رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2004

المواطن المعترض في قاموس الحكومة

عبد العظيم البدران

يتداول البعض في مواقع التواصل الاجتماعي ما مفاده ان عدم امكانية فرض الدولة لسلطتها ازاء المتظاهرين وترك حرية قطع الطرق او ما قد يحث من تعرض مفترض لممتلكات الدولة، انما هو اساءة للدولة يتوجب الوقوف عنده والتصدي له بكل ما اوتيت الدولة من قوة! 
لا شك ان منطق الاعتداء مرفوض كيفما كانت اشكاله، لكن الاهم ماذا يمكن للمواطن ان يسلك من عمل حتى يصل صوته الى السيد المسؤول فيسمع قوله ويرد جوابا! تاريخ الثورات يشير صراحة الى ان دواعي القيام بها جاء نتيجة تراكمات الاهمال والاستمرار بذات السياسات غير المجدية دون التحلي بشجاعة الاعلان عن ايقاف تلك السياسات او حتى تجربة تغييرها!
اکثر من ذلك، ان التجربة أثبتت ولا زالت، ان ازدواجية السياسات كانت معيار التعامل الذي انتهجته الحكومة والسلطات الامنية التابعة لها مع التظاهرات، فهي تتسامح وتعفو وتغفر كل ما من شأنه ان يعبر حتى حدود المناطق المحصنة، أو يعوق اداء الدولة او يستهدف رموزها، لكنها في المقابل لا تتردد في استهداف متظاهرين في اماكن اخرى بدعوى تعويق اداء الدولة واستهداف قطاعاتها الحيوية.. وما يبدو خلاصة ذلك ان القدرة على اثارة الشغب الحقيقي والمساس بجوهر الموارد الرئيسية هي سر التجاوب العالي وهي التي تقف وراء سياسة التسامح او الشدة! وإلا، فلماذا يصوب الرصاص باتجاه التظاهرات في المدن التي تطمأن الدولة وتعرف جيدا انها لا تتقن فنون العنف ولا تعرف لها سبيلا او تلك التي تكون على مقربة من ابار وحقول النفط مع ان اهدافها لا تعدو الماء الصالح للشرب وابسط الخدمات؟
يقول احد استاتذتنا وهو استاذ الاقتصاد السياسي والسياسات الاقتصادية العامة، انه وحين كان مستشارا  اقتصاديا لرئيس احدى دول الاتحاد السوفيتي السابقة، قد حدث ان توجه الاهالي في موجة البرد القارصة الى قطع اشجار الغابات المعمرة والتجاوز على قانون الدولة الذي ترافقه عقوبات كبيرة، وقد الحق ذلك من الضرر ما دعا الحكومة الى الاستنفار، وحين سأل الرئيس عما يتوجب فعله ازاء "موجة الغوغاء" تلك، يقول الاستاذ اجبت في حينها دون تردد: حين تكون كرامة الانسان مهددة وامنه الحياتي مهدد لا يمكن ان نتحدث عن وجود قانون او مصلحة وطنية، علينا ان نوفر له حاجاته الاساسية ونحفظ كرامته ومن ثم نسأل عما يقوله القانون او لا يقوله، فالمواطن قيمة اعلى من القانون الذي جاء لكي ينظم حياته لما هو افضل!!
لا اقول كما يقول استاذنا ولا اطالب الساسة ان يحذوا حذوا الدول المتقدمة في ذلك، لكني اسأل عن جدوى الالتزام بين المواطن والدولة اذا كان احادي التعامل. فمن يا ترى لقن الساسة ان السياسة العامة تكون مقدمة لايجاد الدولة! وهل لنا ان نتحدث عن سياسات عامة دون وجود دولة؟ وهل للدولة ان تقوم دون ان تحفظ شكلها الاساسي القائم على وجود المواطن وتحقيق كرامته.
ان فضيلة ما حدث بعد 2003 هو امكانية ان يتمتع المواطن بحرية الرأي والقدرة على التعبير عن ذلك، لكن الاهم هو ان يقابل الاعتراضات المطروحة قدرة على حل الاشكاليات! فالدولة في ادنى اشكالها الاولية كانت دولة تقوم على حماية المواطن في مقابل ما تستوفي من ضرائب، والدولة هنا بعد قرون من تطور اشكال الدولة وصولا الى دولة الرفاهية لا تزال تستوفي الضرائب دون ان تقوم بدور الدولة البدائية في توفير الامن فضلا عن الامن الغذائي وكرامة المواطن!
ماذا تنتظر الدولة من المواطن حين يفقد القدرة على الاستمرار بالحياة مع قهر الظروف المناخية وانعدام الخدمات وتردي الاحوال المعيشية في وقت يقدم يوميا فلذات اكباده سبيلا لحفظ تراب الوطن وسلامة حدوده ويقدم فلذات اكباده نتيجة لسموم ما تتركه مخلفات استخراج البترول من اراضيه ثم لا يكافئ حتى بتوفير فرصة عمل!! كيف لهذا المواطن ان يوصل صوته وهو يلهج منذ 14 عاما وقبلها عقود من الظلم والحرمان والمطالب لا تعدو ماءا صالحا للشرب وكهرباء وفرصة عمل!! 
اليس ثمة من يخجل حين تتناقل وسائل الاعلام العالمية مطالب المتظاهرين وردات فعل الدولة في مقابل ذلك!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي