رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 19 شباط ( فبراير ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1909

طرفة هيكل وكتلنا الانتخابية

فاضل جزعول

ربما يذهب به الظن من يتناهى إليه التأخير الذي يصاحب تمرير الموازنة في أروقة مجلس النواب كل عام  إلى أن "الحرص" هو السبب الرئيسي للتأخير، كي تأتي الموازنة مستوفية لكافة الاشتراطات اللازمة لتمريرها، وفقاً لحسابات دقيقة وسليمة وخالية من أي مطعن يعرقل التمرير. وإلا لماذا هذا المطل الذي نعانيه كل عام، إن لم يكن غير"الحرص"؟ نقول: عذرا سيدي. ليس الحرص هو السبب، إنما حسن الظن دفعك لأن تقول ذلك. انه تعطيل ضاغط، ألفناه وتعودنا عليه، تمارسه الكتل السياسية، فيما بينها، لتحقيق المكاسب المتوخاة من التأخير لها وليس لدورة الحياة الاقتصادية للبلد وناسه "المعطلة" بسبب التأخير... فتأمل رعاك الله. لندع الموازنة ونذهب إلى الانتخابات... إذ مع كل دورة انتخابية، تطالعنا ذات الوجوه، ممن يندرجون ضمن قائمة القوى المتنفذة وأشباههم والسائرين على هدي خارطة طرقهم الملتوية، ممن قذف بهم القدر العاثر لحظوظنا، وجعل منهم زعامات تربعت على سنام مؤسساتنا وامتطت قيادنا وتسلمت مفاتيح خزائننا، التي تنوء بأحمال ريوعنا، وعملت بها قظما ونهشاً، آلت بها إلى خواء، وبنا إلى بطون استوطنها الجوع، تستجدي عطف الموسرين، الذين يرتبط إحسانهم بعقود تنزع عنا ما تبقى لدينا من عفاف. يلجأ هؤلاء "الحريصون"، ممن تقدمنا بوصفهم، لبلوغ بغيتهم، مع كل دورة انتخابية، إلى استعادة ذات المناخات التي خلقت منهم أرقاماً صعبة، لها امتدادات وحواضن خارج جغرافية هذا البلد المرشح للتشظي والتخريب وإشعال الفتن التي تهدد استقراره، يتكئون عليها في ابتزازنا والاستقواء علينا بلا حياء. مداف كل ذلك، بمعسول من خطاب ينضح حرصا على المال العام، وتأكيدا على الوحدة الوطنية وعبور التخندقات الطائفية، وتحصين المواطن من خطابات التطرف، والتشديد على احترام حرية الرأي والاعتقاد وقبول الآخر المختلف. وغيرها من جميل السرد المغمس بأعذب المشاعر، الذي يؤكد على وحدة الوطن وحقوق المواطن، التي لا تقبل المس. وإزاء هذه اللوحة المضمخة بالطيب، التي تقطر حرصا على البلد وناسه، وما الموقف من الميزانية إلا واحد من هذا الحرص الزائف، يركبنا الوهم حيال هذا الرياء الكاذب والصلف، ويستمر بنا القنوط وتتملكنا الحيرة وبهم الجشع لامتصاص آخر ما تبقى لصق لحائنا من دماء، تغذي النبض في أجسادنا المتعبة واقتصادنا المنهك. إلا نكتفي بما مضى علينا من دورات انتخابية لنعي حقيقة ما وصلنا إليه من تردي وضياع مع هكذا كتل، ونضع حداً لمسار، كان زمام قيادنا فيه بيدهم واستعملونا جسورا لتحقيق مكاسب شخصية لهم، تحت عناوين ومسميات شتى أمعنت على تمزيق نسيجنا الاجتماعي؟ فمتى نقول: "كفى" لا نعطيك، نعلنها مدوية، بوجه من استغفلنا من رموزهم التي نعرف. إنما نعطيها لمن هو أكثر استحقاقاً منك، وما أكثرهم.

وختاماً، أذكر لكم طرفة رواها، محمد حسنين هيكل في أحد كتبه، تلامس ما نعانيه مع كتلنا الانتخابية من محن... تقول الطرفة: "إن مواطنا أجهد نفسه بالعثور على طبيب عيون وآذان لمعالجته، فلم يفلح. اذ لا يوجد طبيب يجمع بين الاختصاصين. وحين سئل عن سبب إصراره هذا. قال: لأن الذي أسمعه أرى ما يناقضه. وما أراه أسمع ما يعارضه". وهذا هو ذات الحال الذي نعانيه مع كتلنا النافذة... فمتى وكيف ينتهي بنا ذات الحال هذا، إذا كنا وفي كل دورة انتخابية نصوت لذات الوجوه التي خبرنا حرصها؟!

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي