يصدق أنه يجب أن يُدحر الأجانب  وأتباعهم الذين يدمرون ليبيا, وإن كان ذلك يشمل الأشخاص الذين يعرفهم. ربما كان المهم لديه أن تنتهي حياة الإهمال والنسيان.. وعلى امتداد 3 أشهر انقطع تماما عن عائلته وعن العالم كله, كان يطمع بأن يحدث شيء أي شيء. ولهذا وافق.
في صباح اليوم التالي, بأول ساعاته, ودع مجدي أصحابه في البيت الريفي واتجه وحيدا نحو الأرض الحرام -no man's land-. تقع مصراطة على بعد 10 أميال شرقا. في جيب أمامي لسرواله يحمل هويته العسكرية.. لو أوقفه المتمردون فليس من المحتمل ان تشكل له تلك الهوية مشكلة؛ لقد هرب عدد لا يحصى من جنود الحكومة, وحقيقة أن مجدي من مصراطة أصلا سوف تساعده في إقناعهم بأنه يعود إلى أهله. أما تلفون الأقمار الصناعية في جيبه الأيسر فتلك قضية أخرى. بقطع الانترنيت  والاستلام الخلوي استخدمت الثريا هاتفا عاديا لاتصالات النظام في الميدان. وإذا ما عثر المتمردون على الجهاز – حتى بأسهل تفتيش -  فسوف يتهمون مجدي بالمجيء إلى مصراطة للتجسس. وتحت تلك الظروف فإن إعداما عاجلا سيكون ارحم مصير له يمكن أن يأمله.  حينما كان يسير كان صوت رمي البنادق يزداد شدة, إضافة إلى أصوات دك المدافع المقبل من بعيد. ولكن بين الريح الخفيفة وتموج هضاب مصراطة وصخور سواحلها البحرية لم يكن ممكنا معرفة قرب النيران أو اتجاهها. حاول ان يستخدم معلومة أتته من التدريب وهي أن الأصوات الأكثر خطورة, في ميادين القتال, ليست أصوات البنادق بل أصوات الفرقعة, مثل دقّ الأصابع.  هذا هو صوت الهواء اللاحق بالإطلاقة، ولا تسمعه إلا عند مرور الإطلاقة قرب رأسك. ذكريات مجدي عن تلك الرحلة ضبابية. لم يتذكر كم استغرقت؛ يقدّر انه سار لثلاث ساعات, لكنها ربما أقصر من ذلك أو ضعفه. ظلت لحظة واحدة لاصقة في ذهنه. كان ذلك في منتصف الطريق إلى الأرض الحرام. امتلأ مجدي فرحا غريبا لم يجربه مرة في حياته. "لا أستطيع في الواقع أن أصفه" هو يقول. ولم يسبق أن مرت بي من قبل مشاعر مشابهة, لكني كنت سعيدا, على وفاق وسلام مع أي شيء، "أطبق عليه الصمت بعض الوقت يتلمس تفسيرا، أعتقد ان ذلك كان بسبب شعوري أني في المكان البعيد عن ظل الآخرين. لم أخن أصدقائي بعد, لم أخن بلادي بعد، هذا يقع في الأمام، وما دمت هنا خارج الأشياء فانا حر".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي