رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 21 حزيران( يونيو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1986

في رثاء زمن "أنيس"

محمد الكاظم

توفي قبل أيام الفنان والأكاديمي د. عبد المطلب السنيد الذي قام بتمثيل عدد من الأدوار الدرامية ومنها دور هلال الدوسري في مسلسل الدواسر، ودور شكيب في مسلسل فتاة في العشرين وغيرها، كتبت عن وفاة السنيد معرباً عن اعتقادي بأن أهم ما قدمه السنيد هو تمثيله لشخصية "أنيس" الدمية الشهيرة في مسلسل افتح يا سمسم.

قال لي أكثر من صديق انه بكى، او شعر بالحزن على الاقل، بعد ان قرأ ما كتبته عن وفاة السنيد، رغم انهم لا يعرفونه شخصياً. انا أيضا كنت اشعر بالحزن لدرجة انني نشرت صورة أنيس وعليها شريط اسود، وربما كانت هذه الصورة هي ما اثارت حزن أصدقائي. هل شعر هؤلاء بالحزن على وفاة أنيس مثلا؟

انتبهت الى ان مسلسل افتح يا سمسم أنتج في 1978 ما يعني ان عمر شخصية أنيس أصبح 40 سنة. اما اصدقاء أنيس فتجاوزت اعمارهم الخمسين او يكادون.

لقد كبر الأولاد يا أنيس وصاروا كهولا وشابوا قبل الأوان، وهربت اعمارهم من بين ايديهم مثل رمل يفر من بين الأصابع، دون جدوى. ودونما طعم. إفتتح مديرو مدارسهم يومهم الدراسي بطلقات بندقية الكلاشنكوف في طابور الصباح لتقضي على المزاج اللازم لفهم درس الرياضيات، ثم تحركت أمامهم سيارات الكراون التي تحمل الجنائز الملفوفة بالأعلام وهم بعد لم يعرفوا كيف تتحرك كتلة الوبر التي اسمها نعمان، ثم شاكستهم قذائف 106 ملم، وهم لم يعرفوا بعد أكثر من مشاكسات انيس لبدر، وعرفوا جغرافيا الجبهات وهم لم يعرفوا غير جغرافيا شارع عشرين. وضاعت اسرار عشقهم الأول بين سر الليل الأول وسر الليل الثاني. وداهمتهم الحروب في الوقت الذي كانوا فيه يخشون الذهاب الى الحمام ليلاً خوف ان تداهمهم وحوش الوبر والصوف والورق التي يرونها على شاشة التلفزيون.

 ثم جاع أولئك الأولاد سنين طويلة تناولوا فيها الشعير، وحلموا بأن يشاركوا "كعكي" بهجته بصحن المعجنات الطازجة. وأصبح دكان العم عبد الله لا يبيع الكعك بل يوزع عدس الحصة التموينية المدعوم بقرار أممي، وتحول واحدهم من مواطن الى مجرد ضفدع غير كامل يعيش في مستنقع للموت المجاني. ثم رأى الأولاد طائرات الـ F16" " وهي تنوح في سمائهم بدل البالونات وطائرات الورق الملونة. بعد صبر طويل اشبه بالموت ذهب الوحش الذي كان يخيف أطفال شارع عشرين وشيوخه. ذلك الوحش الذي كان يأكل الكعك والكتب والأولاد والنفط، ففرحنا وصرنا ننشد " لللا لا للالا لا.. افتح يا سمسم ابوابك نحن......" وكلنا أمل بأن نحظى بالمزيد من الكعك والخبز والحرية، لكن شارعنا لم يعد كما كان فقد تسلل اليه جنود المارينز ، وجنود الخلافة ووحوش سوداء تذبح وتقتل وتفجر وتأكل اكباد البشر واثداء الصبايا، ثم تغلغل فيه اللصوص الذين سرقوا الكحل من العين. وسرقوا دكان الحي وتركوا مرضى المستشفى على الرصيف، ونتفوا ريش أي ملسون يحاول ان يقول "آخ يا بويه". فضاع حلم الأولاد الملسونين الذين بدت عليهم علامات الكهولة، فقد تكرشوا وكبرت صلعاتهم وإحدودبت ظهورهم وسقطت اسنانهم، وصار نشاطهم الرئيس يتخلص في مراجعة الأطباء والتذمر وانتظار آخر الشهر. اصدقاء أنيس فقدوا الذاكرة، فهم يغنون لمظفر النواب " عمر وإتعده التلاثين.. لا يفلان" بأسى وشعور بضياع الفرص، وتناسوا ان أعمارهم تجاوزت الخمسين ولا زالوا يشعرون بتلك الطفولة التي سرقت من بين أيديهم نابضة مثل دمعة. وحارة مثل اطلاقة ترقد في الحنجرة. وكئيبة مثل دمية قطنية ترتدي الخاكي. لهذا يشعر الأولاد الذين شاخوا قبل الأوان بالحزن لوفاة أنيس.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي