رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 نيسان( ابريل ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2180

بعض من أبجديتنا المشتتة وأسئلة وعينا الموءودة

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم*

الوعي هو اعمال العقل في جميع شؤون الحياة. بل هو غائية الوجود. فهذا ديكارت يثبت الوجود الانساني بمقولة "انا افكر اذاً انا موجود". اما انسان العصر فيقول "انا استهلك اذا انا موجود"، وشتان بين الوجودين.

فلا يشك عاقل في ان التحلي بالوعي بات ضرورة ملحة؛ فالكوارث التي نحياها والهزائم التي نكتوي بنارها انما هي بسبب غياب الوعي المناسب للتحديات المفروضة والآمال المعلقة.

فنحن اليوم نعيش حالة من التأزم على مختلف المستويات ـ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ـ إلا أن أقل الأزمات عناية بها أزمتنا على مستوى الفكر والوعي. فبلد كالعراق بضخامة موارده، واستراتيجية موقعه، يستغرب المرء من تأزم حاله وتردي أوضاعه. كما أن أغلب الحلول تتجه إلى معالجة أعراض الداء دون أصله؛ فسبب وصولنا لهذه الحالة من التزعزع والاختلال ليس الصراع على السلطة، وإنما سببه قلة الوعي.

ولذا شكا الغزالي من غياب الوعي عند الامة، فقال: الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الاسلام في شيء، اذ الغباء في ديننا معصية.

ولكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سيمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة، ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل، كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين. بيع الضمير العالمي في العلن، وحين سرق رغيف الجوع اجمع الساسة على استباحة طينه، واجزموا بمصيره إلى سجون العذاب.

وها هي الارض تفرش عناءها على منصة الزمن تتقصى خطى الضمائر وتحمل الإنسان فينا أمانة.

فحين رمى عقل الحداثة الغربية موقفه من الوجود استيقظ نيتشه قائلا:

"أين الإله؟ أنا سأقول لكم ذلك! لقد قتلناه أنتم وأنا!! لكن كيف فعلنا ذلك؟ ألم نندفع في منحدر لا قرار له؟ ألسنا نتيه صوب عدم لا نهائي؟

لذلك تبدو العودة إلى مراجعة الوعي بالذات ضرورة ملحة لبحث جذور الازمة التي نعانيها.

فمعظم الرؤى والتصورات التي يتبناها خطابنا الفكري، متطرفة وغير مكتملة، بل ومثيرة للسخرية.

لذلك بقيت انسانيتنا مهدورة من قبل الطاغية المتسلط. وهذا كله تحركه الخلفية المعرفية للغرب بكافة ابعادها السلطوية وتغذيها النزعة الامريكية العابرة للقارات.

وهكذا نتيجة الشعور باليأس يحاول وعينا المؤدلج ان يخضع حياتنا للمصادفة، وينفي لدينا الشعور بالمسؤولية والوعي بحقيقة الوجود.

كل هذا ادى الى انهيار المستقبل، ذلك البعد الانساني المهم، واصبحنا نحكم الظن والاحتمال.. وهذا ما يفسر عداواتنا وحروبنا الطائفية، وقلة وعينا وحيلتنا وهواننا على العالم.

هكذا تنتصر العقلية الامريكية وايديولوجياتها... اما نحن فبقينا نجتر نفايات الفكر الغربي، ونعمل على تسويق بضاعته المستهلكة. ولو تم رفع هذه الوسائل والتقنيات لأنكرنا الزمن ذاته، ولثبت شرعا وعقلا اننا لا نستحق العيش.

فمن دموع ضحايا القتل والتهجير تغتسل الحرية لتصلي صلاة الغائب على العقل الشرقي.

من دماء الشهداء والمعذبين ترسم خارطة العرب والمسلمين... من حيرة المثقف الناظر في وجه السياسة البغيض يكتب مستقبل الامة.

كما ان واقعنا الغائب اللاجئ الى الغرب مرجعيتنا فيه جحافل النازية وخليفتها الفاشية. نتقمص على اسواره بشاعة الشوفينية ووضاعة الليبرالية الصهيو أمريكية...

ونحن في وسط هذا التيار العنيف نتنفس الالم من بشاعة الكوارث التي سببتها اسطورة اللاوعي المدمر.. فمن الصعب ان نعقل في حضارة الجنون الوحشي المستعر.

ونحن امام المسرح العالمي المخيف نشاهد على خشبته الاحداث المرعبة من تطرف وعنف وارهاب... جماعات وعصابات منظمة وممولة لاثارة الفتن والمشاكل، شركات احتكارية عابرة للقارات، شعوب مهددة بالابادة والتهجير.

وهكذا تتبدد أوهامنا في قصة الحضارة، حتى النظام الأخلاقي والروحي تزيحه فوضى اللاحتمية، فالكون عقلاني بنسبة ضئيلة جدا.

اما التقنية والتكنولوجيا المعاصرة والتي افلتت من كل السلطات، فبدأت تستهدف جينات الانسان الحقيقي، تستهدف كل ما هو اخضر وجميل.

وليس مستغربا ان يكون التكبر والتجبر والظلم شعار الآخر، لكن المستغرب والأغرب وعينا المعطل بحقيقة الواقع. نغني الحرية وصدورنا تتشظى أنينا من أعظم أنواع القهر والأسر والعبودية. تنهشنا وحشية الإيديولوجيات بأفكارها الهدامة المحظورة إنسانيا. والتي لا يمكن النيل منها وكشف أسرارها وأبعادها ومخططاتها إلا عندما نحمل شعار "فلنتفكر" بمداد "العقل والايمان"، الوعي والانسان.

إذا نحن بحاجة الى الوعي ـ روحيا وماديا ـ لنتمكن من اليات النهوض. نستثمر الذات الانسانية في الوجود فنتوسع داخل فلك الحضارة.

وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية.

هذا التحول يتزامن مع رؤية عقلية عالمية، تمتلك بصرا حادا يغوص في الاعماق لينتشل سر كينونتنا الغامض ...

خاصة ان الوعي حالة من الاستنفار العقلي والذهنية الثائرة التي تتجاوز الاعتبارات الظرفية إلى رحاب المسائل الكلية..

إن الوعي الحقيقي هو ذلك المرتكز على الشمولية والعمق التفسيري. إنه ذلك الذي يبحث عن النواميس والسنن الناظمة لهذا الكون, ويربط بين العلل ومعلولاتها.

نعم، العقل الواعي القادح لزناد فكره لا يملك تجاهل دهشته ومناهضة حب الفضول المغري باقتحام المجاهيل ومقاومة التوق الجبلي نحو سبر أغوار الأشياء، لكن ان لم يضبط ويقنن، فمصيره إلى التيه والتخبط.

فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة مهما طرأ على الحيرة من تمجيد.

 إنها دعوة للخروج بالعقل الغربي من ازمة اللاوعي، حين يكون العقل انتقائيا، حين يكون عقلا للاحتلال، والبحث الدؤوب عن عقلنة التوسع من أجل السيطرة والأسواق. بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدمير والتخريب.

ولهذا فان علينا أن نسعى دائما إلى تفحص برامجنا وقراءة أحوالنا وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا ومع العالم.

لنقلب صفحات العالم، ونقرأها من جديد، علّنا ننتج في قاموس الحضارة. انبعاث ونهضة تحتضن الحياة وتجعل من الإنسان وعيا جديدا يحتمل سعة العالم اللاواعي اللامنتمي وثقله المطرد... لا بد من تحديد بعدنا الذاتي في ارض الواقع، وننسى أثرنا المعكوس تحت الوصاية سنين طويلة.

 لنتذكر، أنّ مصادر طاقتنا موجودة في منظومتنا الفكرية. فنشهد عندئذ وعيا وانسجاما تاما مع سائر مفردات الحياة.

لنتذكر اخيرا، أننا امة واعية قادرة على النهوض رغما عن جميع ما يعتريها من عارض المحنة الحاضرة.

* رئيس قسم الفلسفة في كلية الاداب/ جامعة الموصل

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي