رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2062

في التوافق قبل تصديق النتائج

عبدالعظيم البدران

باتت كثرة التوافقات والتكتلات اكثر ما يسمع في الاونة الاخيرة، ولولا ما يتم تصديقه من قبل الكيانات السياسية ذاتها، لبات الحديث عن تلك التوافقات لا يعدو كونه طرفة او ضربا من الخيال، فهي تجمع الخصوم حد التقاطع وتفرق فيما بين المتوافقين حد الانسجام وتعيد تشكيل الخريطة في كل صباح بشكل جديد يكاد يبعث على الذهول والصداع.

لكن المهم في هذا السباق المحموم انه يجري في اطار خارج حدود المعقول السياسي، او انه ربما يوحي بما هو قادم اكثر مما يفعله الان! فالنتائج الانتخابية لم تحسم بعد ولم يصار الى قطعية صعود الاعداد التي اعلنت عنها مفوضية الانتخابات التي يشكك الجميع بمصداقية قولها وافعالها. ومما يعكر المشهد اضافة لذلك، هو طبيعة الاعمال وحجم الاتهامات، فما ان احترقت الصناديق حتى بات الحكم على تزوير الانتخابات اشبه بالقطعي في ذهن الجمهور. وما ان ظهرت بعض مقاطع الفيديو وهي تشير الى وجود تلاعب وتزوير حتى حكم بالبطلان على جميع اصوات الجماهير التي تجشمت عناء المسافات البعيدة في انتخابات الخارج ووقفت طوابير طويلة لتشعر في لحظة بالانتماء الى هذه الجغرافيا المعقدة. فمن اين جاءت قطعية الاحكام تلك؟ وكيف وعلى ماذا استندت لتأخذ صفة العموم وتهزئ بكرامة المواطن على حساب اخر مارس فعل شائن بالتزوير!

الثقافة السياسية في ما بعد 2003 لا تتقن سوى الحكم القطعي، وكانها ترجع الى اصل فقهي يقول باستصحاب اصل البراءة كما يعبر عنه اهل الفقه، فما ان يشك في جزء بسيط ضمن مورد معين حتى يحكم على بطلان الجمع بجريرة الجزء، وهي ثقافة عدم القدرة على تحمل المسؤولية في تشخيص المفارقة وبيان المورد المعني، ومع الحكومة يبدو الامر واضحا في التنصل عن اعمال دورها بمعالجة ومتابعة الخروقات ومحاسبة القائمين عليها، فهي اشبه بتلك اللجان التي قيدت ضد مجهولين!!

لكن السؤال الاكثر اثارة هنا، اذا كان المشهد يحتمل تلك القطعية بحكم ما توفرت عليه الادلة بالتزوير والخروقات القانونية الباعثة على تغيير شكل المؤسسة الشرعية الوحيدة القائمة على العملية الانتخابية وانتداب قضاة بدلا عن كوادرها في اجراء احترازي اثار في ذهن العموم يقينا قطعيا بوجود شكل من التلاعب. اذا كان هناك حكما قطعيا بذلك، فعلى ماذا تطمئن الكيانات السياسية الى ارقامها المعلنة لتقوم بعملية التوافقات؟

الم يكن ذلك مبكرا بعض الشيء حتى تنتهي اللجنة الجديدة المكلفة باداء اعمالها وحصول النتائج على قطعية الاحكام، ومن ثم التفاوض على أحجامها الحقيقية؟ ومن اين جاءت الكيانات بحجم الثقة هذه وكيف؟

دون شك، ان الخشية من وراء دخول البلاد الى تيه الفراغ الدستوري ورغبة البعض الخاسر في تعكير مشهد الانتقال السلمي الى تشكيل المشهد السياسي الجديد، وارادة القوى الخارجية في تشكيل ما يعني مصلحتها الذاتية وغير ذلك من الاسباب الكثير، يدفع الكثير من القوى الفائزة الى ايجاد مشتركات اولية فيما بينها لتجاوز حجم المحنة المقبلة..

اكثر من ذلك، فان لغة المصالح فيما بين المنتصرين تتيح خيارات للعمل السياسي وتفتح افاق جديدة لا يمكن ان تتصورها عقولنا المحشوة بثقافة التقاطع التي تبثها وسائل التواصل وقنوات التلفزة وكأن الكتل السياسية تقف على طرفي نقيض لا يجتمع ولا يرتفع كما يقول اهل المنطق. وقد أنسى ذلك الكثيرين بأن خلافات الساسة في البرلمان السابق على شاشات الفضائيات وامام عدسة الكاميرات كانت مسبوقة او ملحوقة بفنجان قهوة مشترك بين المتخاصمين في كافيتريا البرلمان!!

ذلك كله بالتأكيد لا يعفي التساؤل عن حجم الايمان المطلق الذي يتحرك فيه الفائزون، سوى الاعتقاد بان التحالفات انما تسير في مستواها الاول القائم على التوافق على الكليات وترك التفاصيل الى ما بعد التصديق وبيان الاحجام الحقيقية للكتل، عندئذ فان ما ستصل اليه اللجان المنتدبة لن يغير من شكل التوافقات. وهو ما يعني فيما يعنيه انه وحتى ظهور النتائج الاخيرة سوف نصحو على اخبار توافقات جديدة وسنسمع عن كتل ومجموعات وائتلافات الى ما شاء الله. لكن الاهم في ذلك، ان تلك الكتل المفترضة والمنظورة لن تعدو الارقام الموجودة حاليا مع زيادة او نقصان في حجومها؟!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي