رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

مجد إبراهيم من سوريا

مثل مجدي المنكوش في ليبيا كان مجد إبراهيم في البداية يشاهد الصراع عن بعد.. السلطات في سوريا لم تحاول أن تخفي الأحداث الدامية الجارية في تونس ومصر عن شعبها, وفي الواقع الكلام عنها كان حرا, مع شيء من الاعتداد بالنفس والغبطة. "كانت ظروفنا الصعبة أشد مما في أغلب البلدان العربية"، يقول الرئيس بشار الأسد لجريدة وول جورنال في كانون  ثاني 31 "ورغم ذلك فإن سوريا مستقرة. لماذا؟ لأنك يجب أن تكون قريبا جدا من معتقدات الشعب". 
بعد تلك المقابلة مباشرة تناست وسائل الإعلام الحكومية الموضوع تماما. ثم ظهر بعض الذكر عنه, عندما نزل متظاهرون إلى شوارع درعا في جنوب البلاد ليحتجوا على اعتقال وتعذيب طلبة ثانوية لكتابتهم خربشات جدارية. ضد النظام. "سمعت بذلك من فيس بوك ويوتيوب. 
ومن نفس المصادر علم مجد شيئا عن احتجاج تضامني. أطلق عليه يوم الكرامة ليجري أمام بوابة جامع خالد بن الوليد في مركز حمص في 18 آذار. وخضوعا لصيحة والديه تحاشى مجد الاشتراك في الاحتجاج. نقل له أصدقاؤه أن المئات اشتركوا في التجمع, يراقبهم عدد مماثل من الشرطة ورجال الأمن.. وكانت حكاية هزت مجد لأن حمص لم يسبق لها أن جرّبتْ شيئا كهذا.
كانت تلك المظاهرة اصغر من تلك التي نظمت بعد أسبوع منه.. كان العدد بالألوف. وحينما انتشرت المظاهرات في عدد من مدن سوريا كانت لا تزال سلمية يطالب المعارضون بتغيير في النظام لا بقلبه, وكنتيجة كان من المتوقع ان يستفيد الأسد من سقوط نظام تونس القريب، وما حدث في مصر وليبيا ويلجأ إلى الاستمالة والتوافقية.
بني التوقع أيضا على شخصية الأسد.. فلقد حكم البلاد لإحدى عشرة سنة بعد وفاة والده, طبيب العيون المتواضع غير المدّعي. فقد أتخذ قرارات بالعديد من الإصلاحات. وبصحبة زوجته الجميلة الشابة, أسماء المولودة في بريطانيا, أضفى وجها معاصرا على الأوتوقراطية السورية. وخلف ذلك الهجوم الأنيق لم يتغير شيء كبير في سوريا، فرجال الأمن السوريون في كل مكان، والحكومة العميقة أو الحكومة داخل الحكومة المؤلفة من الطبقة الحاكمة الدائمة من البيروقراطيين والنخبة العسكرية، تبقى دائما وبقوة في يد العلويين وهم من الأقلية. العلويون والأقلية المسيحية في سوريا يخشون  أي حل توافقي مع المحتجين لأنه سيجلب ثورة سنّية، وبالتالي زوالهم.
بعد أن أعطى الأسد وعوداً بإصلاحات مخففة استخدم الأسد في خطابه إلى النواب في البرلمان لغة الاتهام. اتهم صناع الاضطرابات بأنهم يخدمون العدو الإسرائيلي, وحذرهم بصلابة. "إن دفن الفتنة واجب وطني  وأخلاقي وديني.. وجميع الذين يقدرون على دفنها ولا يفعلون ذلك هم جزء منها"، هو يعلن "ليس ثمة حل بين بين في هذا الموضوع". ولكي يواكب تقليدا بدأ في عهد والده, كان خطاب الأسد يقاطع بتكرار من قبل أعضاء البرلمان يقفزون على أقدامهم ويهتفون معلنين حبهم الذي لا يموت  وامتنانهم للرئيس.
في ذاكرة مجد أن هدوءا قلقا حط على حمص بعد خطاب الأسد. لما تزل هناك في المدينة احتجاجات مبعثرة هنا وهناك تحت نظر ورقابة كتائب قوى الأمن, لكن أحدا لم يكن يعلم ما يحدث بعد فكل جانب مخيف, الكل يخاف أن تنزلق البلاد إلى ما في ليبيا من حرب أهلية مدمرة.
الفترة الفاصلة انتهت فجأة في 17 نيسان 2011.. قناة الجزيرة نقلت ان ذلك المساء شهد مجموعة صغيرة من المتظاهرين، لا يتجاوزون الأربعين، كانوا يتظاهرون خارج الجامع في حمص عندما توقفت عندهم عربات عدة. ترجل منها عدد من الرجال، قد يكونون شرطة سرية محلية أو من رجال العلويين الشبيهة. وسددوا مباشرة وأطلقوا النار على 25 من المتظاهرين على الأقل.
كان ذلك أشبه بسكب النفط على نار خامدة. في تلك الليلة تجمع عشرة آلاف متظاهر في ساحة برج الساعة ـ  clock tower squareـ في مركز المدينة. في هذه المرة انتحى الشرطة والشبيحة على سطوح الأبنية المجاورة  ليطلقوا النار عليهم. "هنا تغير كل شيء" يقول مجد "فما كان احتجاجا في السابق صار انتفاضة ـ uprising ـ في 17 نيسان".
وعندما كان المحتجون يقتلون كانت جنائزهم في اليوم الثاني مدعاة لنزول المزيد إلى الشوارع في تجمعات لتوديع القتلى؛ ازدادت قسوة رجال الأمن وازداد عدد القتلى الشهداء، ويتلو ذلك نزول المزيد من الناس وسقوط المزيد من القتلى. وفي بواكير مايس, دورة العنف اشتدت ضراوة وتدخل الجيش السوري في حمص وأغلق المدينة.
"لا احد يثق بقوى الأمن المحلية"، يقول مجد، مشيرا إلى جهاز المخابرات  والشرطة المسلكية الذين يمسكون الحكم في المدن السورية عادة. "لكن الجميع يفضل الجنود ويريد تدخلهم, أنا أيضا كنت أود ذلك. كنا نؤمن بأنهم يأتون لحماية الناس ووقف القتل. وحصل ذلك الفعل. يمتلك الجيش الدبابات وسواها, لكنه لم يستعملها. وسرعان ما توقف القتل".
وبعد وقت قصير, سحب النظام مجمل قواته العسكرية لنشرها في أماكن أخرى بمهمات للتهدئة, تاركا القوات المتبقية غير قادرة على فرض النظام, عندها قامت المخابرات بتزويد الشبيحة نصف الرسمية بأسلحة ثقيلة. وعادت المدينة إلى حمامات الدم. في محيط حمص القوات اليقظة أقامت الحواجز لقطع الطرق وشنت هجمات على مناطق مجاورة يسيطر عليها المتمردون الان. واستمر القتال طيلة الصيف والمدينة توزعت بين فرق مسلحة مناصرة وأخرى معارضة للحكومة.
القضية اتخذت لها بعد ذلك منحى جديدا آخر. المدينة تعتبر أكثر المدن السورية احتواء لأطياف الأديان. أدرك السكان فجأة أنهم يسقطون قتلى لا لسبب آخر غير معتقدهم الديني. في مطلع تشرين 2 عام 2011, وطبقا لإحصائية غير موثقة لوكالة رويترز, المسلحون أوقفوا باص للركاب وقتلوا 9 من الركاب العلويين. في اليوم التالي, وفي اقرب حاجز طريق استهلت قوات الأمن, لغرض الانتقام كما يبدو, دورها بالقبض على 11 عاملا سنّيا  ليعدموا.. ولم تلبث حملات الإرهاب أن انتشرت كالخطف والاغتيالات التي تستهدف الطبقة المهنية، مسببة اختفاء الكثير منهم أو فرارهم.
للقتال أيضا تقلبات سريالية. فهو في بعض المناطق معارك ساخنة على الأرض, لكن, في مناطق أخرى, تبقى المخازن مفتوحة والمقاهي ممتلئة. خلال كل ذلك كان مجد مجدّاً في دراسته بجامعة البعث بموضوع إدارة الفنادق. في الجوار وعر لم تتأثر بالمعارك, وبتتبع الأنباء كان بمقدوره أن يتعرف على طريقه في مجمع الجامعة مشيا. لكن الجامعة وقد رأت أن القتال لم يميز بين الناس أغلقت أبوابها في شباط 2012. وانتشرت في حينها الإشاعات التي تنبئ بعودة الجيش السوري ليضع حدا للتمرد بصورة نهائية.
"كان ذلك حين قرر والدي إرسالي إلى دمشق"، يقول مجد. لقد أوصدت الجامعة الأبواب وساءت حالة القتال, "أحسوا أن ليس من مبرر لبقائي خاصة وإن المخاطر تحتاف الشباب بشكل خاص". ولدى توجهه إلى دمشق اجتاز خطا لا نهاية له من العربات العسكرية والدبابات والمدافع  وشاهد المدافع والشاشات على جانبي الطريق، خارج حمص. في اليوم التالي دخل الجيش المدينة.

مجدي المنكوش من ليبيا 

أول نفس حية رآها مجدي عند دخوله مصراطة الغربية كان صبيا صغيرا. 8 أو 9 سنوات, يلعب في الأوساخ. كل المنازل كانت مهجورة وقد حفرتها شظايا القنابل, لكنه من بعد شاهد سيارة تقف في ظل جدار لبيت ريفي.
"هل أبوك هنا؟" سأل مجدي الصبي. "هل تقودني إليه؟".
في البيت الريفي, قابل والد الصبي, وهو رجل في الثلاثين, وكان في حالة من الاندهاش والشك. ثمة غريب قادم من المجهول في المنطقة الحرام.. أعاد مجدي قصته لتغطية موقفه: فهو قد فر من النظام, وانه يحاول الوصول إلى عائلته.. لقد ساعده اسم العائلة في ذريعته تلك, فمن لا يعرف المنكوش في مصراطة. انبسطت أسارير الرجل واصطحبه معه إلى المدينة.
لقد سمع الكثير عن القتال في مدينته, لكنه لم يكن قادرا على مواجهة  الحقيقة. فمنذ شباط 2011 الجيش يحيط بمصراطة. أصبح سكانها يقتصرون في طعامهم ودوائهم على ما يحصلون عليه من البحر. لقد دخل الجيش في قتاله مع المتمردين فأمطر المدينة, بالقنابل وطارد المتمردين في حرب شوارع رجلا رجلا, زقاقا زقاقا، كما وعد القذافي. قصف طائرات الحلفاء وضع حدا للحصار إلى حد ما في أواخر آذار, لكن الدمار الذي حل بالمدينة كان مريعا. في كل مكان تقع عين مجدي على مبان فجرتها القنابل أو فحمتها النيران, التخريب هائل لدرجة انه لم يكن ليميز أين هم الآن وفي أي شارع. أو تقاطع.
الرجل من الريف أوصل مجدي إلى دار عائلته تماما. "دخلت الباب وكانت أختي أول إنسان أراه, ثم شقيقة زوجة أخي وأبناء أخي"، ويذكر مجدي انه مسح دمعة من عينيه "لقد كانت 3 أشهر. تصورت أني لن أراكم".
قضى مجدي بقية النهار برفقة عائلته.. علم أن صحة والده تدهورت وان والديه نقلا بسفينة إلى تونس لأسباب صحية.. علم أيضا أن قائمة الخونة للعهد لا تضم الأصدقاء القدامى فحسب، بل أفرادا من أسرته أيضا؛ في الواقع, ولأسابيع عدة, كان شقيقه الأكبر, محمد قد أخفى في بيته عددا من طياري السمتيات العسكرية الهاربين. فكل واحد, كما يبدو, قد انضم إلى الثورة, وان عليه الآن أن يرى مدينته التي عانت كثيرا حتى النهاية.
في لحظة ما خلال اجتماعه مع عائلته يستأذن مجدي ويذهب إلى غرفة نومه القديمة. وهناك ينتزع الثريا من جيبه ويخبئها على رف خلف نضد الفراش. "لم أكن اعرف ما أنا قادم عليه" هو يقول "اعرف أنّ علي أنْ اخفي ذلك الهاتف".
طيلة الأسبوع التالي قضاه ابن مصراطة العائد بالتجوال بين خرائب مدينته, والتقاء أصدقائه والتعرف على من مات أو جرح. وكان باستمرار يتعلم أن كل ما سمعه أو اعتقده عن مسير الحرب كان كذبة. لم يكن هناك مجرمون, لم يكن هناك مرتزقة أجانب على الأقل ليس بين الثوار، الموجود هو شعب كأسرته, يستقتل ليزيل الديكتاتورية.
لكن تلك الحقيقة وهذا الاكتشاف وضع مجدي في نقطة حساسة. أيّوب, واسطة اتصاله بالمخابرات, مطلع بالتأكيد على وصوله إلى مصراطة, وينتظره ليراجعه. استأنس مجدي لفكرة إهمال الثريا، وانه ذاهب كأن شيئا لم يحدث. لكنه بعد ذلك فكر في المضاعفات التي يمكن أن تحل بعائلته  إذا ما ربح النظام في النهاية. أو ماذا لو أن الثوار اكتشفوا خلية التجسس وعثروا على اسمه فيها؟
بمواجهة تلك الاحتمالات الممكنة, خرج فتى الأكاديمية الجوية بخطة على درجة من الذكاء والخطورة؛ في منتصف مايس قدم نفسه إلى المجلس العسكري للثوار وأوضح كل شيء. كان مجدي على علم بان من يدعي انه جاسوس ويسلم نفسه لرحمة العدو في زمن الحرب لا يمثل رهانا جيدا أبدا. أكثر الإجراءات ملائمة للعدو في تلك الحالة أن يسجنوا الجاسوس أو يعدموه، لكنه بمواجهة هذا الاحتمال قدّم عرضا جريئا.
في الصباح اتصل مجدي بأيوب, عضيده الرسمي, واتفقا على اللقاء بعد يومين في شقة فارغة في وسط المدينة. في ذلك اللقاء اندفعت نحوهم مجموعة من الثوار شاهرين سلاحهم وسرعان ما بطحوا الرجلين على الأرض. مجدي وأيوب اقتيدا إلى السجن في سيارتين منفصلتين. وعندها أعلن المجلس العسكري انه ألقى القبض على جاسوسين للحكومة، في مصراطة. أما مجدي فقد عاد إلى عائلته. بالرغم من أن الخطة اللاذعة قد نجحت, إلا أن رجال المباحث الآخرين لا بد أنهم على علم بالمهمة التي جاء بها مجدي, هذا يجعل تجول مجدي في المدينة أمرا محفوفا بالمخاطر. استغل اللحظة ليفلت إلى تونس لزيارة والديه. مجدي وقد بلغ الرابعة والعشرين شكلت له تونس حالة أخرى من الارتباك: "هادئة, مسترخية, كنت بحاجة لمزيد من الوقت للاعتقاد بحقيقة ما أرى".   كان من السهل على مجدي أن يبقى في تونس؛ ذلك بالتأكيد ما كان يرغب به والداه. لكنه بعد أسابيع قليلة, بدأ يفقد راحته, تحاصره فكرة أن دوره   في الحرب في بلاده لم يكتمل. "أظن أن جزءا منه كان نوعا من الانتقام. لقد كنت مع الجيش, لكنهم كذبوا علي واستغلوني. وبالطبع, الحرب لم تنته بعد؛ الشعب لا يزال يقاتل ويموت. قلت لوالدي أن لا خيار آخر أمامي. يجب أن أعود إلى الوطن". بعودته إلى مصراطة، اشترك مجدي بنشاطات مليشيا محلية للثوار, لواء ذي قار, تتهيأ للزحف على معقل القذافي في طرابلس. ولكن قبل أن ينتشروا هناك كانت قوات الحكومة قد انكسرت وانسحب القذافي وأنصاره إلى سرت، منطقة قبيلته. هناك تم حصارهم وظهرهم إلى البحر وكانت محاولة أخيرة. وعلى امتداد شهر من الزمان كانت وحدة مجدي تمسك الأرض في الطريق السريع الفرعي المؤدي إلى سرت، تضرب بالقنابل تحصينات النظام القوية وتشتبك قتاليا مع الجنود الذين يحاولون فك الحصار. لكن القتال في سرت كان متقطعا غير ممنهج, لحظات من الاشتباك الشديد متبوعة بامتداد زمني ممل, وكان يبدو لمجد أن هذا الإيقاع سيستمر إلى الأبد.  في 20-10-2011 جاءت النهاية مفاجئة. في ذلك الصباح حدثت معركة  شرسة في الجانب الغربي لسرت، تتخللها سلسلة من الضربات الجوية لطيران الحلفاء الغربيين؛ مجدي من موقعه شاهد النيران والتراب يتصاعد حول سرت على اثر القصف الجوي. في حدود الساعة 2 بعد الظهر أقبلت هبة مركزة من أصوات الرمي بالبنادق من الضواحي الغربية, استمرت لعشرين دقيقة, قبل أن يسقط كل شيء في الصمت.. في البدء ظن مجدي ورفاقه أن القذافي ورجاله قد استسلموا, لكن أخبارا أفضل وصلت بعد حين: الديكتاتور بشخصه قد القي القبض عليه وقتل. "طرنا من الفرح وهنا بعضنا الآخر بالأحضان". يتذكر مجد "لأن هذا يعني أن الحرب قد انتهت. بعد كل ذلك القتل بعد 42 سنة من القذافي، أشرق على ليبيا أخيرا يوم جديد". بوضع نهاية للقتال, عاد مجدي إلى مصراطة لينخرط في مجموعة عمل مختلف يتناسب ومشاعره: الإسعاف, نقل المصابين المعرضين للخطورة  من مستشفى مصراطة إلى المطار للعلاج خارج ليبيا.. كان مندمجا في عمله كثيرا والذي يشكل في نظره دليلا ملموسا على الشفاء من الدمار والموت وشدت من عزمه وتفاؤله في المستقبل.
وفي يوم من أيام ديسمبر, وفي مطار مصراطة, استقبل مجدي زائرا.. كان سامح الإدريسي, وهو الشقيق الأكبر لصديقه جلال قد قطع 500 ميل قادما من بنغازي. ليسأله معروفا. لقد مضى على انتهاء الثورة أكثر من شهرين, لكن آخر مخابرة من جلال للعائلة كانت في مايس. الاتصال كان قصيرا من المدرسة الثانوية في طرابلس حيث حشر طلاب الأكاديمية الجوية وقتها. ولقد جاءت بعد أيام من خروج مجدي في المهمة التجسسية في مصراطة.
تغير مجرى حياة مجدي مرة أخرى, عقد العزم على البحث عن صديقه  المفقود, بكل طاقته حتى أستحوذ على ذهنه وأصبح كالهوس.. عاد إلى طرابلس, وأمضى أسابيع متتبعا آثار زملائه في الأكاديمية, ومنهم استطاع أن يجمع المعلومات ويربطها مع بعضها للوصول إلى حل. في مايس 2011  تلقى 50 من شباب الأكاديمية أمرا بالالتحاق بالخطوط الأمامية  لمساعدة القوات في تقدمها في مصراطة. مهمتهم الكشف عن التفخيخ المسمى مصائد المغفلين -booby traps- وحراسة الاتصالات وخطوط التجهيز. ولكن الواقع أنهم استخدِموا كطعم. أو كبش فداء, بعث بهم إلى الأرض المفتوحة لكي يرمى عليهم الرصاص والقنابل, بينما جنود النظام  الأكثر حنكة داخل مواضعهم في الخلف يراقبون مصادر نيران العدو. الواحد بعد الآخر سقطوا قتلى في تلك المهام الانتحارية, لكن جلال واثنان من رفاقه تمكنا من الوصول إلى مزرعة نائية, حيث توسلوا بالمزارع  العجوز أن يأخذهم إلى الجنوب بعيدا عن ميدان المعركة؛ بدلا من ذلك الرجل العجوز خانهم وسلمهم إلى قوى الأمن الداخلي, الذين بدورهم سلموهم للجيش. وبعد جولة من الضرب, أعادوهم إلى مهمتهم الانتحارية. هنا تنتهي القصة كما رويت. لكنها في ما بعد شهدت هروبا ناجحا لاثنين من رفاق جلال. اما جلال قد طوح به إلى جهة أخرى في الجبهة.
كل هذا جعل مجدي يتهيأ لرحلة بحث أخرى. وجد في النهاية زميلا آخر  أكمل له القصة. في يوم من أيام حزيران, اقام جلال هو مجموعة صغيرة من زملائه الذين نجوا, في معسكر عراء على طريق زراعي بجنوب مصراطة, عندما جاءهم ضابط ليقرأ لهم تقريرا عن الموقف.. في تلك اللحظة ضرب صاروخ من طائرة غربية حربية غير مرئية أو من طائرة بغير ربان سيارة الضابط لتقتله هو ومعظم من كان من الطلبة قربه. جلال كان يجلس تحت شجرة على بعد 50 ياردة عند ما انفجر الصاروخ. لكن شظية مسمارية تائهة وجدته هناك فمزقت قمة رأسه. أصحابه الناجون  دفنوا مخ جلال تحت الشجرة ووضعوا الجثة مع بقية الجثث في سيارة نحو مقبرة مجهولة.
"طبعا, استرجعت الحلم الذي رواه لي"، يقول مجدي "نعم, كلانا ذهبنا معا إلى مصراطة للقتال, لكن الموت كان من نصيبه". قد يعتقد اغلب الناس ان هذه كانت نهاية المطاف, ولكن لا, برأي مجدي. يتذكر الوقت الذي قضاه مع عائلة جلال في بنغازي, وكرم استقبالهم له, فقرر أن يبحث عن جثمان صديقه لإرجاعها إليهم. قرع أبواب عدد لا يحصى من موظفي الدولة الجديدة الثورية, فارشد أخيرا إلى البحث في  مقبرة طرابلس حيث دفن "الخونة"، ويعني هذا أتباع نظام القذافي, في قبر جماعي. كانت امتدادا مروعا من الأرض المغمورة بالنفايات والمنقطة بمئات المقابر. وانحدر مجدي مع صفوف القبور, صفا صفا, لكن اسما لجلال لم يظهر.. وأخيرا بلغ زاوية بعيدة حيث لاحظ قبرا مكتوبا عليه غير معروف. أحس مجدي بالإثارة, تصور أن ضربة جلال على رأسه ربما جعلت تمييزه أمرا غير ممكن, لكنه بعد ذلك لمح ثلاثة قبور أخرى بنفس التوصيف غير معروف. عاد إلى الدائرة المسؤولة وسألهم عن الصور التي التقطت للموتى غير المعروفين قبل دفنهم: كانت وجوه الأربعة محطمة ويصعب تشخيصها. مع كل هذا, كان مجدي مصرا على أن واحدا من هؤلاء الأربعة كان جلال. أبلغ عائلة جلال بما حصل وبعد عدة أشهر سافر جوا إلى بنغازي  لمشاركتهم العزاء. "قد كان لقاء مشحونا بالعواطف الحزينة"، يقول مجدي "واعتذرت لهم عن عدم تمكني من حراسة جلال, ولكن..."، واحتوته نوبة  حزن, لكنه سرعان ما اعتدل "وهذا ما حدث. جلال واحد من تلك القبور الأربعة. هذا أكيد".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي