رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 13 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2097

نوبل للسلام.. وللخوف

لينا الموسوي

نادية مراد، العراقية ذات الـ٢٥ ربيعاً، نالت جائزة نوبل للسلام، مناصفة مع الطبيب الاكثر شهرة في افريقيا دنيس مكويغي. لم تكن هذه الجائزة، هي الاولى التي تحصدها هذه الازيدية البسيطة التي تنحدر من قرية "كوجو" التابعة لـ قضاء سنجار، منذ ان تقلدت منصب (حنجرة المُستغلات)، لتصرخ بذلك امام المجتمع الدولي: "لا للاستغلال الجنسي للنساء. لا لادخال المرأة كـ طرف في الحروب. ولا لـ الصمت الذي يرافق الضحايا اللائي تم الاعتداء عليهن". 
تقول الصحافية نفيسة كوهنافارد عن لقائها بنادية مراد، بعد يوم واحد من تحريرها، "التقيت بنادية بعد يوم واحد من هربها من الموصل، وأخبرتها أنه يمكننا أن نسجل معها دون ذكر اسمها، لكنها رفضت قائلة: (لا- رافضة عدم ذكر اسمها-، ولندع العالم يعرف ما يحدث لنا)". نادية مراد الشابة الصغيرة استغلت الظلم الذي تعرضت له، وأحالت فقدانها لعائلتها وقودا تجول فيه هذا العالم. حصدت نادية مراد جائزة "سخاروف" لحرية الفكر عام ٢٠١٥، ثم قلدت كـ سفيرة الامم المتحدة للنوايا الحسنة في ما يخص نشاطها ضد الجرائم المرتكبة بحق النساء والاطفال. بعد ذلك اصبحت نادية ذات التسلسل الـ رابع عشر من بين النساء (فراداً او جماعة) اللواتي حصدن نوبل للسلام.
ان حصول نادية على نوبل لا يمكن حصر فخره بالايزيدين فحسب، او العراق. هذه الجائزة التي يشترك معها فيها الطبيب الذي يحظى بـ حراسة "قوات حفظ السلام" حتى يتمكن من ممارس عمله الانساني، قد مثلت جميع النساء ممن تعرضن للظلم ويتم استغلال انوثتهن كـ جزء وطرف في الحيل السياسية والحربية. القضية التي جاءت بها مراد كونها ضحية ناجية من تنظيم داعش، اختلفت عن غالبية القضايا التي مُنحت فيها نوبل للسلام للنساء، باستثناء الباكستانية ملالا يوسفزي، لكونها هي الاخرى ضحية ناجية. ان معظم حاصدات نوبل قد نادين بـ أفكار اسست لـ سلام وقتي في ما بعد، منها جمعيات ونقابات وروايات تدين الاستغلال القسري للنساء. جميعهن قد وقفن وقفة حازمة في فترةٍ ما لـ نبذ الحروب بالأخص بعد الحربين الكونيتين.
نادية لم تؤسس سلاما وقتيا، بحجم نقلها معاناة ضحايا مكونها الى العالم اجمع بـ ان هذه الجرائم والانتهاكات ما زالت مستمرة، ولكونها الضحية الثانية التي تصبح صوتاً لمن يشاركونها المعاناة ذاتها. ان نادية مراد حصدت الجائزة بعد تعرضها للاستغلال الجنسي والنفسي من قبل تنظيم داعش؛ اذ لم تحتج في ما بعد لجهة تقوم بنقل معاناتها الى العالم، تبنت مراد قضيتها وراحت تجول المنظمات الدولية ناقلة مع حصل معها ومع مئات النساء بـصفتها شاهداً للعصر.
ان ظاهرة العنف الجنسي التي تطال النساء، وتكون في الغالب وعلى مر التأريخ، جزءاً من الصراعات الداخلية والخارجية بين الجماعات المسلحة، لم تكن قد حدثت وتحدث في بلادنا فحسب، إنما هي ظاهرة مستمرة وموجودة في معظم دول العالم، بالاخص النامية منها والتي تعاني من ازمات سياسية وامنية مزمنة.
لم ألتمس من نادية حين فوزها اي انذار يجعل من المجتمع الدولي مطمئنا للمستقبل، لكون القضية لم تنتهِ بعد، ولم توضع اية اجراءات حازمة بهذا الخصوص. الجائزة هذا العالم ليست تعبيرا عن السلام، بل عن الخوف أيضا، ومدى الوحشية والاستهتار الذي وصلت اليه بعض الجماعات الارهابية؛ اذ ومع تقدم البشر ذاتهم وبحثهم عن الحياة، داخل كوكب المريخ على سبيل المثال، وتزامناً مع الابحاث الحثيثة، التي تنذر بحذف الجينات الرديئة من البشريين، هناك جماعات ارهابية ما زالت تستخدم النساء والاطفال كـ ذخيرة حربية ضد عدوٍ مجهول.
انتصار نادية والدكتور مكويغي هو مسؤولية. إنها نجت، وبدأت حياة جديدة برفقة رجل مناسب، وحياة مهنية بين مجتمع يحترمها. بينما الطبيب الافريقي دنيس ما زال في المشفى خاصته، الذي اقيم لاجل علاج النساء اللائي تعرضن للاعتداءات ايضاً. يعمل ضمن اطار حماية مشددة. وما زال يستقبل المئات من الحالات كل عام، لكن ما تبقى هو الالاف من النساء حول العالم ما زلن رقيقا بين ايدي المافيات وتجار الحروب. وما زالت المرأة تُستخدم كـ اداة للحياة تارة، وللموت تارة اخرى.
نوبل هذا العام ليست للسلام، بل للخوف من القادم.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي