رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2144

ربيعان في شتاء بغدادي

الاثنين - 11 شباط ( فبراير ) 2019

مازن الزيدي

حدثان مهمان شهدتهما العاصمة بغداد خلال الاسبوع الماضي، يمنحان المراقب مؤشرات لتغيّر المزاج السياسي والثقافي في الشارع العراقي. كما يعكسان التطور الايجابي على مستوى الامني والاجتماعي بعد عقد ونصف من الارهاب والصراعات المدمّرة.

اول هذين الحدثين من حيث الاهمية والتأثير كان انعقاد ملتقى الرافدين للحوار بحضور العشرات من الضيوف العرب والاجانب وبمشاركة شخصيات عراقية رسمية وغير رسمية واسعة وعالية المستوى.

لقد منح الملتقى عبر نحو ٢٠ جلسة حوارية تواصلت على مدى ثلاثة ايام وعقدت في بغداد والنجف، فرصة مهمة للدبلوماسية الناعمة التي نجحت بتغيير وتصويب الكثير من الصور النمطية عن العديد من الملفات السياسية والامنية والاقتصادية، ليس على المستوى المحلي بل على صعيد الشرق الاوسط.

صحيح ان اغلب جلسات المتلقى تركزت على التحديات المحلية التي تواجه استقرار النظام السياسي، والتحول الديمقراطي واعتماد معايير المأسسة والحوكمة، لكن ذلك لم يمنع ان تخصص اولى الجلسات للصراع في الشرق الاوسط وانعكاساته على العراق، او مناقشة امن واستقرار العراق من خلال رؤية سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الامن، او بحث تحديات عالمية كقضايا المناخ والبيئة؛ والتي نعتبرها عراقيا نوعاً من الترف الفكري رغم تأثيراتها المباشرة على حياتنا وحياة الاجيال المقبلة.

كانت وقائع المنتدى فرصة نادرة عجزت عن توفيرها وزارات ومؤسسات رسمية وغير رسمية تمتلك امكانيات هائلة، امام العشرات من الباحثين والصحفيين لبحثها مع الساسة وصناع القرار ومدّ الجسور التي قطعتها العناوين الرسمية وحالت دونها التقاليد البيرقراطية.

وبفضل تنظيم عال المستوى، اتيح لاول مرة ان يلتقي باحثون وصحفيون اجانب وعرب مع زملاء لهم في العراق من شتى الخلفيات ليتبادلوا الحديث عن شتى القضايا بشكل مباشر وصريح.

ولاول مرة تلتقي بجنرال اميركي دخل العراق مع دباباته ومارينزه عام ٢٠٠٣، لكنه يأتي اليوم ليستمع بسرور لردود الفعل العراقي الساخط على مواقف رئيسه الاخيرة من بقاء قواته في العراق. ولاول مرة يخوض ثلاثة ضيوف: سعودي وايراني وتركي جدلا موضوعيا في قلب بغداد حول مستقبل المنطقة في ظل التنافس والصراع الذي تخوضه بلدانهم وسبل منه اندلاع حرب جديدة.

لاول مرة يعقد هكذا ملتقى بهذا المستوى النوعي من الحضور، وتعلن الجهة المنظمة مسبقا الجهات الممولة والراعية.

واذا كان انعقاد ملتقى الرافدين بمثابة تظاهرة سياسية فكرية، فإن انطلاق اعمال معرض بغداد الدولي للكتاب مثّل تظاهرة ثقافية اسهمت بدورها في تأكيد صورة العراق الحضاري بعيدا عن صورة القتل والتفجير والاضطراب الامني الذي تحاول وسائل اعلام محلية وعربية تكريسه بشكل ممنهج.

فحجم المشاركة العربية في معرض الكتاب وتزايدها نسبة للدورة الماضية، عكست ثقة الناشرين والكتاب والاعلاميين العرب، الذين شاركوا في هذه الدورة، بالاستقرار الامني في بغداد وبقية المناطق، وساعدتهم على اكتشاف التحولات التي شهدها العراق الذي انقطعوا عنه منذ الثمانينات.

لقد اسهم كل ملتقى الرافدين ومعرض الكتاب بشكل مباشر ومؤثر في تقديم العراق الخارج من عقود الحرب والارهاب والازمات امام المئات من الضيوف العرب والاجانب كبقعة تضج بالحيوية والحياة، كما قدمت الانسان العراقي كشخصية خلاقة وقادرة على صناعة الحلول وعصية على الانكسار.

اقيم هذان الحدثان بجهود غير رسمية وبتسهيلات حكومية شحيحة نوعاً ما، لكن تزامنهما اعطى نتيجة سريعة وملموسة انعكست عبر انطباعات الضيوف والزائرين الذين ابدوا استغرابهم من حجم التشويه والتظليل الذي يتعرض له العراق على المستويات الامنية والاجتماعية والاقتصادية.

من هنا فإن الضرورة تحتم على الحكومة والجهات والوزارات الرسمية توسيع مثل هكذا ملتقيات ومعارض والمساعدة على اقامتها بأفضل شكل ممكن وبأكبر تسهيلات متاحة لديها، لطمأنة المستثمرين الاجانب والعرب، وتكريس واقع الاستقرار الذي نجم عن انتصارنا على داعش، واعادة ثقة المواطن بهيبة الدولة وعودتها.

كان الملتقى والمعرض ربيعان باغتا شتاء بغداد الذي طال، وآذنا بعودتها الى مكانتها التاريخية كما تستحقه.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي