رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

كاظم حبيب

عنوان الكتاب: مطارد بين ... والحدود

اسم الكاتب: يحيى علوان

دار النشر: الفارابي، بيروت - لبنان 

سنة النشر: 2018

عدد الصفحات: 415 صفحة

1-4

مع بداية عام 2018 صدر كتاب جديد للكاتب والإعلامي العراقي يحي علوان، بعد أن كان قد صدر له قبل ذاك العديد من الكتب المهمة منها: "همس – الجثة لا تسبح ضد التيار" في العام 2003، و"تقاسيم على وطنٍ منفرد" نصوص نثرية في العام 2012، وكلاهما صدر عن دار كنعان بدمشق، وله ترجمات مهمة منها "المشط العاج" رواية فيتنامية (1969)، و"الفاشية التابعة" (1984)، نصوص ألمانية، و"حوارات المنفيين" لبرتولد بريشت (2002)، و"أيها القناع الصغير أعرفُك جيداً، للكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيروسو (2005).     

يتضمن هذا الكتاب عدداً من النصوص الأدبية المميزة، وضعت تحت عناوين لافتة مثل: وجع الذاكرة، وسجرت تنورا غَفَا، ورَكبُ الخردل، إلى نصوص سردية للذاكرة المتوجعة، مثل: مطارد بين الله والحدود، ورحلة الضنى، طهرن – مشهد، وفي كل من هذه السرديات الأدبية الجميلة ذات المضامين المحركة للفكر، عناوين فرعية أخرى.   

يضع الكاتب يحيى علوان في كتابه الجديد تجربته الشخصية المليئة بالأحداث والمفاجآت، حلوها ومرّها، أمام القارئات والقراء ويأخذهم معه في جولته المضنية التي استغرقت ست سنوات تبدأ في العام 1983 وتنتهي في العام 1988، حين سلك طريق العبور المعقد من سوريا عبر تركيا إلى إقليم كردستان العراق، ليحط هناك تلك السنوات المحيرة بين الوهم والحلم، ثم ليغادرها صوب طهران فمشهد (خراسان) في الطريق إلى أفغانستان، ومنها إلى موسكو فبرلين. قال عن هذه الذكريات أنها التجسيد الحي لوجع الذاكرة، إنها رحلة الضنى، التي لا تريد إلا أن تجد طريقها إلى الورق ومنه إلى وعي الإنسان، إلى القارئة والقارئ، ليتصورا مع الكاتب  وحشة الطريق ومرارة الأحداث وعمق التجربة وكثرة الأخاديد والأثار التي تركتها سني النضال على جسد الإنسان وروحه وقبل هذا وذاك على عقله. لقد كتب هذي النصوص بلغة أدبية رشيقة وحديثة مع أنه استخدام في أحايين كثيرة كلمات عربية قديمة غير متداولة أعاد لها الحياة بصورة جميلة. يقول عن هذه السنوات الست "بهذه النصوص سأحترقُ راضياً، قنوعاً!.. هي سفرُ تسللي، ستاً من العمرِ (1983-1988)، إلى وطني، ومنه.. وما استدعاه من تداعياتٍ وتهويمات.. تقترب أحياناً من أجواء كافكا، حين يكون المرء مطارداً، وسط تيه.. لمّا يكون ضعيفا، معزولاً، تحت رحمة المجهول.. خلواً إلا من غريزة النجاة.. ". (ص27).

 

قرأت الكثير من المذكرات التي كتبها أنصار شيوعيون، بعضهم حافظ على مواقفه، وبعضهم تخلى عن مواقعه الفكرية والسياسية وتحول إلى مواقع أخرى، بعضهم أجاد عكس التجرية وإغناء القراء وهم قلة. ولكنهم لم يبلغوا الشأو الذي بلغته تجربة الصديق والرفيق المناضل يحيى علوان، لم أقرأ هذا الكتاب الغني بأفكاره ومواضيعه ولغته الأدبية كأي قارئة أو قارئ لم يمرا بهذه التجربة الإنسانية الغنية، بل عشتها أيضا، بحلوها ومرًها، بغنى التجربة التي منحتني وفقر فرص النمو الفكري والجدب الثقافي، رغم المحاولات الجادة للمبدعين على تنشيط الحياة الثقافية، عشتها بكل معاناة المشاركين فيها، وأجريت بعفوية مقارنة بين معايشتين، أو تجربتين، تجربة يحيى علوان المؤلف، وتجربة كاتب هذا المقال. شعرت باحترام واعتزاز للمؤلف لصراحته وصدقه في التعبير عن أحاسيسه ومعاناته الإنسانية، في لحظات الإحباط والانتعاش، لحظات الألم والخوف ولحظات الشعور بالحيوية والشجاعة والإقدام..       

لم يمنحنا يحيى علوان فرصة التعرف الحميمي على ما خزنته ذاكرته من تجارب وأوجاع وأفراح شخصية وعامة فحسب، بل قدم لنا هذه الذكريات بلغة أدبية حديثة وجميلة، تجلت في صياغة لوحات فنية يمكن لأي رسام مبدع أن يحولها إلى رسوم تشكيلة بألوان الحياة ذاتها، بما فيها من ألوان زاهية وأخرى داكنة وبينية، بألوان قوس قزح أو ربيع الدنيا وخريفها. يقول عنها يحيى "إنها كتابة أدبية، فيها همسٌ وبوحٌ موجوعً، حتى وهي تصرخ أحياناً! نصوص مؤثثة بلغةٍ غير مستهلكة، لا علاقة لها بلغة الفاست فود الثقافي "Fast Food" التي تعج بها سوق الكتاب...! (ص 27). وهو في هذا على حق.

في مستهل الكتاب يتحاور الكاتب مع نفسه وقرائه عن وجع الذاكرة، عن العلاقة الجدلية بين الحلم والوهم، بين الحلم الممزوج بمخيال إنساني سليم، بما يمنح الإنسان الحيوية والدفء ودفق الحياة والتطلع إلى أمام، مما تتميز به الشبيبة، وبين الوهم الذي يتسرب إلى النفوس حين يكون الحلم في فراغ، أو بلا أدوات تحقيقه، حينها يتحول الحلم إلى سراب خادع، يُجهض الحيوية ويُنغّص على الإنسان طعم الحلم والحياة.

هنا لا يتحدث يحيى علوان عن حلم إنسان اعتيادي، بل عن حلم إنسان مثقف وسياسي، حمل معه الحلم الأبدي للإنسان، حلم الحرية والحياة الخالية من الاستغلال والعسف والجور والظلم، حلم التحرر من الخوف والجوع والحرمان..، حين شد الرحال ليترك الوطن الثاني ويلج من جديد الوطن الأم، وإذا به يصطدم بـ "جنرالات" خاوية، لا تعي معنى الحياة ولا تميز بين الوهم والحلم، وبالتالي لا تعرف، بل حتى إنها لا تعي أهمية التحري عمن يساعدها على توفير أدوات منع تحويل الحلم إلى وهم. إنها الكارثة بعينها.. لأنها ساهمت في فقدان الكثير من الشبيبة التي كانت تحمل ذات الأحلام وتعيش على أمل تحقيقها!

لا يتحدث يحيى، النصير الشيوعي المقدام، عن تجربته الذاتية فحسب، مع معرفته المسبقة بأن لدى الآخرين تجارب ذاتية أخرى متباينة، رغم ما يجمع بينها من مشتركات، بل عن تجارب تعد بالمئات بل بالآلاف لمناضلين ومناضلات من الأنصار الشيوعيين والشيوعيات الذين تسلقوا جبال كردستان قادمين من جهات شتى، من داخل الوطن المستباح، أو الذين نزحوا من الشتات العراقي ليعودوا إلى الوطن حاملين الكتاب بيد، والبندقية باليد الأخرى، مع حلم الخلاص من الذين حولوا العراق إلى سجن كبير، من الدكتاتورية والدكتاتور، من الفاشية التابعة! حين ينشر يحيى تجربته الذاتية، لا يصادر تجارب الآخرين، ويعتبرها إغناء تصب في خزين الذاكرة العراقية، إذ يقول: "في هذه النصوص، عندما يحضر المتكلم بقوة، فأنه ليس ضمير المفرد المتكلم بالضرورة. إنها "مركزية السارد".. كلامُ يجري فيه التعبير عن "الكل" بـ "قاموسٍ ومفرداتٍ" شخصية.. ذات جديدة مُجربة، لديها ما تقوله عن تجاربها بلغتها الخاصة، غير " البائتة".." (ص 28).              

يتحدث يحيى عن تجربته الشخصية بلغة واضحة ودقيقة، بل محسوبة جداً، دون أن يؤكد إنها نهائية، بل هي رؤية ذاتية.   وهي قابلة للنقاش. إذ يضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال كبير هل كانت التجربة ضرورية، وهل حققت الحلم أو اقتربت منه، أم عبرت عن وهم لم يحسب له حساب. وهو يطرح هذا السؤال دون أن يشعر بندم خوض التجربة، ولكن أهمية طرح السؤال تكمن في كون الحياة لم تنته، وهذه التجربة ليست نهاية التاريخ.. وهنا تكمن أهمية الصياغة الدقيقة والواعية للتجربة. والسؤال المشروع الذي يواجه كل قارئ وقارئة نصوص هذا الكتاب هو: هل أصاب يحيى بذلك صلب الموضوع؟ اعتقد جازماً بإنه قد أصاب في واقع الحال ما كان يفكر به، أو ما يزال يفكر به، كثيرون من الذين كانوا في هذه المدرسة الفكرية والسياسية ذات الرؤية والنظرية الصائبة، وفي ذات الوقت، ذات التطبيقات الخاطئة والسيئة، ليس كلها طبعاً، وفي الحصيلة اقترب، بل وأحياناً كثيرة، تطابق، لدى منتسبي هذه المدرسة، الوهم مع الحلم، إنها مدرسة مشتركة فكرية وسياسية واجتماعية مشتركة لم تجدد نفسها تماماً، ولم تصحح الكثير من أخطائها حتى الآن!! وحين يشير يحيى علوان إلى هذه المدرسة المرجعية يقول: "فقد انهارت فينا "المرجعية"، التي كانت تؤطرنا، تنظم العالمَ من حولنا، تزودنا بموقعٍ وهوية، مقابل أن نتخلى لها عن رأينا الشخصي...! تحطمت، وغدا كل منا له "مرجعية" لذاته، معيارها الصدقية.. ذلك أن التجربة قد غمرتنا، سحقتنا، فرحنا نمشي على "لحم أسناننا"، مما لم نتعوده من قبل.. (ص 27)

وفي النص المعنون "سجرت تنوراً غفا"، يطرح الكاتب بشكل غير مباشر مقارنة سديدة بين مناضلين أبوا إلا أن يحترموا كرامتهم ويصونوا كلمة المثقف، وبين من ركعوا للمستبدين، ممن ارتضوا تمريغ كرامتهم بالتراب، من سمحوا باستباحة فكرهم والدوس على مواقفهم بالنكوص عنهما والقبول بالعيش في سجن الدكتاتور ليحتسوا الذل وفقدان الإرادة ويحصدوا الذل والاستهجان، إذ كتب يقول: "ندري يا صوفي، أنَّ الاستبداد والإرهاب نوّخ الناس.. رضيت الغالبية بالصمت نطقاً واستراحت.. تتشرنق به لتواصل "العيش" الشحيح، في حين أنَّ زمرة من "النخب" باعت نفسها للحاكم لضمان العيش والمنصب!.. ولم يعد ذا قيمة أن يكون المرءُ مثقفاً مفكراً، مبدعاً أو عالماً إلا إذا كان في خدمة الحاكم يحرق له "البخور"!.. وهكذا أضحت القامات مسخاً، استسهلت أن يكون الرأس مَداساً لأقدام الطغاة..". (ص 36). وهنا تحضرني المسرحية التي كتبها الكاتب والصحفي المبدع ماجد الخطيب بعنوان "عاشق الظلام"، التي تتحدث عن مثقف بارز تخلى عن هويته الفكرية وصار جزءاً من مداحي الدكتاتور! لا أشك في أن النقد الذي يتوجه للمثقف الذي يتخلى عن فكره تحت ظروف قاسية عادل، ولكن يبقى الجلاد هو المسؤول الأول عن سقوط الضحية، الجلاد الذي وضع مثل هذا المثقف وغيره بين خيارين إما الموت أو الذل والارتزاق والتطبيل "للقائد الضرورة!". وهذه الظاهرة ليست عراقية بحتة، بل هي عالمية، ولهذا يميز الناس بين المثقفين، بين مثقفي السلطة الجائرة ومثقفي الشعب..    

من استخدم طريق العبور من سوريا عبر تركيا إلى كردستان العراق، وهم غالبية الأنصار الشيوعيين، كان عليه أن يقطع مسافات طويلة، وأن يحمل اثقالاً إضافية، ليس فقط ما سوف يحتاجه هناك من ملابس وحاجات أخرى بل السلاح والعتاد الثقيل، والمثقف كان عليه أن يحمل معه زاده من الكتب التي لا غنى له عنها، وكان البعض يسخر من هذا الحمل الثقيل.. كتب يحيى علوان "سأحمل معي، يا صوفي، كما تدري، مجموعة من الكتب والمصادر، أملأ بها حقيبة ظهرٍ كبيرة.. سيقول ر. أبو محمود (جلال الدباغ) ور. أبو حسن (عادل...): الطريق صعبة، تنهك حتى البغال.. وأنتم أول من سيسلكها.. ما حاجتك للكتب، نخشى أن ترميها في الطريق من شدة التعب، فيستدل العدو على الطريق الجديد...؟! سأقول لهما أني أحتاج إليها في عملي الإعلامي.. سيسخرون مني". (ص 64). ولم يرمها في الطريق بل حملها رغم أصابته برصاصة غير طائشة! لم يكن الطريق دون مخاطر سواء بتعرض الجندرمة التركية للقافلة حين يكتشفون وجود الأنصار، أو حين يعبر الأنصار النهر. وعبِرَ هذين الخطرين سقطَ شهداء لنا قبل أن يصلوا إلى هدفهم المبتغى. وكان يحيى علوان واحداً من المصابين حين جرح في ركبته بفعل قناص تركي أصابها بطلقة جعلته يتحامل على نفسه للسير بجرحه للوصول إلى الهدف. يقول عن ذلك وهو يتحدث إلى صوفي، دليل الطريق الذي استشهد على أيدي القرَقول التركي: "نعدك أنا سنسير.. فقد رَوّضنا جنوح الفتوة فينا بما ينسجم مع انضباط عسكريٍّ!.. لن نستريح عندما عن حملنا وأثقالنا الأرجل تعيا.. ليس مهماً كم سيطول بنا المسير، وكم عسيراً سيكون.. فلقد حملنا معنا، أيضاً زوّادة من الحماسة اللازمة، تعيننا.. نتقوت بها بغض الشيء عندما ترتخي أنشوطة العزيمة!" (ص 37/38). من مرّ بهذا الطريق يعرف معاناة رواده الشجعان، فقد كان الإرهاق، وكان الموت قاب قوسين أو أدنى منه، "عندما يصل الإِرهاقُ إلى أقصاه، تفرُ منك، حتى الأحلام.. تخذلك الذاكرة..، ويعجز الجسم حتى عن حمل أعضائه.."، ويستكمل الصورة حن يكتب: " وبما فينا من وجع فاض عن حدود القدرة الإنسانية، ولأن موتنا صار أمراً عاديّاً، سنجلس لا نقوى، حتى على تبادل النظرات..". (ص 53). في هذا الطريق اجبر الكثير من رفاق الدرب إلى رمي الكثير مما جلبوه معهم من ملابس وما يحتاجون إليه وما دفعوا عنه نقوداً، ألا السلاح الذي حملوه على أكتافهم، راحوا يجرونه جراً من شدة التعب. كتب يحيى علوان: "فهذا "سامي" سيغدو مثل صغير أنهكه الإعياءُ، راح يجرجر لعبته العزيزة (بندقية كلاشنكوف) وراءه، ومما به من ضجر وتعب، غدا يرمي "لعبه" الأخرى كيفما اتفق.. سنلتقط كل ما سـ"يتخفف" منه، شريطة أن يحافظ على العهد ولا يصدر نأمة تضيعنا جميعاً.." (ص 53). إنها الخشية من الربايا التركية التي سرعان ما تلتقط الأصوات ليوجه قناصوها نيران بنادقهم صوب المسيرة..

وإذا كان بعض السائرين على هذا الطريق قد استشهد فيه، والكثير منه وصل إلى مقرات الأنصار سالماً ومنهكاً، فهناك من جرح بنيران كمائن الترك، ولكنه واصل المسيرة حتى المقرات. وكان يحيى علوان واحداً من أولئك الشجعان المصابين برصاص العدو الجامح.. يقول يحيى علوان "سأعض على أوجاع ركبة أصابتها رصاصة من الكمين التركي أثناء العبور إلى الأرض التركية، سينفد ما لدينا من ماء، وتجف حلوقنا، وسيسأل كل منا من هو أمامه وخلفه عن شربة ماء.. حتى الأدلاء استنفدوا ماءهم.. وسنصاب بما يشبه الهستيريا لما اختفينا في كهف جهنمي، راح ينفث ما اختزنته صخوره اللعينة من حرارة الشمس طول النهار، حتى تمر دورية القرَقول التركي." (ص65). 

من لم يمر بمثل هذه التجارب، يصعب عليه تصور الحالة النفسية والجسدية والعقلية التي يصاب بها الإنسان، فالإحباط والحزن والذكريات الداكنة والكوابيس القاسية تتساقط عليه كزخات المطر، فتراه، كما عبر عن ذلك الإحساس يحيى علوان بقوله " أريد أن أدق باب أمي وأفرح لفرحتها بعودتي سالماً، مهشماً، وأعتذر عن الغياب... أتمدد على حصير فوق بلاط الحوش وأشبع نوماً وشخيراً، دون أن أزعج أحداً، أو يعكر نومي أحد... ولكن من سيحرس حلمي إذا نمت.. ؟! من يطرد الذباب عني والبعوض، لو حلمت أني أحلم.. أن ماتت أمي.. ؟! يا لوحشة أمي وخيبتها من بكرِها الغائبِ، حتى عن "صلاة الغائب" عندما يدخلونها القبر فلا تجدني بانتظارها.. ". (ص 70). 

وحين ينتقد الخط السياسي الذي اتخذ حينذاك، وحين يتابع أولئك الذين يقولون "لو أن الشهداء كانوا أحياءً اليوم، لما سلكوا مسلكاً آخر، ولاتخذوا الخط السياسي نفسه الذي قررناه.. !، "ليتساءل عن حق: "ترى من أين لهم هذا اليقين الصلد، يتجرأون به على من رحلوا.. ؟!، ثم يكتب بحرص المستفز "بي جوع أن أصرُخَ وأهتف بسقوط الذرائع والمبررات، كي أتحرر وأكفر عن ذنوب وسوءات لم أرتكبها.. !" (ص 50). إنها الغشاوة والجمود، التي تمنع من دراسة علمية معمقة لتجربة راحت وانتهت، ولكنها تركت خلفها الكثير الكثير الذي يحتاج إلى مراجعة وتدقيق! مع كل البطولات التي اجترحها الأنصار، ولاسيما الشهداء منهم، ومنهم الرفيق صوفي.

ابتداءً يرى يحيى علوان بعين ثاقبة أن هناك من سيقول: إن هذا النصير تعبٌ ونادمٌ عن مشاركته في النضال العصيب!، فيتدارك الأمر بوضوح ويكتب: "هي بالتالي ليست كتابةً نادمة على ما فات، بل نصوصاً مفتوحة، صببت فيها شيئاً من نزف الروح وما جفًّ من حبال الحنجرة.. عصارة ما جنيته من خبرة حياتية متواضعة.. أصبت فيها حيناً، وأخطأت أحياناً.. لا هي رواية ولا قصة، لا هي نص علمي.. بمعنى لا مكان فيه للاستدلال أو التوثيق.. بل هي نصوص أدبية تعرض لـجانب فقط من تجربة شخصية، لا تنفي غيرها..". (ص 26/27). 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاظم حبيب

قراءة حزينة وممتعة في كتاب "مطارد بين ... والحدود" للكاتب يحيى علوان

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي