رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

العراق ومهمة الرجوع إلى النفس

ميثم الجنابي 

إن احدى الحقائق الفكرية الكبرى، وإحدى البديهيات السياسية الكبرى تقوم في الإقرار، بان الرجوع إلى النفس هو مفتاح الحلول الواقعية وأسلوب النجاح الفعلي لحل الإشكاليات التي يواجهها المرء والجماعة والمجتمع والدولة.

وتاريخ العراق الحديث ومآسيه العديدة، وانغلاق تطوره فيما مضى والعقود الأخيرة منه بشكل خاص تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر سقوطه وانهياره.

فالحالة الواقعية للعراق الحالي تشير إلى انه يتعثر ويتمايل في خطاه وحركته ورؤيته. بحيث اصبح اقرب ما يكون إلى تجمعات وتراكمات متنافرة من حيث المصدر والأسلوب والغاية. الأمر الذي يشير إلى فقدانه لفكرة المرجعيات الكبرى، أي المرجعيات الجامعة التي تجعل من اختلافاته مصدرا للقوة والبحث، وليس للتخريب والانحطاط كما هو حاصل الآن.

أن فقدان المرجعيات الكبرى، او ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية بالنسبة للقوى السياسية والنخب والمجتمع والدولة، عادة ما يؤدي إلى قلب حقائق الأشياء ومسار وجودها الطبيعي أيضا. بحيث تتحول حتى الأسماء إلى مضاداتها، مثل أن تتحول قائمة "العراقية" إلى كيان وأسلوب وغاية مناقضة لمرجعية العراق والهوية العراقية والدولة العراقية. بحيث يجري الاستعاضة عنه بالقوى الخارجية وتحويلها إلى "كعبة" الاستلهام "السياسي" في تحديد الموقف من الدولة الناشئة والمتراكمة في مجرى مخاض صعب ويتسم بقدر هائل من التعقيد والدرامية. الأمر الذي يشير إلى فقدان بوصلة الفكرة العامة المتعلقة بالوطن والدولة، مع ما يترتب عليه من إخضاع كل شيء لمصالح ضيقة وأنانية هي بحد ذاتها نموذج للخروج على النفس. ومن ثم تحتوي في أعماقها على ما أدت إليه "سياسة" الدكتاتورية الصدامية في جل العراق فريسة التدخل الخارجي والحصار والتدمير والانحطاط والاحتلال الأخير.

بعبارة أخرى، أن تجربة العراق المريرة والمساوية التي أدت إلى الاحتلال تبرهن على أن الخروج على ما فيه هو سر خرابه المادي والمعنوي. وبالتالي، فان البديل الواقعي والضروري الوحيد هنا هو المشروع المستقبلي الذي يؤسس لكيفية رجوع العراق إلى نفسه. وهو مشروع يستحيل بلوغ أهدافه دون إعادة بناء هويته الذاتية الاجتماعية والوطنية والقومية.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق دليلا على خروج نظامه السياسي ونخبته "القائدة" آنذاك والمتمثلة في التوتاليتارية والراديكالية على مرجعية العراق الكبرى الوطنية والاجتماعية والقومية وفكرة الدولة. مما يشير بدور إلى أن الاحتلال الأمريكي له قد كشف أيضا عن طبيعة الخل البنيوي للقوى السياسية جميعا. وإذا كان التاريخ لا يعرف قانونا صارما، فانه يبرهن مع ذلك بصورة دائمة على أن الخروج على الحكمة السياسية يؤدي بالضرورة إلى الجحيم. وليس هناك من جحيم بالمعنى التاريخي والسياسي والأخلاقي أقسى من جحيم الانحطاط والتفكك الوطني مع ما يترتب عليه من حتمية ظهور مختلف أشكال الصراع والحروب غير العقلانية.

إن تجربة العراق المعاصرة تكشف وتبرهن بقدر واحد على هذه الحقائق. وبالتالي، فان البديل العقلاني العراقي الممكن يصبح مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق حالما يجعل من هذه الحقائق بديهيات سياسية عملية لكي يتكامل الجميع بمعايير الرؤية الوطنية وتحقيق مصالحهم من خلال مصالح العراق العامة. 

إن مشكلة العراق الجوهرية ليست في كيفية خروج قوات الاحتلال (التي يدعو البعض لإرجاعها إليه تحت شعار "عدم اكتمال الديمقراطية" و"الخوف من الدكتاتورية" وما شابه ذلك من أغطية تعكس أولا وقبل كل شيء عمى العقل والقلب والضمير)، بل في كيفية رجوعه إلى نفسه. ولا ينبغي لهذا الرجوع أن يشبه في شيء رجوع "قوى الخارج" الأولى التي تعيش وتعتاش بقدر واحد على سرقة الحاضر والمستقبل باسم الشراكة السياسية والعمل بمقاييس المعارضة الخنيثة الخبيثة!

إن المهمة الكبرى القائمة أمام العراق ونخبه السياسية المحكومة والمهمومة بفكرة المرجعيات الكبرى للدولة والأمة تقوم في رجوعها المحكوم بفكرة الوطنية العراقية والمصالح العليا، أي بفكرة مركزية الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. حينذاك فقط يمكن رمي كل مشاريع قوى الاحتلال والرجعيات العربية (السعودية بشكل خاص) في مزبلة الزمن السياسي. أما تأسيس هذا الرجوع إلى النفس، فانه يفترض ربط فكرة الوطنية العراقية والرؤية الواقعية العقلانية وفكرة الدنيوية (العلمانية) في كل واحد، ووضعها في أساس مشروع البديل الوطني الاجتماعي العراقي. فهو المشروع القادر على تذليل مصادر الخراب الكامنة والفاعلة في مثلث الاحتلال والطائفية السياسية وعرقية الأقليات القومية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي