رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2004

قراءة فـي كتاب "النساء فـي الفكر السياسي الغربي"

منال حميد
اذا كنت قارئا مبتدئا، أو قارئا يروم الإلمام بمجال معين، لم يسبق ان قرئ فيه سابقا، او قارئا من درجة متقدمة، لكنه يهتم بقراءة الأفضل، ليحصل على المعرفة من ابوابها، فيفضل أن تطلع على سيرة مؤلف الكتاب وتوجهاته والاعمال التي سبق ان كتبها او ألفها.
(النساء في الفكر السياسي الغربي)
مؤلفة هذا الكتاب هي سوزان موللر اوكين وهي فيلسوفة وناشطة نسوية نيوزلندية، عاشت 57 عاما وتوفيت، لكنها تركت آثارا يعتمد عليها في مجال الحراك النسوي؛ اهمها هو هذا الكتاب، الذي بحثت فيه مكانة المرأة عند اشهر المفكرين الذين يعتبرون ايقونات الفلسفة في العالم، وهم افلاطون وارسطو وجان جاك روسو وجون ستيوارت ميل. ترجم هذا الكتاب امام عبد الفتاح امام، الملقب بإمام النسوية، لأنه كتب وترجم الكثير من الكتب المهمة والخاصة بالحركة النسوية.
هذا الكتاب برأيي من الكتب المهمة التي يفترض بأي مهتم بمجال النسوية، أن يقرأها، فهو يوضح مكانة المرأة في انواع مختلفة من الفلسفات الكلاسيكية وهي المثالية والليبرالية من خلال رواد ومؤسسي تلك الفلسفات.
ركزت الكاتبة في مشروعها هذا على ابراز مكانة النساء في الفلسفة، تحديدا، حيث بحثت مكانتها ودورها في مجالات اخرى كالأدب والاجتماع والتاريخ والانثروبولوجيا. وكان ذلك زاخرا لدرجة مبالغ فيها في بعض الاحيان.
اما سبب ترجمة الكتاب ضمن المشروع القومي للترجمة، ومن اصدارات دار التنوير المعنية بنشر الكتب الفلسفية بالدرجة الاولى، فهي الردة التي تعانيها النساء. هذه الردة التي اصبحت لها زعامات ورائدات، ينظمن انفسهن ضمن النسويات. والردة هذه هي رغبة المرأة في الانزواء والبقاء خلف الجدران بإرادتها واختيارها وتحت ظل مبررات عديدة من ضمنها الفهم المغلوط للدين.
يتألف الكتاب من 401 صفحة؛ ثلاثون ورقة منه، خاصة بالمراجع والمصادر فقط. وهذا برأيي هو من الامور المهمة والمطمئنة لأي قارئ، لان الكاتبة هنا، مثلا، كانت تسير على منهج البحث العلمي الصحيح، كونها استاذة جامعية، وليست ناشطة نسوية فحسب، فكانت تعزز كل آرائها وانتقاداتها بمراجع ومصادر مختلفة. وهذا الامر لم ألاحظه كثيرا في الكتب والمؤلفات النسوية العربية، عدا فاطمة المرنيسي، وربما عملها كأستاذة جامعية كان له دور في ذلك.
ينقسم الكتاب الى خمسة اجزاء: الجزء الأول، يتكلم عن مكانة المرأة في عهد ما قبل افلاطون عبر التعرض الى الاساطير والملاحم المتجسدة في الالياذة والأوديسة وغيرها. استعرضت الكاتبة من خلالها دنو مكانة المرأة في ذلك الحين، ثم تبدأ ببحث مكانتها  لدى افلاطون، من خلال المرور عبر كتبه المختلفة، واهمها الجمهورية والمأدبة والمحاورات، لتصل الى نتيجة ان كل تلك القيم التي سطرها افلاطون وقرر ان تكون في جمهوريته، لا تنطبق على النساء. وحتى بين النساء أنفسهن جعل هناك منازل مختلفة بين المرأة المتزوجة والمرأة الحرة والمرأة العبدة، وجعل وظيفتها الاساسية في الجمهورية ليس التربية، لأنه قد حل الاسرة في كتاب الجمهورية، وظل حائرا بخصوص ماذا تفعل بالنساء؛ فصيرهن حارسات للمدينة، مسترجلات، وأن يكن قادرات على المشي، عاريات كما الرجال في شوارع المدينة دون خجل، ثم رجع في كتابه (محاورة القوانين) واعطى منزلة دونية للنساء في المجتمع الاثني، وعاملها كما العبيد والاطفال والمخبولين، فهو يعتقد ان النساء ولدن من نوع الرجال الاشرار. نستطيع ان نفهم كل نظرته لها من محاوراته مع حراس المدينة، عندما طلب منهم عدم مخالطة النساء ولأي سبب كان، لننظر الى هذا الاقتباس من كتابه المحاورات:
"الطبيعة البشرية نوعان: الجنس الأعلى وسوف يسمى من الان فصاعدا باسم (الرجل) فلم يكن الخلق الأصلي يتألف الا من رجال، اولئك الذين استطاعوا قهر شهواتهم، اصبحوا فضلاء على الأرض، وسوف يسمح لهم بالعودة الى سعادة النجوم التي اتوا منها. اما بالنسبة لأولئك الذين فشلوا على الارض والجبناء الاشرار فسوف يعاقبون بأن يولدوا من جديد كـ(نساء)". 
أما الجزء الثاني، فتتكلم فيه عن مكانة المرأة في فلسفة ارسطو، والذي يختلف عن افلاطون بأنه يحلل مختلف الظواهر ويستنتج من وجهة نظر بايولوجية وليست اخلاقية فحسب، وذلك عبر المرور على اهم كتبه وهي القوانين والسياسة. ارسطو يرى بأن كل الكائنات البشرية لها وظيفة. ووظيفة المرأة هي الحمل والانجاب، ولذلك هو ميز بين المعايير الاخلاقية للرجال والمعايير الاخلاقية للنساء؛ فمثلا هذا الاقتباس "الصمت هو زينة المرأة وتاجها وهي حقيقة عامة لكنها حقيقة لا تنطبق على الرجال", دونية المرأة عند ارسطو متأتية من فهم بدائي وخاطئ للبايلوجيا  وهي ان المرأة مسؤولة عن صناعة الجسد عند الأنجاب، والرجل مسؤول عن صناعة الروح ولذلك هو يحتل المرتبة الاسمى.
وبالنسبة للجزء الثالث، تتكلم فيه اوكين عن مكانة المرأة لدى روسو، عبر اهم كتبه والذي يعكس فلسفته كلها وهو (اميل) وحواراته مع صوفي، وهذا من اهم الاقتباسات:
"روسو يعلن ان اللامساواة بين الجنسين التي انعكست في القانون، والعرف ليست من صنع الانسان، او انها على اية حال ليست نتيجة حكم مبتسر، بل هي حكم العقل"، وهنا تبين لنا الكاتبة وبالمصادر المختلفة، ان نظرة روسو للنساء كانت هي نظرة التراث الغربي لها، من حيث الدونية. وهذا قد يبدو لوهلة انه مخالف لمبادئه ونظريته الاجتماعية، لكن في الحقيقة هو امر طبيعي وليس تناقضا بالنسبة له، لان المرأة تهتم بالأمور الثانوية وتغلب عليها العاطفة بعكس الرجل الذي يهتم بالأمور الرئيسية المهمة، ويسيطر عليه الجانب العقلاني. طبعا كلامه هذا بدون اي دليل علمي مقنع، وافتتاحية كتابه (العقد الاجتماعي) بان الناس يولدون احرارا، ولاحقا يكبلون بالأغلال ...الخ. هذا الأمر على ما يبدو ينطبق على الرجال وليس النساء، التي يجب ان تكبل بقيود الرجال، ليجعل منها المحتشمة العارية والعفيفة العاهرة في آن واحد لزوجها، فدورها لا يخرج عن ان يكون مجرد اداة لإثارة الرغبة الجنسية للرجل.
أما الجزء الرابع، فهو الجزء الأكثر اهمية، لأنه يتكلم عن فيلسوف الليبرالية جون ستيوارت ميل، والذي يعتبر فيلسوفا نسويا ومؤلف كتاب (استعباد النساء) الذي يعتبر مرجعا مهما من المراجع النسوية المهمة، الذي دافع عن حقوق النساء السياسية، واهمها حق الاقتراع في ذلك الحين، وحقها في العمل. واعتبر ان المطالبة بحقوقها ليس امرا يفرضه المنطق والعقل، وهو حق طبيعي، وانما هو ضرورة لتقدم المجتمع ككل، لان مجرد دخول النساء للعمل يعني وجود منافسين انداد للرجال، وهذه المنافسة هي قادرة على دفع المجتمع للأمام، وهذا صلب مذهب النفعية، والذي الّف عنه كتابا في ما بعد، باسم (مذهب النفعية العامة). ان مذهب النفعية هذا كان يعتنقه ويعيشه ضمن دائرة من النخب الثقافية حينها، اهمها بتنام، وتأثر بشكل كبير بدعاة الاشتراكية وكتابات سان سايمون وتلامذة روبرت اوين.
والجزء الخامس، والاخير، يتكلم عن المذهب الوظيفي، وقضية المرأة والاسرة؛ فتتكلم فيه عن تداعيات تلك الفلسفات على تفكير الرجال والنساء انفسهن، والذي يتمحور بأن للمرأة وظيفة داخل اسرة نووية، يرأسها الاب ووظيفتها هي الانجاب وتعود الكاتبة لتبحث دور المرأة ومكانتها داخل المجتمع الامريكي، وكيف ان تلك الكتابات على اختلافها استطاعت ان تحرك روح الثورة لدى النساء، لتغيير واقعهن، وبالفعل تمكن من تغييره، وحصلن على الكثير من الحقوق التي طالبن ويطالبن بها.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي