رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 9 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2093

الطريق المسدود

محمد عبد الجبار الشبوط

اكدت جلسة يوم الثلاثاء الماضي لمجلس النواب ما قلته في عمود سابق في هذا المكان تحت عنوان: الديمقراطية العراقية في اسوأ حالاتها.مع التنبيه المستمر الى انني استخدم مصطلح "الديمقراطية العراقية" مجازا، لان الوضع السياسي الحالي في العراق "هجين" وليس ديمقراطيا. واذا انتفت الصفة الديمقراطية، لا يبقى ممكنا وصف الدولة العراقية بانها حضارية حديثة، لان #الدولة_الحضارية_الحديثة تقوم على خمسة اعمدة هي: المواطنة و الديمقراطية والمؤسسات والقانون والعلم الحديث. يستطيع اي مواطن ان يقول اي من هذه الاسس متوفر واي منها غير متوفر، ثم يخرج باستنتاج مفاده ان العراق ليس دولة حضارية حديثة. وحتى لا تتشوش الرؤية، فلابد ان اقول انه لم يكن كذلك منذ عام ١٩٥٨ حتى الان. 
جلسة الثلاثاء الماضي اكدت تعطل الديمقراطية وتوقفها عن الاشتغال. الديمقراطية تشتغل ضمن مؤسسات دستورية منها البرلمان، وتشتغل من خلال اليات عملية منها التصويت، وتشتغل من خلال قواعد منها خضوع الاقلية العددية داخل البرلمان للاغلبية العددية. 
كل هذه المفردات الثلاث تعطلت في جلسة الثلاثاء.
البرلمان كان معطلا، بل معوقا ولم يستطع ان يعقد جلسة بنصاب مريح.
واذا لم ينعقد النصاب والاجتماع، تعذر التصويت. واذا تعذر التصويت لا يعود بامكاننا معرفة الاغلبية والاقلية العدديتين.
ليست هذه النتيجة مفاجئة، انما هي نتيجة طبيعية لعيوب التاسيس التي رافقت العملية السياسية منذ عام ٢٠٠٣. والعيب الرئيسي هنا هو التوافق، وهو انحراف عن الديمقراطية التمثيلية العددية، تسلكه النخب السياسية الحاكمة التي لا تؤمن فعلا بالديمقراطية التمثيلية. والتوافق، او الديمقراطية التوافقية كما سماها ليبهارت، تستلزم التمثيل النسبي والحكومة الائتلافية، والمحاصصة، والاجماع، وحق الفيتو. يعني ظلمات من فوقها ظلمات من فوقها ظلمات، تكون نتيجتها العجز عن تشكيل حكومة كاملة، او العجز عن القدرة على الفعل والانجاز في حال امكن تشكيل حكومة كاملة. وهذا ما نشهده في العراق منذ عام ٢٠٠٣ حتى الان. ايا ما كانت اسماء الكتل السياسية، فان ما حصل يوم الثلاثاء هو تطبيق حرفي لما جرى العمل به باسم الديمقراطية التوافقية التي تلغي كل اليات الديمقراطية التمثيلية. وهذا هو ما اوصل العملية السياسية الى طريق مسدود.
لا ينفتح الطريق بالعودة الى التوافقية، لان الداء لا يكون دواءً. انما يجب معالجة الداء بدواء من نوع اخر. والنوع الاخر هو المباشرة بالالتزام بالاليات الديمقراطية، كم وردت في الديمقراطية التمثيلية. وهذا يعني الاقلاع عن مفهوم دولة المكونات والذهاب الى دولة المواطنة، بكل ما بين المفهومين من فروقات. وهذا يعني ايضا الذهاب الى حكومة الاغلبية السياسية مقابل المعارضة البرلمانية، والتصويت، ولاحقا #الانتخاب_الفردي. 
قد لا ترغب الكتل السياسية البرلمانية الحالية بهذا الحل، لانها جميعا ترغب بالمشاركة في الحكومة، ولذا فمن المتوقع ان تعارض بشدة الحل الديمقراطي الدستوري للازمة السياسية. فاذا ما فقدت النخبة السياسية القدرة على الحل، صار لا مناص من اللجوء الى #المواطن_الفعال لفرض الحل. وهذا يستلزم تطوير النضال الشعبي والانتقال به من الاهداف المطلبية  الى الاهداف السياسية. والاهداف السياسية هي المطالبة بالديمقراطية التمثيلية العددية، والبرلمان الفعال، وحكومة الاغلبية السياسية، والمعارضة البرلمانية الفعالة، وقانون الانتخاب الفردي. وهذه كلها من سمات الدولة الحضارية الحديثة. 
ان المواطن الفعال الذي يخرج الى الشارع غاضبا متظاهرا مطالبا بوظيفة حكومية، يهدر جزءً كبيرا من جهده وطاقته في فعل جماهيري لا يحقق سوى اهداف ذات مردود فردي، فيما البلد بحاجة الى فعل جماهيري ذي مردود عام. وهذا ما يتعين العمل عليه.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي