رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

رواية "ذئبة الحب والكتب".. الرجل الحلم حين تشكله أصابع امرأة

قراءة/ سماح عادل
رواية (ذئبة الحب والكتب) للكاتب العراقي محسن الرملي ترصد ببراعة سعي المرأة لإيجاد حب حقيقي يخلص روحها من أسرها، وإن لم تجده تصنعه بيديها. ترسم ملامحه كما تريده. تغوص الرواية في أعماق المرأة وتنقل أدق خصوصياتها بعين كاتب واعي.
الشخصيات..
البطل: الكاتب محسن مطلك، الذي سافر من العراق هربا من الحصار الذي فرض عليه بسبب كون أخيه واحدا من المعارضين للنظام، يعمل في الأردن لمدة عامين أعمالا شاقة يقترب فيها من الكادحين ويصبح واحدا منهم، لكنه رغم ذلك لا ينسى أخيه ويحاول بكل الطرق إحياء ذكراه ونشر كتاباته المتميزة، كما يحقق حلمه في أن يصبح كاتبا رغم أعباءه الكثيرة ويسافر إلى اسبانيا لتكملة دراسته.
البطلة: هيام، سيدة من العراق، تعيش حياة خالية من الحب والحنان، مجرد زوجة لرجل لا يهتم بها، وأم لأطفال ترعاهم، لكنها رغم ذلك في حاجة للحب وفي أن تشعر بإنسانيتها وأنوثتها، وهذا الحرمان يؤدي بها إلى مراجعة طبيب نفسي، تلجأ إلى حل يفتح نافذة لروحها لتتنفس وهي أن ترسل رسائل الكترونية لحبيب متخيل، ايميل ترسل إليه رسائل حب لا يقرأها أحد، لكنها تتخيل فيه ملامح حبيب تستلهمها من شخصية الكاتب الشهيد “حسن مطلك”، ومن كتاباته، وتسميه حسن، حبيب يتفق وتصورها عن الرجل، وتظل تحكي عن حياتها من البداية، كانت شابة نشيطة وقارئة نهمة تسعى إلى التعرف على ذاتها وعلى الآخرين بصدق، لكن خيبات العراق تحول حياتها إلى حياة بائسة.
حسن مطلك: يمكن اعتبار الكاتب الشهيد “حسن مطلك” أحد شخصيات الرواية لأنه حاضر وبقوة، تستلهمه “هيام” دوما في رسائلها وتستعين بجمل من رواياته وكتبه، ويشعر القارئ أن ملامح حبيبها المتخيل تشبه ملامحه وصفاته، ويتشوق القارئ لمعرفة المزيد عنه وعن حياته، كما أن البطل نفسه يشيد دوما بأخيه وبمواقفه الشجاعة والجريئة ويظل محملا به طوال حياته.
رفاعي: رجل صعيدي مصري، يعمل في البناء، يعيش مع البطل “محسن” في غرفة صغيرة بصحبه كثير من المصريين، يقع في غرام سيدة من الجيران ويقابلها بشكل يومي، لكن لا تجري بينهما علاقة حميمة فقط مجرد لمسات حانية، يعرف أنها تحب القراءة وتحب الروايات فيحث “محسن” على كتابة رسائل له مقابل مبلغ من المال، ثم يطلب منه كتابة قصة حياته في رواية ليهديها لحبيبته.
خالد المصري: صديق “محسن”، طالب أردني يحضر دراسات عليا ويتعرف على “محسن” بالمصادفة، ويصبح صديق مقرب له بسبب شغفه بالأدب العراقي ودراسته له، يساعد “محسن” في حياته ويشجعه على مواصلة دراسته في اسبانيا.
الخادمة السيرلانكية: فتاة تخدم في بيت مجاور للبيت الذي يعمل فيه “محسن”، قامت بينهما علاقة حميمة رغم حاجز اللغة، كانا يتقابلان في المساء ويتلامسان من وراء قضبان نافذة المطبخ، وكانت تلك الأوقات هي التي تمنح الاثنين طاقة للاستمرار في عمل شاق ومجهد.
عبود: زوج “هيام”، حاصل على الدكتوراه وينتمي لحزب السلطة في العراق، تزوجته وهو يكبرها ب17 عاما ولديه طفلين، وعاملها منذ البداية بشكل سيء، لا يهتم بها ويسعى دوما لإخضاعها، ويرفض كل ما تسعى إلى فعله من قراءة أو كتابة أو تكملة لدراستها أو أن تعمل، يعاملها كخادمة في المنزل وآلة للجنس، ولكنها تعترف في نهاية خطاباته أنه طيب لكنه ليس الزوج المناسب لها.
زكريا: أول رجل يقترب من “هيام” بشكل حميمي وتحبه بعمق، لكن يتضح أنه متزوج ولديه طفل مريض، ولا يطلب منها أبدا الزواج، رغم أنه ليس مثقفا كما تحب أن يكون رجلها إلا أنه استطاع أن يشعرها بحب قوي وعميق.
سعيد الخاطر: شاعر وصولي، مدعي، وهو نموذج لفئة من المثقفين الذين يتخذون موهبتهم مطية للوصول، يتقلبون في مواقفهم بحسب السلطة الموجودة ليحصدوا المكاسب، وهم مع ذلك يتعاملون مع المرأة بشكل سيء ويرون أنها مجرد جسد للتناول ولا يهتمون بالحب.
خلف موريس: مثقف آخر وصولي وانتهازي، يدعي الجنون ويتقرب من “هيام”، وهي بعد سنوات من الزواج تكون قد وصلت إلى حالة من اليأس الإحباط، تقبل معها الدخول في علاقة حب لتتخلص منها، لكنه يتعامل معها بدناءة ويغتصبها في ليلة احتلال العراق، وتكتشف بعد سنوات أنه كان عميلا للاستخبارات في العراق ووشى بزوج أخته وأولادها، وكان سببا في إعدامهم وبعد الحرب وغزو العراق يعمل مع نفس الحزب الذي كان ينتمي إليه زوج أخته المغدور.
الراوي..
الراوي هو “محسن مطلك” الذي يحكي عن نفسه بضمير المتكلم، ويحكي عن باقي الشخصيات من خلال وجهة نظره وعينيه، ما عدا “هيام” التي تحكي عن نفسها في رسائل الكترونية بضمير المتكلم أيضا، وتحكي عن شخصيات أخرى تقابلت معهم في حياتها من وجهة نظرها، وتأخذ رسائل “هيام” مساحة كبيرة.
السرد..
السرد متميز يعتمد على البوح، وحكي المشاعر والانفعالات الداخلية، كما أنه في مجملة عبارة عن قصة حب مشوقة، لكنه يرصد تفاصيل أخرى هامة، تقع الرواية في 21 فصلا يبدأ كل فصل بعنوان معبر عن ما يحويه الفصل، وتقع الرواية في حوالي 424 صفحة من القطع المتوسط، وتأتي النهاية مفاجئة وصادمة للقارئ، رغم أن البطل يحكي عن نهايات متعددة للرواية بما يعطي مساحة للقارئ أن يختار نهاية بنفسه.
حبيب مرسوم بدقة..
أهم ما يميز الرواية أنها ترصد بعمق ووعي شخصية امرأة مثقفة تعاني من الحرمان من الحب والحنان، ينجح الكاتب في رسم شخصية “هيام” وتقمص شخصيتها وتمثلها، فيرصد هواجس المرأة ومخاوفها، وأحاسيسها المعقدة والمتشابكة، كما يستطيع أن يقدم على لسانها فهمها للشخصيات الذكورية الأخرى وإحساسها بهم، فتصور كيف تفكر المرأة وكيف تحس أمر يصعب على كثير من الكتاب، و كتاب قليلون هم من استطاعوا تقديم شخصيات نسائية حية كأنها من لحم ودم تنبض داخل الرواية.
تحكي “هيام” عن حياتها منذ أن كانت طفلة، وبداية اكتشافها للعالم وللذة وللحياة ونهمها لقراءة الكتب، تبوح بكل ما مرت به ربما لأنها تعلم أنها رسائل لن يقرأها أحد، أو سوف يقرأها فقط من اختارت أن تحبه وتنتظره، لكنه ليس شخصا محددا إنما هو من رسم خيالها، رجل كما تمنت تماما أن يكون ليقاسمها حياتها ومشاعرها.
مرت بعلاقات عدة لم تعرف فيها معنى الحب الحقيقي، وما يميز الرواية أن “هيام” لم تبدو في صورة المرأة النادمة التي تشعر أن تجاربها السابقة وصمة عار تلحق بها، وإنما تعتبرها تجارب، حتى وإن كان بعضها فاشلا، إلا أنها أغنت تجربتها الحياتية وساهمت في فهمها لذاتها وللعالم، حتى عندما تعرضت لتجربة اغتصاب لم تدن نفسها وتزيد من الشعور بالأسى كونها ضحية، مثل بعض النساء الشرقيات اللاتي يولدن بإحساس ذنب مبهم، يتضخم مع استمرارهن في الحياة، وإنما هي سيدة واعية متحررة من داخلها من كثير من عقد المرأة الشرقية وأمراضها النفسية، رغم اقتناع زوجها “عبود” أنها تحتاج لطبيب نفسي.
لم تعرف “هيام” رغم ذلك معنى اللذة الجسدية الحقيقي، رغم أنها تزوجت من سنوات كثيرة، ورغم أنها اقتربت بشكل حميمي من “زكريا” ومن “خلف موريس” لكنها رغم ذلك محرومة، مثل نساء كثيرات شرقيات، من اختبار معنى اللذة الجسدية الحقيقي.
تعيش حلم الحب في رسائلها الالكترونية، حبا كاملا وعميقا تشتهي فيه حبيبها ولا تخجل من التعبير عن اشتهائها، تتخيله حنونا وصادقا قويا وحاسسا، ترصد حالتها المزاجية بدقة وترصد آلامها الجسدية والنفسية، تحلم برجل أشبه بحلم وردي قد لا يكون موجودا على أرض الواقع، رغم أن البطل “محسن” حاول أن يقترب من صورته وأن يصبح مثله، لكنه يبقى في النهاية الرجل الحلم الذي يتميز بكل الصفات الجميلة التي تتمناها أية امرأة، صوته جميل وحنون، متفهم ومشارك، يحبها بشغف ولهفة، ويعطيها الكثير من وقته واهتمامه، يشعله شغفه بها ويتلهف عليها قدر تلهفها عليه، لا يدينها بسب علاقاتها السابقة، وإنما يتفهمها وتستطيع أن تبوح له بها دون خجل أو شعور بالعار، حتى أنها تحكي له أدق التفاصيل الجسدية التي مرت بها من رجل آخر.
الحب بديل عن الحرب..
تردد “هيام” دوما في رسائلها أن الحب كفيل بإنهاء حالة النزاع والصراعات في العالم وفي وطنها الحبيب العراق، لو أن الناس استبدلوا الحب بكل تلك الأحقاد والغضب لكان العالم يسوده السلام.
“محسن” أيضا سعى إلى الحب وبحث عنه، وكان هو السبب في أن يتخلص من إحساسه بالضياع، بعد أن أصبح عاملا يعيش يوما بيوم، استطاع أن يجد ذاته رغم وضعه الذي جعله ينساها، وقرر أن يواصل حياته وأن يكافح باستئناف دراسته والتركيز في كتابة الأدب.
كما رصدت الرواية كيف هي حال المغتربين العراقيين والمصريين ومن جنسيات أخرى سواء، في الأردن أو في اسبانيا، وكيف يعاني المغتربون ليجدوا لهم موطئ قدم بعد أن لفظتهم بلادهم.
وتحكي عن العراق بدء من السبعينات بعيون فتاة ينتمي والداها للحزب الحاكم وتعيش في غنى، وترصد العراق في أثناء حب إيران وغزو الكويت والحصار وحتى لحظة الغزو الأمريكي ورعبه، وكيف أن الحياة انقلبت حتى على الذين كانوا جزء من السلطة، فوالد “هيام” أعدم بعد تعذيبه لمجرد أنه خالف الحزب وأعلن رفضه لممارسات السلطة، و”عبود” رغم أنه لم يتنكر لحزب السلطة إلا لأنه عاني أيضا، وأصبح يتنقل في البلاد بحثا عن عمل مناسب، رصدت الرواية أزمة العراق من السبعينات وحتى وقت قريب بعد أن تنازعت الأحزاب على سلبه ونهبه وملأته الفتن الطائفية.
الرواية تتميز بالبراعة وتعتمد على لغة عذبة وآسرة خاصة في رسائل “هيام” التي تنبض بالحياة، تستعين بجمل ساحرة للكاتب الشهيد “حسن مطلك”، وترسم مشاهد حب تعتمد بشكل أساسي على الإنسانية لا على فعل الجسد المجرد، مثلما حدث بين “هيام” و”رفاعي”، حيث كان كل ما بينهما لمسات حانية تشبع إنسانيتهما،  وبين “محسن” و”الخادمة” التي كانا يتلامسان دون كلام من وراء نافذة ويقبلان بعضهما في عذوبة.
الكاتب..
“محسن الرملي” كاتب عراقي، ولد سنة 1967 في قرية (سُديرة) شمال العراق، تخرج من جامعة بغداد/كلية اللغات (بكالوريوس لغة وأدب إسباني) سنة 1989، يُعد حالياً أطروحة الدكتوراه في جامعة مدريد (أوتونوما)/ كلية الفلسفة والآداب، أقام في الأردن خلال عاميْ 1993-1994، والآن يقيم في إسبانيا منذ عام 1995.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي