رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

مائة سنة على نهايتها: الحرب العالمية الأولى من خلال الرواية

حسونة المصباحي
في الحادي عشر من شهر نوفمبر-تشرين الثاني 2018، احتفل زعماء العالم بمرور مائة سنة على نهاية الحربي الكونية الأولى التي بحسب البعض من المؤرخين، البداية الحقيقية للقرن العشرين "قرن الكوارث والفظائعّ كما وصفه المؤرخ البريطاني ايريك .ج. هوبسبافن. وقد اقترنت تلك الحرب التي خلفت الملايين من الضحايا، بأحداث هامة منها انهيار امبراطوريتين عظيمتين، الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية، والإطاحة بالنظام القيصري في روسيا من قبل البلاشفة بزعامة لينين. وعلى المستوى الثقافي والفكري والفني،  شهدت البلدان الغربية، ظهور حركات وتيارات جديدة مثل التكعيبية في الفنون التشكيلية، والدادائية في مجال الكتابة الشعرية.  إلاّ أإن الرواية كانت من أفضل التعابير   الكتابية والفنية التي عكست فواجع تلك الحرب، ومآسيها، والخراب الذي طبعها من  بدايتها إلى نهايتها. ونحن  نعلم أن الحروب لا تكاد  تغيب عن أيّ أدب من آداب العالم منذ بداية التاريخ البشري. وقد وجدت الحروب التي مزّقت بلاد اليونان القديمة صدى لها في العديد من الأعمال الشعريّة والنثريّة. تشهد على ذلك رائعتا هوميروس "الأوديسه"، و"الإلياذة. وفي النشيد الثاني والعشرين من "الأوديسه"، يصف لنا هوميروس معركة طاحنة تنتهي بأرض ملطّخة بالدماء، وبرؤوس مقطوعة، وأجساد مشوّهة، وعيون مفقوءة. وهو يقارن الضحايا بالأبقار التي تلاحقها نعرة، وبعصافير هاربة من صقور لها مناقير معقوفة، وبأسماك تتخبّط في الدم. وفي "الالياذة"، هو يصف المحاربين ب"الضواري"، وب"الكواسر". وهم يتقاتلون بمختلف الأسلحة، وحتى بالأحجار والأرجل. وهذه الوحشية التي وسمت الحروب القديمة لم تكن غائبة عن الروايات التي كتبت عن الحرب الكونية الأولى.   وفي جميع هذه الروايات، نحن نعاين أن التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق للبشرية، لم يفض إلى السعادة المنشودة وإلى الرخاء والسلام، وإنما هو حوّل حياة الأمم والشعوب إلى جحيم فيه تستعمل الأسلحة الأشد فتكا بالإنسان وبالطبيعة. وهذا ما جعل سيغموند فرويد يقول :”لقد دفع أناس اليوم بالتحكم في قوى الطبيعة إلى حدّ بعيد بحيث باتوا بمساعدتها، واعتمادا عليها، يتقاتلون حتى آخر فرد منهم".وإذا ما كان المحاربون في العصور القديمة يعودون مبتهجين بالإنتصارات التي حققوها، وبالبطولات التي أظهروها في ميادين القتال، فإن المشاركين في الحروب الحديثة يكونون في نهاية الحرب على أسوأ حال جسديّا ونفسيّا. بل قد يفقدون القدرة على التركيز وعلى التفكير بسبب التجارب المرعبة التي عاشوها وهو يجتازون قرى ومدنا مخربة، أو يمشون فوق الجثث المتعفنة، أو يشاهدون حرائق تأتي على الأخضر واليابس. وفي سنوات شبابه، تطوع الكاتب والشاعر السويسري الكبير بليز سندرار ليقاتل مع الفرنسيين ضدّ ألمانيا في الحرب العالميّة الأولى. عن تجربة الحرب المريرة سوف يكتب فصولا رائعة  خصوصا في روايته :"اليد المقطوعة".  ففي إحدى المعارك الضارية،  فَقَدَ بليز ساندرار يده اليمنى. عن ذلك كتب يقول واصفا الحدث المؤلم بشاعريّة عالية: ”مَغْروسة في العشب كما لو أنها زهرة كبيرة متفتّحة، زنبقة حمراء، يد بشريّة منها يتدفّق الدّم، اليد اليمنى مبتورة فوق المرفق، والكفّ الذي لا يزال حيّا يحفر في الأرض بالأصابع كما لو أنه يرغب في أن يمدّ فيها جذورا... لمن هذا الكفّ، ولمن هذه اليد اليمنى، وهذا الدّم الذي يتدفّق مثل النّسغ؟".
وعند اندلاع الحرب الكونية الأولى، انخرط الألماني ارنست يونجر في الجيش الألماني كمتطوع. خلال المعارك على جبهات مختلفة، جرح سبع مرات، وعاش محنة الخنادق في "فردان" على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وفرنسا. وقبل استقالته من الجيش، أصدر على نفقته الخاصة كتابا حمل عنوان :” وابل من الفولاذ". وهو عبارة عن يوميّات حول الحرب. وقد نال هذا الكتاب نجاحا كبيرا وبيع بأعداد وفيرة، الأمر الذي شجّعه على إصدار ملحق له بعنوان :”أمّنا الحرب"، وفيه كتب يقول :”إن الرصاصة عمياء، وسرعتها لا إختيارية. غير أن الإنسان يجعل في داخله إرادة للقتل تعبّر عن نفسها من خلال العواصف حيث يتراكم الفولاذ والمتفجرات والنيران".وتعتبر رواية الألماني الآخر ايريك –ماريا ريماركه  :"لا شيء يحدث  على الجبهة الغربية" التي حظيت بنجاح باهر حال صدورها عام، من أروع الروايات عن الحرب العالمية الأولى. بطلها جندي عادي يدين الحرب وفظائعها بأسلوب شاعري بديع: "عندما ننطلق،  نحن نكون جنودا عاديين، متجهمي السحنات، أو بأمزجة رائقة. لكن حال وصولنا إلى المنطقة حيث توجد جبهة القتال، نتحول إلى وحوش ضارية  بأجساد بشرية".
ومن خلال تجربته في القتال على الجبهة الإيطالية، كتب ارنست همنغواي  رائعته :" وداعا للسلاح" التي خولت له أن يصبح كاتبا عالميا وهو لا يزال شابا. وتروي الرواية قصة شاب يدعى فريدريك هنري، يصاب خلال إحدى المعارك على الجبهة الإيطالية  بجرح خطير.  وخلال فترة العلاج في أحد مستشفيات مدينة ميلانو، ، يعشق  ممرضة بريطانية  تدعى كاثرين باركلي، ومعها يخطط للفرار إلى سويسرا المحايدة، لعيشا قصة حبهما بعيدا عن دوي المدافع، وأوامر الجنرالات المهووسين بانتصارات يحصلون عليها على أكوام من جثث الضحايا من الجنود،  ومن المدنيين أيضا :" لا أقول شيئا. وإنما كانت هناك كلمات تشعرني بالضيق مثل: مقدس، مجيد، تضحية، وعبارة "من دون جدوى"(...) وأنا لم أرى أيّ شيء مقدس، وما يصفونه ب"المجيد" لم يكن مجيدا. والتضحيات تشبه مسالخ شيكاغو مع اختلاف واحد هو أن اللحم هنا لا يصلح إلّا للدفن".
وتظل رواية الفرنسي لوي فارديناند سيلين من أروع الروايات التي كتبت عن الحرب الكونية الأولى. فيها لم يكتفي مؤلفها بتصور ورواية الأحداث المأساوية، بل ابتدع لنفسه لغة لم تكن مـألوفة حتى ذلك الحين. وهي لغة تغرف من اللغة اليومية، لغة العامة وبسطاء الناس، مانحا هذه اللغة شاعرية مذهلة،   تتساوى مع لغة أ عظم الشعراء والكتاب الفرنسيين، بل قد تتفوق عليها أحيانا.بطل هذه الرواية يدعى فارديناند باردامو.  وهو مثل سيلين كاره للحروب، ولكنه يجد نفسه مرغما على خوضها.  لكنه يسخر من بطولاتها الوهمية، ومن فظائعها ومجازرها التي يستعملها الجنرالات، ورجال السياسة  ليحصلوا على المجد والشهرة. كما أنه  يدين التقدم التكنولوجي الذي لا نتيجة له في النهاية سوى تحويل العالم إلى "مسلخ عالمي لصناعة الجنون"، و"تبرير الجرائم ضد الإنسانية ".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي