رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 12 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2001

محاولات لم تكتمل: مشروع سعد محمد رحيم

صالح الرزوق

 

يدخل مشروع سعد محمد رحيم في عداد المشاريع الناقصة، ليس بمعنى أنها تعاني من فراغات في الرؤية وعجز في التعبير، ولكن أقصد عدم استكمال دورة حياتها. وهنالك عدة محاولات في أرشيف الحداثة ولم تجد لنفسها الظروف المناسبة للنمو والاستمرار. ومنها تجربة صدقي اسماعيل مؤلف (العرب وتجربة المأساة) و(الله والفقر)، وقبل ذلك (العصاة). ولكن لا يسعني مقارنتها مع سعد لعدة أسباب.

فقد بدأ صدقي بالفكرة الليبرالية لمعنى الذات، ثم تحول إلى نوع من التأقلم مع الظرف السياسي، واضطر لتقديم تنازلات فرضها مفهومه لحركة التحرر العربية، أو ارتباط الحرية بمطلق المعنى مع الالتزام والمسؤولية. لقد دخل صدقي اسماعيل من باب التنوير ليعبّر عن مفهومه لجوهر الالتزام، وقاده ذلك فيما قاده لتحديد العلاقة بين جملة من المفهومات الجديدة، منها الشك والإيمان.

وقد بلور هذا المفهوم في قصص مجموعته اليتيمة (الله والفقر)، وجعل التلازم بين الثورة والتمرد ضرورة أخلاقية، لأن تحويل الواقع الراكد والمتخلف يفترض تبني مبدأ الثورة المستمرة، وهو مبدأ وضع بذوره تروتسكي، وطوره رواد الفكر القومي المستنير، ابتداء من المفكر مطاع صفدي وانتهاء بالمرحوم جورج طرابيشي.

والتعديلات التي نادى بها صدقي اسماعيل لا تختلف بشيء عن الدورة الفنية لفكرة الواقع كما صورها لنا عبد الرحمن منيف. ولكن إذا دعا اسماعيل للتعرف على الله من خلال الإرادة الفردية للإنسان الحر، فإن منيف دعا إلى التماهي بين الواقع والألوهية، فالطبيعة عنده هي مصدر السلطات والإنسان جزء منها. والاعتداء على الإنسان يتضمن بالضرورة انتهاكا لحقوق الإله في العقاب، وهكذا ساوى منيف بين المحاسبة والذات، واعتبر الإخلال بهذا المبدأ نوعا من الجور السياسي، ونظر إليه كمصدر من مصادر الطغيان.

ويأتي كتابه (النهايات) ليؤكد ويثبت ما فعله في (شرق المتوسط) و(قصة حب مجوسية). فهو ينظر للقفر على أنه نهاية منطقية لمعنى الإنسان الحر، مع أن الصحراء تعود بنا لبدايات الخليقة، وليس إلى نهاياتها، من خلال واقع اقتصاد الندرة والخوف من مفاجآت الطبيعة (وهذا أيضا مبدأ وجودي بنى عليه كيركيغور كل فلسفته).  فالخوف من العدم هو محور حياة كل إنسان. أو بتعبير أوضح إن الرهبة التي ترافق إحساسنا بالاقتراب من الموت هي التي تحثنا على التفكير والقلق والتوجس، ثم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتأجيل هذا المصير. وقد برع منيف في تصوير هذه المخاوف على مستوى الصراعات بين الأنظمة وأساليب الحكم، وأطلق عليها اسم (سباق المسافات الطويلة). وخصص لها عملا بهذا العنوان تكلم فيه عن الحرب السياسية بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران في عهد بهلوي.

لا يمكن أن تضع مشروع سعد رحيم في هذا الإطار، ففكرته عن التنوير ذات أصول فنية. وبرأيي لم يكن بعيدا عن الليبرالية المفتوحة والتي نسميها حداثة، فهو لم يلتزم بقضايا الحدود (العروبة والطريق العربي للاشتراكية)، وكانت مصادر التنوير عنده ضاغطة. وبمزيد من التوضيح رموز التنوير كلها كانت برأيه ذات سلطة كنائية، إنها مجاز لواقع إنساني. وحتى لا نبتعد عن موضوعنا كانت مصادره واضحة في جميع أعماله الإبداعية.

وبلغة الدكتور حمزة عليوي كان سعد رحيم مكشوفا للقراء.

ولو قّلبت في صفحات روايته المشهورة (مقتل بائع الكتب) لن يفوتك أسماء الأعلام الذين شغف بهم، من موراكامي وحتى كونديرا، ومن ماركيز إلى إيزابيل ألليندي. ومثل هذه المحطات أو الإشارات تدل على الجيوب الفنية التي تتفاعل داخل عالمه الذهني. فهو في كتاباته يتعايش مع واقع بديل أو ذهن حاضن، ويمكنك بسهولة أن تقول إن سعد رحيم حامل لمحمول.

وهنا يطيب لي التذكير بمشروع آخر لم تكتمل دورته، وهو مشروع الكاتب السوري جورج سالم. فقد اختطفه الموت في العقد الرابع من العمر، وهو يعكف على روايته الثانية التي اختار لها عنوان (سفر التصدعات). وكان قد مهد لها في وقت مبكر من الستينات بعملين هما مدخل هام إلى الذات الإبداعية:

الأول روايته (في المنفى)، وفيها كل بصمات كافكا، ابتداء من اختزال اسم البطل بحرف، وانتهاء بدور الميتافيزيقا والصدفة في إلقاء الإنسان في بئر أسود من التناقضات والحيف والمظالم. وبطل جورج سالم كان مدانا بجريمة لم يرتكبها، واضطر في الخاتمة للاستسلام لمصيره. فقد كان أضعف من قدره المحتوم.

عمله الثاني هو (فقراء الناس)، وقدم فيه صورة عن سقوط الأفراد في حياة لا تفسير لها، وفي ظروف غير محددة ويصعب تعريفها. وهذه هي الحكمة المرجوة من شخصيات وأبطال آخر كتاب للراحل سعد رحيم وهو (كونكان) الصادر عن نينوى في دمشق في بواكير 2018. وإلقاء نظرة على عناوين المجموعة يوفر لك فكرة عن مضمونها: كونكان، صورة رجل، أولاد المدينة، الهرب من السراديب القديمة.

إنها عناوين تبرز القحط والجفاف النفسي، وتعبّر أفضل تعبير عن سقوط الطبيعة العذراء في براثن مجتمع وحضارة المدينة. وفي قصص هذا الكتاب اقترب سعد من نفسه، وبدأ ينفصل عن مصادره، لقد كان أوضح في فهمه لهزيمة الإنسان باعتبار أنه ضحية لرغبات تنبع من الداخل وتفرضها سلطة خارجية هي سلطة الخطاب بلغة فوكو. أو سلطة الآخر حين يندمج بالوعي والعصاب الجماعي بلغة لاكان. ويمكن أن أجد أن قصص (كونكان) هي لمحات وشذرات من روايته السابقة (ظلال جسد) التي حازت كتارا عام 2016. فهي أيضا وصف مفصل ومتألق للخراب الذي فرضه علينا مفهومنا لمعنى المقاومة، فمقاومتنا نوع من أنواع الجمود الإيديولوجي، وهي تعبير متخلف عن الإقرار بالأمر الواقع بما فيه من قيود وتخلف واستسلام لسلفية الدولة.

ولذلك لم يكن هناك بد من التواطؤ، وأرى أن سعد رحيم كان متواطئا على نفسه كي يحررها من القيود. وليسمح لها بالتحول من طور تاريخي لما بعده. لقد وجد في الحداثة المستمرة أسلوبا فنيا قرّبه من حقائق واقعه، وربما لهذا السبب أبدى إعجابه في عدة مناسبات بأعمال إلياس خوري، فقد سبقه لتعريب الحداثة، أو لأنسنتها وتحريرها من الفهم الميكانيكي والروتيني لبناء الذات وربطها بالموضوع.

ولكن لم يمهل الموت سعد رحيم، وحمله على أجنحته المخملية في مدينة السليمانية في كردستان صبيحة يوم 9 نيسان من عام 2018. وكان في ذروة مجده الأدبي، ويحتفل بصدور ثلاث مؤلفات جديدة دفعة واحدة. وهي روايته المتميزة (فسحة للجنون)، ومجموعته المدهشة (كونكان)، وكتابه الرقيق والشفاف (السرد ينكل بالتاريخ).

وأغتنم هذه الفرصة لدعوة المهتمين بالأدب والثقافة لإنصاف سعد رحيم بموته كما أنصفوه في حياته، فقد كان محط الإعجاب والتقدير منذ بداياته وحتى لحظة غيابه المأساوي والمفجع.

نيسان 2018

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي