رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

مجلس مكافحة الفساد: خطوة تحتاج إلى دعم

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

فراس زوين

ان مكافحة الفساد تكاد تمثل نصف عمل الدولة. بهذه العبارة افتتح رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اجتماعاً للمجلس الاعلى لمكافحة الفساد، هذا التشكيل الذي أسّس من قبل رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015، ولكن لم يتم تفعيله بالشكل الذي اُسس من اجله، وبقى مهملاً على الرفوف حتى إعادة تشكيله من قبل رئيس الوزراء الحالي بالأمر الديواني رقم (70) بهدف اتخاذ الإجراءات الرادعة وتوحيد جهود الجهات الرقابية في سياق عمل جديد قادر على التصدي لأي جهة أو شخصية فاسدة مهما كان موقعها، واستناداً إلى هذا الأمر الديواني، فإن المجلس يتألف من عضوين من مجلس القضاء الأعلى، ورئيسي ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة، إضافة إلى ممثل عن مكاتب المفتشين العموميين، ومكتب رئيس الوزراء. ويشير الأمر إلى أن للمجلس 8 مهام رئيسية تهدف الى محاربة الفساد المالي والإداري واسترجاع الأموال المنهوبة.

تعد محاربة الفساد وهدر المال العام طريقاً طويلاً سلكته العديد من شعوب العالم وحكوماته المختلفة، وهناك تجارب عالمية عديدة في هذا المجال لاقى قسم منها الفشل والقليل منها النجاح مثل تجارب (سنغافورة ، جورجيا ، ماليزيا ، بلغاريا ) ولعل العراق في مسيرته هذه يحذوا حذو غيره من الدول التي نجحت في كسر شوكة الفساد ومحاسبة الطبقة الفاسدة التي شملت في بعض الاحيان المسؤولين المتواطئين، والنواب، ورجال الأعمال، وموظفي الخدمة المدنية والذين يشتركون جميعاً في تكوين تنظيمٍ سريٍّ لديه من الموارد الإدارية ما يجعله يشعر بأنه يأمن العقاب، وتعد تجربة جورجيا احد التجارب الأكثر شبهاً بالواقع العراقي فقد خاضت هذه الحرب المقدسة بعد ان كانت من أكثر دول العالم فسادا قبل الثورة البرتقالية فى نوفمبر 2003، وكانت المافيا الجورجية أخطر من المافيا الروسية والرشوة جزءاً من الثقافة العامة، كما هو حال العراق اليوم ووصل بهم الحال ان رجال الامن هم زعماء العصابات الاجرامية ويطالبون الشعب بأتاوات لحمايتهم، ووصلت بهم الحال ان الى الإعلان علنياً ان أي معاملة حكومية لا يمكن ان تتم الا بعد دفع رشوة للموظف المسؤول، ولكن ذلك لم يمنعهم من القيام بثورة عارمة على الفساد ورموزه مهما كانت درجة تسلطهم وتنفذهم داخل السلطة الحاكمة والشروع ببناء استراتيجية فعالة لمكافحة الفساد من خلال نشر الوعي الثقافي بأهمية الإصلاح وضرورة القضاء على الفساد ولنشر هذه التوعية اعتمدت الحكومة الجورجية على مجموعة قرات صعبة تتركز حول اعتماد الدماء الشابة والجديدة في اغلب الدوائر الحكومية، والاعتماد على الحكومة الالكترونية من خلال الاستفادة من التطورات التكنلوجية، وشن الهجوم المباشر والضرب بيد من حديد على رؤوس الفساد مهما كانت سلطتهم ومكانتهم الاجتماعية والسياسية، وكانت نتيجة مسعاهم أن البنك الدولي أفاد في احد تقاريره أنّ نجاح جورجيا في مكافحة الفساد قد حطّم أسطورة أن "الفساد هو ثقافة"، حيث أثبتت أنها يمكن أن تُحقِّق نجاحاً في هذا المجال في فترة قصيرة من الزمن بإرادة سياسية قوية وبتحرك فعال من الحكومة.

ان الفساد في العراق له جذوره العميقة والتي تمتد لعقود سابقة تراكمت وتضافرت فيما بينها لتشكل هذا الهرم الذي يجثوا الان على صدر العراقيين وقد استل منهم كل خيراتهم وغرس انيابه في رقابهم ليمتص منهم كل ثرواتهم الطبيعية، وان كانت الحروب المتتالية والحصار الاقتصادي في العهد السابق، والفوضى السياسية والاجتماعية والتراجع الأمني الذي شهدته البلاد منذ عام 2003 ولغاية الان قد دفعت نحو تراجع اداء الأجهزة الرقابية داخل الأجهزة الحكومية فان سيطرة مافيات الفساد وتبوء العديد من الفاسدين لمناصب حكومية عليا قد عملت على تقنين الفساد وخلق الأرضية القانونية بل وحتى تشريعية تعمل على دعم الفساد وتعطيل أي مسعى حقيقي لمحاربته، وتحت ضغط كل المعطيات السابقة اذا كانت هناك رؤيا حقيقية لمحاربة الفساد فستكون رؤيا خلاف الواقع والمنطق عند العديد من الافراد الواقعين تحت وطأة هذا الفساد والمكتوين بناره.

ان الخطر الذي قد يواجه أي محاولة حقيقية لمحاربة الفساد في العراق تكمن في تحول الفساد المالي وحالات الرشوة والنهب او الهدر في المال العام الى ثقافة عامة ومنهج طبيعي في نظر العديد من الناس، يدعمه ويغذيه العديد من الأصوات الاجتماعية والسياسية المؤثرة، وترعاه بعض عمائم الظلالة من الذين اتخذوا الدين مغنماً، وغالباً ما تكون هذه الأصوات مؤثرة في المجتمع ويصعب مواجهتها، والحالة العراقية هنا مشابه بشكل كبير لحالة الفساد في جورجيا او سنغافورة والتي تجذر فيها لدرجة انه اصبح عرفاً وثقافة ولكن تجربتهم في محاربة الفساد اثبتت امكانية تغيير هذه الثقافة وارجاعها الى مسارها الصحيح.

ان الاخفاقات العديدة والمحاولات الشكلية المتتالية خلال السنوات السابقة في محاربة الفساد وتحول الامر الى شعار اجوف يرفع في حالات الازمة ليكمم افواه الناس ويصبرهم على تجرع المزيد من مرارة السياسيين الذين لعبوا بمستقبل الناس ومقدراتهم، فبالرغم من ان العراق يملك العديد من المؤسسات لمكافحة الفساد وكل حسب اختصاصه لغرض التأمين الرقابة المال العام من الهدر او السرقة او أي حالة من حالات الفساد، مثل مكاتب المفتشين العموميين، وديوان الرق المالية، وهيئة النزاهة، بالإضافة الى الدور الرقابي الذي يمثله مجلس النواب ولكن العراق لايزال في ذيل دول العالم في محاربة الفساد اذ احتل العراق المرتبة 168 في مدركات الفساد لعام 2018 وهو رقم وتسلسل يعكس حجم الهوة التي يقع فيها.

بالرغم من انقسام التيارات السياسية ما بين مؤيد ومعارض والشعور بعدم الجدوى من قبل العديد من الناس اتجاه اعادة احياء المجلس الأعلى لمكافحة الفساد والذي ولد ميتاً كما يراه البعض الا ان التفائل وتوقع الأفضل هو ما يجب ان يتسلح به كل من يرغب بالتغيير الحقيقي وخصوصاً بعد فشل كل التشكيلات الحكومية السابقة في محاربة الفساد او الحد منه، فلامعنى من الرفض المسبق بل بالعكس يجب ان يأخذ هذا المجلس فرصته وان يبدأ عمله وبعد ذلك تأتي مرحلة التقييم وخصوصاً اذا كان البديل هو الرضوخ للفساد وتوقع الاسوء.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي