رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 22 حزيران( يونيو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 705

خيرية المنصور.. حققت ما تنبأ لها يوسف شاهين

 سلام الشماع
لم تخب نبوءة المخرج المصري الكبير يوسف شاهين بالانطلاق الصاروخي للمخرجة العراقية خيرية المنصور، يوم أخذ بيدها من المحلية إلى العربية، ولكنها، الآن، تعبر حدود العربية باقتحامها العالمية، وما زالت تتسيد عرش المخرجة السينمائية الأولى والوحيدة في العراق من دون منافس.
تنشغل المنصور، حالياً، بكتابة سيناريو لفيلم روائي سياسي طويل وجديد لصالح شركة أميركية، وسبق لها أن أخرجت ثلاثة أفلام تسجيلية للشركة نفسها عن التعليم بعنوان "رايز"، كما أنتجت عنها شركة أميركية أخرى فيلماً بطول سبع دقائق لحساب إدارة مهرجان قابس الدولي في تونس الذي تم تكريمها فيه عن مجمل أعمالها السينمائية، وعرض لها فيلم "الثلج لا يمسح الذاكرة".
المنصور هي المرأة العراقية الوحيدة، التي اقتحمت ميدان الإخراج السينمائي وبرعت فيه وقدمت فيلمين روائيين طويلين وعشرات الأفلام القصيرة بالإضافة إلى مسلسلين تلفزيونيين، حتى عدّها النقاد علامة بارزة في السينما العراقية وضمير المشاهد العراقي، بخاصة بعد فلمها الشهير 6/6 (ستة على ستة) الكوميدي، الذي كان بطله الفنان قاسم الملاك، وهو الفيلم الذي وصفه النقاد السينمائيون بأنه نقلة نوعية في تاريخ السينما الكوميدية العراقية وأحد أهم أفلام الكوميديا العراقية إلى الآن.
تقول المنصور: عن عملها: "إنجازاتي عديدة في السينما قيّمها النقاد. لكن يبقى المهم أنني راضية عمّا قدمته إلى السينما العراقية، لأن العراق احتضنني وقدم إليّ الكثير، وكان عليّ أن أعطيه بقدر عطائه لي، وخير دليل تكريمي الأخير في السنة الماضية بمهرجان قابس الدولي في تونس عن مجمل أعمالي السينمائية سواء للسينما العراقية أم العربية"، وتضيف المخرجة العراقية التي اهتمت بالشعر إلى جانب ولعها بالصورة "لي أفلام وثائقية أقف عندها معتزة بها، منها فيلم عن الشاعرة نازك الملائكة التي عايشتها في بيتها، وسينمتي للقصيدة الشعرية في فيلم اللوحة الأخيرة، إذ حولت قصيدة الشاعر الكبير حميد سعيد عن الفنانة التشكيلية العراقية الشهيدة ليلى العطار إلى فيلم أخذ منّي وقتاً وجهداً استثنائيين، وفيلم ‘حدث في العامرية’، وآخرها فيلمي الروائي ‘الثلج لا يمسح الذاكرة’، الذي يدور حول احتلال العراق، وهو أول فيلم عراقي ينتج في مصر ليجسد بشاعة الاحتلال الأميركي للعراق".
تدين المنصور، المولودة في شهر آذار 1955، بنجاحها في مجال السينما إلى نشأتها في أسرة يسارية متوسطة الحال تحب القراءة، ما أتاح لها أن تقضي سنيّ مراهقتها في القراءة، إذ كانت تذهب إلى المكتبة المركزية في الديوانية لاقتناء الكتب بتوجيه من أسرتها. فقرأت مؤلفات جورجي زيدان لتقوية التعبير وكانت تحصل على معدل جيد في مادة التعبير، وكانت في سباق مع أصدقائها للانتهاء من قراءة القصص، وكان للأفكار اليسارية لأسرتها الفضل بتشجيعها في أيّ مجال ثقافي.
مثلت مسرحيات عديدة على مسارح الإدارة المحلية في مدينتها الديوانية، منها مسرحية “البيت” لنورالدين فارس إخراج هادي رديف. واستمرت الحال إلى أن أنهت الثانوية العامة، وكانت تكتب في مجلتي "المتفرّج" و"الفكاهة" البغداديتين الساخرتين، وتحرّر صفحة في مجلة "الفكاهة" باسم فتاة المنصور.
غادرت المنصور العراق بعد احتلاله متسللة إلى إقليم كردستان العراق، ومنه إلى القاهرة لتعمل مديرة لقسم الأفلام الوثائقية في قناة النهرين المصرية. إذ قدمت سلسلة أفلام تلفزيونية زادت عن الـ65 فيلماً بعنوان "بروفيل" من إنتاج القناة، كان أبرزها عن الفنانين العراقيين يوسف العاني وجعفر السعدي وَعَبَد الخالق المختار وآسيا كمال.
كما أخرجت المنصور سلسلة من الأفلام، لا تحصى، بعنوان حكاية تشكيلية عن أهم الفنانين التشكيليين في العراق، وأنجزت سلسلة أخرى من الأفلام بعنوان "طيور مهاجرة" عن المبدعين العراقيين الذين شردتهم الميليشيات الطائفية من العراق ليطلبوا الأمان في بلدان العالم.
قدمت استقالتها من قناة النهرين لتلتحق بقناة "البغدادية" العراقية كمدير فني، وهذا المنصب، كما تقول، عزلها عن عالمها السينمائي الذي أحبّته، لكنها استطاعت خلاله إخراج فيلم عن الجيش العراقي، الذي حلّ بقرار من الحاكم المدني الأميركي على العراق بول بريمر وعدّ أهم فيلم ينصف الجيش العراقي، كما أنجزت، خلال المدة نفسها، فيلماً عن النحات العراقي الراحل محمد غني حكمت وأكملت سيناريو فيلمها عن الشاعر مظفر النواب على أمل تصويره في سوريا ولكنها تركت قناة البغدادية.
تذكر أنها، بعد خروجها من قناة البغدادية، أخرجت فيلمها الروائي "الثلج لا يمسح الذاكرة"، الذي تناول احتلال العراق وأنتجته شركة "ون شوت" المصرية، بعده أنتجت 16 فيلماً وثائقياً من إخراجها في سلسلة "مبدعون راحلون".
تقول المنصور: "مرضت، بعد ذلك، ولكن مرضي لم يمنعني من إنجاز كتابي ‘شرنقة شاهين الحريرية’ عن تجربتي مع المخرج يوسف شاهين”، مضيفة “درست يوسف شاهين لوحدي، قبل معرفتي به، ودرست أفلام فليني وغيره، فأحببت السينما، ووجدت في عالمها السحري مبتغاي إذ أستطيع أن أقول، من خلالها، ما أريد سواء مباشرة أم بالترميز، وأن أدافع عن الحق بصفة سحرية مبهرة، وأن أترجم ما أريد أن أقوله وأوصل أفكاري إلى المتلقي أينما كان في هذا العالم الواسع”.
جاءت الفرصة الذهبية للمنصور عندما عملت مساعدة للمخرج توفيق صالح في فيلم “الأيام الطويلة” فتعلمت منه وسألته عن كل شيء يخص السينما، وفِي إحدى زيارات يوسف شاهين إلى العراق زار توفيق صالح في موقع التصوير.
تقول المنصور “كنت أرتعش من الرهبة كيف سألتقي هذا العملاق؟ كان الجوّ عاصفاً ثلجياً في شمال العراق مما اضطر شاهين أن يمكث معنا يومين.. عرفته أكثر وناقشت معه فيلم ‘العصفور’ وبدا على شاهين أنه معجب بما أقول، فقاطعني والتفت إلى توفيق صالح قائلاً باللهجة المصرية: أنا عاوز البت دي تعمل معي. والتفت إليّ وسألني: تشتغلي معي؟ فكاد أن يغمى عليّ من الفرح”. تتابع “شاهين هو الذي صقلني سينمائياً وعلّمني ماهية السينما فكراً وأداة ووضع قدمي على الطريق الصحيح، بدأت معه من كتابة السيناريو في فيلم ‘حدوتة مصرية’ إلى كتابة السيناريو التنفيذي (الديكوباج) والتصوير إلى نهاية الفيلم حتى عرضه. عاملني كإحدى بنات أسرته، وتحملت المسؤولية وعمري 22 سنة ونجحت وواصلت العمل معه كمساعدة في أربعة أفلام سينمائية هي حدوته مصرية وإسكندرية كمان وكمان والمصير وكلها خطوة”.
تدير خيرية المنصور، حالياً، موقعاً إلكترونياً اسمه "الصدى نت" وهو موقع سياسي ثقافي فني أسسته، ويضم نخبة من كتاب الوطن العربي، هدفه جمع شمل المثقفين بعد أن فرقتهم السياسة، كما تقول.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي