رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 22 ايار( مايو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1968

نورت مصر .. نورت البصرة ..!

 

قاسم حول

لسعد القرش روائي مصر الذي أهداني بعض ما كتب من الروايات، وكرمني بلقائه في صحيفة الإهرام، أرسل لي مقالة كتبها ونشرها في صحيفة العرب، تحمل عنوان "ذكريات رحلة إلى البصرة .. كم يبعد العراق؟" وعنون رسالته لي والمرفق بها المقال "نورت مصر" شكرا  سعد .. وكنت في زيارتك لمدينتي البصرة قد نورتها، وهي المطفأة الأضواء يوم أطفأ المحجبون نور الله قبل أن يطفئوا نور توماس أديسون!

تحدث سعد القرش، بنبرة نابعة من القلب عن زيارته مرتين، لمدينة البصرة لمناسبة مهرجان المربد في حقبتين من تاريخ العراق، حديثا ذي شجن عن مدينة البصرة التي أنشأها "عتبة بن غزوان". وللمصادفة فإني درست الإبتدائية في مدرسة عتبة بن غزوان!

من يريد أن يختصر الزمن والأزمان في قراءة ما حصل للعراق عبر حقبتين من تاريخ العراق الحديث، فيهما من الغرائب والعجائب، وبالشواهد المصورة، فإنه سيجد ذلك  في سيناريو محكم البناء والكتابة عن الشقاق والنفاق وعن  العناق والفراق ، في مقالة سعد القرش " رحلة إلى البصرة، كم يبعد العراق" مقالة هو سيناريو سينمائي أدبي يختصر الزمن لكل ما جرى فيه من المحن، التي تبعث على الخوف الحقيقي والذي كنت أظن أننا وحدنا القادرون على فهمه، وأن غيرنا مهما إمتلك من الرؤية النافذة لا يمكنه الوصول إلى حرارة الجمر الثانية، ممثلا في الجمرات التي ترمى على الشيطان البريء من قبل عدد كبير من المتهمين!

سعد القرش صراحة دوختني في مقالتك "رحلة إلى البصرة" وأخاف أن تحفزني نحو الموت والمغامرة التي تعبت من تكرارها بين البصرة وبيروت، فأحمل كاميرتي وأعود لكي أصور ذلك السيناريو المدهش التي سطرته في صحيفة العرب، وفي صفحات الزمن المرير، مرارة العلقم الذي عشناه قرونا وأبعد من القرون حسب الفهم النسبي للزمن، وأنت الذي إختصرت تلك الأزمان في سيناريو طويل يبدو في قراءته قصيراً، لكنه مفاتيح لغة التعبير السينمائية، ينتج بصوت الصمت في فيلم طويل سيترك المشاهدين حيارى من جمال الرؤية والرؤى ومرارة أو ملوحة طعم دمعة العيون المشاهدة!

سعد القرش، كم من الأعوام عرف بعضنا الآخر، ونحن لم نلتق سوى سويعات المعرفة؟ وكم من الأعوام عرف بعضنا الآخر، وأنت لم تشاهدني وأنا لم أقرؤك؟ وكم من الأعوام عرف بعضنا الآخر، وأنت تعرف العراق أكثر مما تعرف مصر، وتعرف مصر أكثر مما تعرف العراق .. ومصر  وحدها هي أم الدنيا ونحن أبناؤها!

عندما زرت مدينتي البصرة لأصور فيلمي "المغني" لم أعد أعرفها .. فأنا أعرف بصرة أخرى قرأتها في التاريخ وأعرف بصرة أخرى عرفتها في طفولتي وصباي .. ثم هجرتها، وحين عدت إليها لم أتعرف عليها فهي المسافة بين الحلم والواقع وهي المسافة بين شط العرب ونهر الراين وهي المسافة بين الصبر والتفاؤل .. كنت أمشي فيها وأخاف أن أمشي فيها، وأنا الشجاع الذي واجه العسف وإحتقر كتبة البيعات وأخص منهم بالأكثر "كتبة الثقافة" الذين كتبوا الديباجة السابقة ويكتبون اليوم الديباجة اللاحقة .. لا فرق .. كان عراقا في الحلم فحسب، وسنظل نحلم أنا وأنت ومحمد خضير وكل من عرفتهم عن قرب وكل من تعرفهم أو لم تعرفهم أو تعرفت عليهم عن قرب، عسى أن نرى عراقا وبصرة ومصرا في الحلم والمنامات. أحييك سعد القرش وأسألك أن تجيبني بصدق .. كم يبعد العراق وكم تبعد البصرة، وقد نورتها بعد أن أطفئت فيها الأضواء منذ أن قرأ فيها رشدي العامل قصيدته "عيناك ما للهوى يعبث فيها ما له حدُ .. أغام فيها حلم عابر أم فر من أهدابها وعدُ .. والدمعة الحيرى بأجفانها تكاد تسترخي فترتدُ"

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي