رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 22 حزيران( يونيو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 705

مبادئ العدالة من منظور نفعي عند ستيوارت مل

استهلال:
"إنْ كانت الإنسانية كلها باستثناء فرد واحد على رأي وكان هذا الفرد على عكس هذا الرأي لما كان للإنسانية حق فرض الصمت عليه، أكثر مما يكون له هذا الحق لو كانت السلطة بيده".
يظن البعض أن النفعية تنتصر للحرية على حساب المساواة وتضع نفسها بجوار الخاص على حساب العام وتقر بالمصلحة الجزئية على حساب المبدأ الكلي للتقسيم، وتحرص على حضور البعد الأداتي على حساب البعد الغائي، وتشبع المادي ضد الرمزي. كما يعتقد آخرون أن الفلسفة النفعية مع جون ستيوارت مل (1806-1873) تدافع بشكل مطلق على اقتصاد السوق والملكية الخاصة والحرية الفردية والنظام الليبرالي، وتنشد الرفاه ضمن مجتمع الاستهلاك عبر آليات الاستثمار والمنافسة الحرة، وبالتالي تخلو من كل حديث عن العدالة والحقوق الجماعية والمساواة الاجتماعية والمصلحة المشتركة. غير أن هذا الظن يبدو كاذبا إذا تم التفريق بين المذهب النفعي عند المحدثين والفلسفة النفعية التي برزت مع التيار الأنجلوساكسوني وبين البعد البراغماتي بما هو نمط تداولي يتكامل مع النمط التركيبي والنمط الدلالي والفلسفة البراغماتية بما هي اتجاه ذرائعي وانتفاعي، وتم التأكيد على أهمية القيم الاشتراكية عند مل، وارتباط الحياة الفردية بالأخلاق وتأسيس القيم على المنفعة باعتبارها مبدأ السعادة القصوى وتفضيل لذات العقل على لذات الجسم، والبحث عن حياة خالية من الألم وثرية بالعمل، وما يجلبه من منافع ومسرات.
"ومع ذلك فإن هذا الكائن الأرقى سيتعلم بسهولة تحمل هذا النقص (في تحقيق اللذة التي يرغب فيها) ولن يكون غيورا من ذلك الكائن الذي لا يعي هذا النقص لأنه لا يستشرف الامتياز الذي يحفزه كل نقصان".
لقد تحركت النظرية النفعية على قاعدة جلب المصلحة، ودفع المضرة عند نشاط الفرد ضمن دائرة المجتمع وحرصت على توفير حياة خالية من أشكال الظلم والعوز والألم، ومليئة بالمتع والفوائد والخيرات والملذات بالنسبة للعقل والجسم على السواء، وتخص الفرد لوحده، وتطال الإطار الاجتماعي الذي يعمل ضمنه وينتج.
فما هو دور مسألة العمل ضمن الفلسفة النفعية؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى هذا النشاط المرهم إذا كان هدف وجوده يرتكز على تحصيل السعادة؟ والى ماذا يؤدي مسار العمل؟ وما هي تبعات ارتباط العمل بالإنتاج؟ وهل يترتب عن النظرية النفعية تكريس التفاوت والاحتكار والاستغلال؟ وبأي معنى تنتصر هذه النظرية للتنمية على حساب التوزيع وتفتقد علاقات إنتاج اشتراكية، وتحول دون التقارب بين الفئات المنتجة؟
1- تجديد منهج البحث الفلسفي:
"تكسب الحقيقة من أخطاء المرء الذي يفكر بنفسه بعد دراسة وتحضير أكثر مما تكسبه من الآراء الصائبة لمن يعتنقونها بسبب أنهم لا يريدون تكبد عناء التفكير".
لقد انطلق جون ستيوارت مل في طرحه للمسألة المنهجية على الصعيد المعرفي، من الثورة الحاسمة التي قام بها فرنسيس بايكون في كتابه الأورغانون الجديد وتخليه عن مبدأ الاستنباط واعتماده على الاستقراء. بالرغم من استخدامه للمنهج التجريبي وإتباعه بصورة متلازمة لمراحله الأربع: الملاحظة والفرضية والاختبار والاستنتاج، إلا أنه ارتأى أن يضيف عددا هاما من العناصر إلى هذه الطريقة التجريبية الثورية:
- منهج الاتفاق ـ concordance ـ:
يتمثل في تجميع الملاحظات التي تسمح بحضور الظواهر المدروسة واستبعاد الظروف التي لا تشترك معها. وبالتالي يمكن احتساب هذا الشيء الواحد الذي يظل حاضرا باستمرار هو سبب وجود الظواهر.
- منهج الافتراق ـ différence ـ:
يرتكز على بناء قائمة حول مجموعة الملاحظات التي تتعلق بحضور الظواهر وغيابها، وذلك لاستبعاد الظروف التي لا تشترك معها.
- منهج المتغيرات المتساوقة ـ variations concomitants ـ:
كل تغير في الظاهرة يشير إلى أن مجموعة الظروف المتساوقة التي تتغير وتطلب استبعادها أو تظل على حالها ثابتة.
- المنهج المشترك للاتفاق والافتراق:
لما كانت مجموعة الظواهر متصلة بمبدأ سببي فإن أي تغير يحدث في المقدمات يفضي الى تغير في النتائج. وأي تغير يلاحظ على النتائج فإنه يدل على وجود تغير في المقدمات.
- منهج البواقي ـ résidus ـ:
يسمح باستبعاد بشكل قبلي لكل الظروف الحاضرة التي يعرفها المرء بواسطة أشكال من الاستنباط الأولى، والتي تظل عاجزة عن إنتاج الأثر بمجرد أن يبحث المرء عن السبب.
هذه التقنية المنهجية تنتمي إلى فلسفة الحكم المعرفي وتتحرك ضمن تقنية التثبت والمراقبة أكثر من أن تكون تقنية الكشف والاختراع وتسمح بالتمييز بين الظواهر أكثر من الانتقال من الأسباب إلى النتائج.
خلاصة القول أن منهج الاتفاق يدل على التلازم في الوجود بين السبب والنتيجة وأن منهج الافتراق يدل على التلازم في العدم بين السبب والنتيجة، وأن المنهج المشترك يقر وجود النتيجة بوجود السبب وعدمها بانعدامه وأن منهج التغيرات المتضايفة يشير إلى أن أي تغير يحدث في السبب يؤدي الى تغير في النتيجة، بينما يثمر منهج البواقي تفسيرا يقوم على أن سبب شيء ما لا يكون سببا لشيء آخر مختلف عنه. لكن كيف يمكن للمرء التأكد من أن ما يلاحظه من علاقة ثابتة بين الظواهر هو علامة على وجود علاقة سببية ضرورية تقر بوجود سبب لكل ظاهرة، وتعطي قانونا ثابتا لكل علاقة بين الظواهر؟ أليس من الضروري أن نميز بين المنفعة والمصلحة في المادة من جهة، وبين العدالة والاستقامة في الحق من جهة أخرى؟
2- العلاقة بين المنفعة والعدالة:
"يتضمن ميدان العدالة ليس فقط ما يؤدي إلى نفع عند فعله والى سوء عند عدم فعله بل هو أيضا ما يمكن لشخص أن يشتكيه منا بالانطلاق من حقه الأخلاقي".
يمارس مبدأ المنفعة الذي ينطلق منه ستيوارت مل تأثيرا عميقا على تشكيل القناعات المعرفية والمعتقدات الأخلاقية والأفكار السياسية. وساعد على نقد النظريات الأخلاقية الحدسية والنظريات التأملية وطرح المشكل ضمن منطق الحس السليم، وتناوله من منطلق الملاحظة التجريبية والتكلم عنه بلغة خبرية كمية.
لهذا حاول مل تفهم النظرية النفعية ضمن إشكالية السعادة التي تم إهمالها من طرف الفلسفة الكانطية، وربطها بالوسائل النافعة التي يتبعها الطب من أجل البلوغ بالجسم الإنساني إلى حالة سوية وصحة جيدة.
لا تتوقف المنفعة التي تنشدها نظرية مل عند مطلب تحقيق اللذة وإنما ترى بأن الشيء الوحيد الذي يرغب فيه الفرد والمجموعة على السواء من حيث هو غاية، هو السعادة، عند غياب الألم وحضور اللذة. ولا يمكن النظر الى التصور النفعي للحياة على أنها تصور مبتذل وأناني، وذلك لارتباطه بالمتعة المادية، بل يمكن الاعتماد على نوعية اللذات وليس كمياتها، وتوفير شروط تجربة صالحة لتحصيل كيفيات هامة.
في نفس الاتجاه يميز ستيوارت مل بين السعادة التي تحقق الفرح والانتشاء والبهجة على مستوى نوعية وكمية اللذات والإشباع الذي يحقق الرضا والراحة والقبول على مستوى الأحاسيس والطموحات والآمال. على هذا الأساس يكمن الهدف الأقصى للنفعية بإحراز السعادة العمومية للجميع، وليس السعادة الشخصية، ويتم تحديد الأخلاق النفعية على أنها مجموع القواعد والوصايا التي تطبق على السلوك البشري، وتجعل من نمط وجوده أمرا مستقرا وتدفع الناس الى التصرف بما يحقق لذاتهم وينمي في أحاسيسهم ملكة الخلق.
لهذا ليست السعادة التي يأمل كل إنسان الحصول عليها أمرا مستحيلا، وإنما تتعلق مباشرة بما يبذله من جهد في سبيل دفع المضرة وجلب المنفعة وتجنب الألم وإنتاج اللذة من جهة ما هو طبيعي وما هي ثقافي.
بهذا المعنى تتعلق السعادة بأسلوب التربية الذي يحصل عليه المرء ومسارات التقدم التي يسير فيها ضمن منجزات الإنسانية سواء في ما يخص التنظيم العقلاني للمجتمعات أو أثناء الصراع ضد ضرورات الطبيعة.
ما هو اشكالي أن النفعية تدرج مبدأ التضحية بالذات بما هي مكابدة ونضال واستعداد للمساعدة ضمن نسقها القيمي ولكنها تشترط تحقيقها لسعادة الغير، لكي تمنحها القيمة الأخلاقية وتجعلها فضيلة من درجة رفيعة. لذا يحتاج التطور في المجتمعات والتعليم الى اعتماد التضحية بالبعض من أجل تحسين شروط الوجود ضمن جدل الجزء مع الكل، وداخل دائرة حقوقية تتحرك ضمن الأقلية والأغلبية دون إهمال حق الحياة. لقد وصف البعض النفعية بأنها أخلاق مصلحة غير محتاج إلى قيم مطلقة، وذلك لارتباطها بالأفعال الواقعية وتحركها ضمن نظام الوسائل وحرصها على الحساب في الأوقات والطاقات من أجل بلوغ السعادة العامة.
على خلاف ذلك تلتزم النفعية بمجموعة من القواعد الباطنية والقوانين الخارجية بغية نقد ميتافيزيقا القيم وتخطي تعقدية الشعور بالواجب الأخلاقي والأحاسيس الفطرية وتنزيلها ضمن دائرة المكتسب والتجربة ودمجها ضمن الإحساس الاجتماعي والمشاعر المشتركة التي تظل إحساسات طبيعية وضرورية للتطور.
ما هي الحجة التي تثبت قابلية المنفعة للتحصيل البشري؟ وهل يمكن ايلاء عناية بمقتضيات العدالة بواسطة منح الاعتبار لمستلزمات تحقيق المنفعة؟ ألا يحتاج إلى إجراء تحليل لفكرة الإحساس بالعدالة واللاّعدالة؟
ينتبه ميل إلى أن فكرة الحق هي مجرد بعد من فكرة العدالة، ولكنه يقر بأن الحصول على حق معين هو أمر يقوم به المجتمع ويمنحه للفرد ويضمن امتلاكه من وجهة نظر المنفعة العمومية والسلامة الشخصية.
بعد ذلك يعتمد على معيار المنفعة من أجل انهاء حالة التعارض بين الحق الشخصي والعدالة العمومية ويقدم مجموعة من الأمثلة التطبيقية على غرار تقاسم الضرائب وحق العقاب واحتساب عائدات الشغل.
لكنه يؤكد على المنفعة العليا لقواعد العدالة وذلك حينما يؤدي إلى ترسيخ السلام وتوطيد الأمن بين الناس. فهل يمكن أن يرجع المرء أمرا سيئا إلى المسيء وأمرا حسنا إلى المحسن تطبيقا للمبدأ الجوهري للعدالة؟ وكيف يكون الفاعل مستقيما وغير منحاز ويمسك نفسه عن الهوى ويرفض أشكال اللاّعدالة غير المبررة؟
يتبع..
* كاتب فلسفي

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي