رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 22 حزيران( يونيو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 705

«ثلاث خطوات إلى المشنقة».. لعنة الأكراد وفشلهم

ابتسام القشّوري
"ليس للكردي إلا الرّيح" إنّ عنوان قصيدة محمود درويش: يبدو العنوان مناسبا ومدخلا رمزيا لرواية جان دوست، الكاتب السوري الكردي "ثلاث خطوات إلى المشنقة" الصادرة عن دار الساقي، التي تمتد على مئتين وثلاث وعشرين صفحة، حيث تركزّ على فشل وخيبة أمل الشّتات الكردي في تكوين دولة كردية.
وتدور أحداث هذه الرواية في نهاية الخلافة العثمانية وبداية جمهورية كمال أتاتورك، الذّي ضيّق الخناق على الأكراد، وكان يلاحقهم في كلّ مكان، فساهم ذلك في قيام ثورة "سعيد بيران" التى باءت بالفشل لأسباب كثيرة، وأدّت إلى أسره ثم إعدامه مع مجموعة من أصحابه المشايخ في سنة 1925.
بين التاريخي والتخييلي، وفي بناء درامي مشهدي وبلغة صوفية تشبه الشخصية الرئيسية، يدخلنا جان دوست في هذه الرواية إلى اللّحظات الأخيرة في حياة "سعيد بيران": ثلاث خطوات تفصله عن الموت، ثلاثة أطوار مهمة من حياة الرجل تفصل القارئ عن نهاية الرواية: سيرة رجل سيرة شعب بقيا ظامئين إلى التحرّر وبعيدين عن الحلم بالقومية الكردية وتكوين دولة مستقلة.
لقد اعتمد جان دوست في هذه الرواية على المادة التاريخية المهمة المتعلقة بشخصيته المرجعية سعيد بيران، ولكنّه أجرى عليها "ضروبا من التحويل" وهذا ما تضطلع به الرواية التاريخية، أو ما يسميه الناقد عبد الله إبراهيم بـ"التخيل التاريخي"، فتقمص جان دوست دور "سعيد بيران" وأخذنا معه إلى اللّحظات الأخيرة من حياته قبل إعدامه من قبل جيش كمال أتاتورك، وبذلك كان هو الصوت الوحيد الناقل للأحداث. وبلغته الصوفية الشاعرية، وأمام مشنقته ومشانق رفاقه السبعة والأربعين، تتدافع ذكريات حياته، ولم يكن ذلك إلا ذريعة من الكاتب ليعرفنا على حياة رجل يعتبره الأكراد من عظمائهم، حيث كان من المتصوفة الذين أخرجوا التّصوف من الدروشة إلى بناء وعي قومي بالحقوق الكردية، ولذلك سيقوم بقيادة ثورة على تركيا للمطالبة بالاستقلال.
تنقسم هذه الذكريات إلى ثلاثة أطوار مهمة: وهي مرحلة الطفولة التي كانت هادئة في كنف عائلة علم ومعرفة، حيث تعلم على يد والده الذّي كان زعيما دينيا الشيخ محمود بيران القراءة والكتابة وحفظ القرآن، ثم مرحلة الشباب التّي كانت تتسّم بالسّفر من أجل العلم والمعرفة، وكذلك مرحلة الحب التي تعلق فيها بفتاة تُدْعى بريخان، كان يراها في بيته، حيث كانت تعمل عندهم ،ولم تكن هذه الشخصية إلاّ شخصية متخيلة، فهي ترمز للدولة الكردية التّي ما أن اقترب منها سعيد بيران بعد حب كبير، حتى سقطت في البئر، وبموتها يكون هذا الحدث استباقا لفشل الثورة وعدم قيام الدولة الكردية، ولم يبق منها الاّ الذكريات الجميلة ومنديل أهدته له، بقي محتفظا به إلى أن افتكّه الجنود الأتراك عند أسره. هذا المنديل بلونه الأخضر والشمس المزروعة في وسطه يكون رمزا للعلم الكردي غير المكتمل.
ثم ينتقل بنا إلى الطور الثالث مرحلة النضج والعمل السياسي، وتتبعنا من خلال ذكريات هذه المرحلة جهود سعيد بيران في زرع الوعي القومي بالحقوق الكردية، وعندما قررت جمعية «أزادي» في مؤتمرها، وكان سعيد بيران يترأسها، القيام بثورة لنيل الحقوق القومية الكردية قام هذا الأخير بجولة في أرجاء كردستان لجمع الدعم والتأييد. وقد قام فيها بحلّ الخلافات بين العشائر الكردية، وإزالة العدوات والدعوة إلى الوحدة والاتفاق، وعند وصوله إلى قريته «بيران»، يتزامن وصول الجنود الأتراك للقبض على بعض الشباب الكردي، فيرفض سعيد بيران ذلك، ويطلب منهم الرجوع مرة أخرى واحترام وجوده، ولكنّهم يرفضون ذلك وتندلع مناوشات بين مريدي الشيخ والجيش التركي، يفهم منها مريدوه خطأ انّها دعوى لقيام الانتفاضة وبالتالي تقوم الثورة في غير وقتها، ونظرا لعدم توازن القوى وعدم التحضير السياسي المسبق، تفشل الثورة في وقت قصير، ويتم القبض على كبار المشايخ ومنهم سعيد بيران، الذي تم إعدامه مع أصحابه الذين دعموه في هذه الثورة. هكذا كانت سيرة هذا المناضل تختزل سيرة شعب ناضل من أجل نيل حقوقه، ولكن اللعنة كانت ترافقه وتمنعه من تحقيق هذا الحلم، وهذا ما يرمز إليه محاولات صديق «سعيد بيران» في الرواية وفي عبثية مطلقة أن تستقر حبات الجوز على القباب. يقول أوسن وايرن: «إن الأدب عامة هو فنّ زمني» ولهذا اعتمد الكاتب في هذه الرواية على لعبة الزمن، فلقد اختار جان أن تدور أحداث روايته ليلا، دلالة على الظلم والقهر الذّي طال الشعب الكردي، وهو لم يقم بجريمة إلاّ المطالبة بحقوقه، فيتم إعدام الشيخ وبقية أصحابه في جناح الظلام مواراة لهذه الجريمة النكراء.
كما أن اشتغال جان دوست على الزمن يكمن في تحكمه بين زمن الحكاية وزمن السرد، حيث أن زمن الحكاية لا يتعدى دقائق: ثلاث خطوات إلى المشنقة، أيْ من خروج سعيد بيران من باب سجنه إلى مشنقته، لكن زمن السرد يمتد على كامل الرواية، وقد اعتمد جان دوست في ذلك على» تعطيل الزمن» واعتماد الاستطراد بالرجوع إلى الوراء، وبالتّالي يترك المجال للتّذكر، بالإضافة لاعتماده تأجيل السؤال:
يخرج سعيد بيران من سجنه في مشهد درامي يشبه المشهد السينمائي، مساقا من طرف جنديين تركيين إلى مشنقته، ظامئا للماء. والعطش هنا ليس للماء فقط ولكن للتّحرر والاستقلال، ويخرج ظامئا أيضا للإجابة عن سؤال يخبرنا منذ السطور الأولى أنّه سيطرحه على الله قبل إعدامه بقليل: ما هو هذا السؤال؟ هو الخطّ التشويقي الذّي يتابعه القارئ، ففي كل خطوة يؤجّل السؤال، ويدرك أن خطوة أخرى تفصله عن الموت فيتراجع عن طرحه. 
وفي الحقيقة لا يظفر القارئ بأي سؤال، لأنّ الشيخ يُعْدم ولم يطرح سؤاله، وهذا مقصود من الكاتب لتكون هذه الرواية بأكملها هي السؤال الذي يطرحه جان دوست: لماذا يحدث كل ذلك للأكراد؟
وبإعادة جان دوست لكتابة التاريخ بوصفه مرجعا لا يمّر إلا عبر الذات، فإنّه لم يكتب سيرة سعيد بيران، بل كتب نفسه كتب أوجاعه وحزنه على وطن ضائع وحقوق مهدورة، وهو الكاتب السوري الكردي، الذّي يعيش منذ سنوات في ألمانيا، وما أن قرّر العودة إلى قريته حتى اختفت، فقد دمرت الحرب قريته «كوباني» ومنزله وكل ذكرياته، ولذاك لجأ جان دوست إلى التاريخ، وقصد تتبع في هذه الرواية اللعنة التي اصابت الكرد، يقول في أحد حواراته: «لم يعد يجذبني الماضي المجيد، صرت أنّقب في كتب التاريخ عن سبب الهزيمة الكردية، عن سبب اللعنة الكردية التّي منعت هذا الشعب من بناء دولة مستقلة، كما باقي خلق الله وبذلك فمن أهداف اللجوء إلى الماضي هو إثارة الحاضر كما يقول لوكاتش.
ويبقى أحفاد سعيد بيران إلى الآن ظامئين إلى التّحرر والاستقلال، ومازالوا يعيشون إلى الآن الظلم والهرسلة والتشتيت، وهذا ما يبرر قول درويش لصاحبه سليم بركات الكاتب السوري الكردي في قصيدته المشهورة: «ليس للكردي إلاّ الريح».

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي