رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 22 حزيران( يونيو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 705

محاكمة عاداتنا الصحية

ـ 7 ـ
الجراثيم الميكروبات, هل هي موجودة حقا؟
إحدى حقائق الكون الأزلية أن له وجهين: مرئي وغير مرئي. تنطبق هذه الحقيقة  على البعد المادي والمعنوي, فهي خالدة الهوية وغير متناهية في حدود الكينونة البشرية. ولله في خلقه شؤون.
نبدأ بجسمك. أنت ترى ما يظهر لك أن تراه ولا يمكنك في نفس اللحظة أن ترى باطنه. وإذا تمكنت فلا يمكنك أن ترى تركيبه أو – خلاياه - ببصرك, وإذا تمكنت  فهناك دائما ما لا تراه؛ مكونات النواة مثلا متناهية الصغر حتى تصل حد الشحنات الكهربائية حتى ليقال أننا لسنا مادة بل طاقة. وإذا كان العقل لا يتحمل أو لا يقدر  على الوصول إلى ما بعدها  فهذا لا ينفي أن الوجود مستمر إلى الأبد.
حقيقة ان الأجسام متناهية الصغر, على رؤية العين, لا ينفي وجودها. فليس شرط الوجود أن يكون للأحياء او الأشياء حجم معين. شرط الوجود ان تكون موجودا فحسب؛ مرئيا أو غير ذلك.
وحدة القياس للأطوال في العالم متريّة أو قدَميّة. ولكن لأن اوروبا – فرنسا وألمانيا  بالذات- قد سبقتا إنجلترا في علم الأحياء المجهرية – المايكروبيولوجي -  فقد سادت الوحدة المترية. ظلتْ وحدة اجزاء المتر هي المستعملة في القياس, للأحياء المجهرية المكتشفة بنظام للعدسات المكبِّرة يسمى مجهرا او ميكروسكوبا.
كنت أعلم طلابي أن للمتر 100 سم، وللسنتمتر 10 ملمترات، بهذا يكون للمتر 1000 ملمتر: ومن هنا نبدأ, نبدأ بالتقسيم إلى ألف مرة في كل مرة للدخول في عالم الجراثيم مستعينين بالميكروسكوب الضوئي. فلو قسمت المليمتر إلى 1000 جزء  يسمى كل جزء مايكرومتر – او ميكرون -  وهنا تقع حدود الأحياء المسماة – بكتريا, ولما كانت حدود رؤية العين لا تتعدى حوالى النصف او الثلث مليمتر -شخطة المسطرة - توجب عليك ان تحظى بتكبير 500 - 1000 مرة لكي ترى بضاعتك! ولقد وقف علم الميكروبات عند هذا الحد - الميكرون – زمانا طويلا حتى دخلت الفيروسات- في الحساب واكتشف المجهر الالكتروني لها. هذا الأخير يكبر 2000000 مرة بدلا من اقصى ما يصل إليه المجهر الضوئي - 2000 مرة – ويقدم لك الصورة على الشاشة. ولقد شهد عام 1931 رؤية النموذج الأول بتكبير 400000 قدمت بعد ذلك شركة سيمنز اول جهاز للمسح الالكتروني في تلك السنة بعد ان هجم فيروس شلل الأطفال وكان لا بد من رؤيته.
الفيروسات تقاس بوحدة تسمى نيترونات- نيترون أو النيترومتر - وهي تعدل واحدا من الف جزء من الميكرون أي واحد من مليار من المتر. وقد يكون متعبا أن تعرف أن هذا الجزء يجزأ ايضا إلى 1000 جزء يسمى – بيكومتر - pico - أي واحد من تريليون من المتر - يستخدم في قياس اجزاء الذرّة.
فإذا كان الأمر كذلك؛ وهو كذلك فعلا, فإن بإمكانك تخيل المزيد من الهبوط بالتقسيم  فشأنه شأن الارتقاء, لا نهاية له ما دام حقيقة مائلة. إن عدم رؤية الشيء لا ينفي وجوده, نؤكد هنا, لا ماديا ولا معنويا. الدنيا بخيرها وشِّرها تُرى ولا تُرى. حسبنا هنا أن نحدثكم عما يحيط بكم مما لا يرى من مخلوقات الله. نضع الأمور قدر الإمكان في نصابها ونعقد اتفاقا مبدئيا وصفه أحد الشعراء العظام: الناس كالناس والأيام واحدة والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا.
واعلم هنا, أن للجبهتين قوتهما. فلا جسمك الكبير وعقلك الكبير وعالمك الكبير  بجاعلك المتفوق ولا هي بصغرها  المتناهي بمندحرة. لكل طرف قوته. أليس عدم الرؤية عامل يُحسب لمصلحتها سواء كان ذلك عدم رؤية بصري او عقلي, وعلى العكس تحل الرؤية العقلية الكثير من الإبهام. فقد يتحول النانومتر للقياس في نظر العارف إلى متر وقد يتحول المتر في نظر الجاهل إلى نانومتر. فكم هي الأشياء التي لا نراها وهي مائلة امامنا. رحم الله المهندسة العبقرية زها حديد التي لعبت بوحدات القياس المائلة وحولّتها إلى جمال معماري خالد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي