رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2239

مسودَن العراق

الاثنين - 13 ايار( مايو ) 2019

 

د. زهير ياسين شليبه

 

كلُّ شيء جائز في هذه الدنيا. و لا أدري إن كنت قد قمتُ بكل هذه الأمور في الحلم وليس في الحقيقة. أي إن كلَّ شيء تم في خيالي أو في نومي. يتهيأ لي أني قمتُ بكلِّ هذا. هل ترى وجه الخطورة؟ لقد إختلطتْ علىَّ الأمور كما يختلط الحابل بالنابل. أنا خائفٌ من إعلان مثل هذه المخاوف لعائلتي وأصدقائي فقد يسيئون الظن بي. قد يعدّونني مخرفاً أو في طريقي نحو الخرف وقد يتصورونني مدمناً أو معتوها ومهلوسا. تصوَّر! 

رنَّ الهاتف. لا بد أنه الدكتور النفساني نيلس.

- أهلا نيلس،

- ……

- ستتصل فيما بعد؟ عندما سيفيقُ المريض من النوم؟ طيب!

الحمد لله. إتصلَّ الدكتورُ النفساني وأخبرني بأن الشخصَ الذي يجب أن أترجمَ له " ُمراجِعُنا أو مريضنا أو زبوننا " لا يزال نائما ولم يأتِ حتى الآن. وعدَني الدكتور نيلس بأن يتصل بي حال قدوم المريض إلى عيادته التي تقع في نفس البناية. وتمنى لي أيضا بأن أستمتع بهذا الوقت. إنه دكتور نفساني ويعرف قيمة الوقت والبشر، وكان يقول لي في أوقات الإنتظار: يصعب عليّ في كلّ مرة أعالج فيها مريضا نفسيا عراقيا بأن إنسان الميسابوتاميا، بلاد النهرين إلى هذه الدرجة مهان. اخبرته مرة ساخرا بأن أحد المرضى النفسيين العراقيين من المتعالجين عنده قال لي: الإنسان العراقي مسودَن!! وترجمت له الكلمة حرفيا، أي إني لم أكرر عليه ما سمعتُ مراراً وتكراراً من طالبي اللجوء العصبيين: العراقي مجنون، حساس، أرعن، قصير النظر، عصبي، متعصب، إنفعالي، بل مسودَن وزدت عليها قليلا من بهاراتي قائلا: وألف مسودَن والعباس أبو رأس الحار مشوّر به!! و لا علاقة لهذا المسودَن لا بالتاريخ الميسابوتامي و لا جغرافيته، هذا إنسان من طينة أخرى والخ من المصطلحات.

قلت للدكتور نيلس العراقي فنان، شاعر، ملهم، تشكيلي، متذمر ومحتج، حصان جامح صعب المراس والترويض، طبعا كنتُ أسخر وكان نيلس يدرك ذلك جيدا وحاول أن يوقفني عند حدّي. أذكر في وقتها أن نيلس قال لي : مسودَن!! ؟  إن السومريين القدامى كانوا يعتبرون السواد إشارة إلى الجنون! الدكتور النفساني نيلس هذا يدرس التاريخ الرافيديني في الجامعة ويعمل صباحاً نهاراً، لكن المرضى العراقيين يقولون عنه إنه مخبل لازم يتعالج ! مخبّل مرة واحدة، لم يقولوا عنه مثلا إنه يعاني، مرهق، مُتعبْ، مريض نفسياً! هو سمع بهذا القول من أحد مرضاه العراقيين، قالَ له ذلك كما لو يرمي الطينَ بوجهه، لكن الدكتورلم يبالِ له، أو إنه تظاهر بذلك كأي رجل محترف، قال مبتسماً: هذا أمر ممكن، لكني أحضر جلسات مع مشرف كي لا اتمرض نفسياً، كلنا بشر بحاجة لذلك بسبب ضغط العمل!

قلت له ساخرا: هل تشمل هذه الكلمة كلّ العراقيين: الآثوريين، العرب، الكُرد، الترك، التركمان، المسلمين، المسيحيين، الصابئة، اليزيديين الزرادشتيين العلياللاهيين؟

قال نيلس مبتسما: كل سكان ما بين النهرين بما فيهم أنت، بل أنت أولهم!! قلت له إذن هذا يشمل حتى سكان قرى عبدة الفروج! وغرقنا في الضحك.

طبعا فرحتُ. فرحتُ ليس لأن العراقيين "مسودنون" من الأصل، يعني قبل دخول العرب والمسلمين، وهذا أمر يمكن الأفتخار به، فنحن العراقيين أقدم الناس في المسودَنة أو السَودَنَة ولنا الأسبقية في ذلك وباع كبير، لكني فرحتُ أيضا لأن المريض النفسي العراقي، الذي علي أن أترجمَ له الآن لا يزال ينعم بالنوم العميق، عسى ولعلّه يتخلص من الكآبة والإحباط وضعف الذاكرة وعدم التركيز والفلاش باك وكلّ أمراض مسودَن العراق وإلخ من الأعراض النفسانية.

وفرحتُ لأني سأستمر بمواصلة التفكير والبحث عن الرسالة الضائعة والتطلع قليلا إلى مزهرية مليئة بالورود الحمراء الجميلة المتناسقة مع لون الستائر. أضفتْ هذه الزهور الحمراء بعض التفاؤل على نفسي، ولكني والحق يقالُ حزنتُ كثيرا ليس على الرسالة، بل غمرني شعور مقيت وقاتل بأني أضيع عمري وحياتي. حاولتُ أن أقنع نفسي بأن لا علاقة لضياع الرسالة بعمري ولكن دون جدوى! قد أكون غير دقيق و غير صادقٍ بخصوص هذه الرسالة، ولكن شعورا بالضمور والقنوط والإنتهاء قد غمرني وأخذ مأخذه مني.

قد أكون كتبتها في  الحلم متوهما أني كتبتها في "الحقيقة والواقع" كما كان يحلو لمعلمنا أن يقول. لا أدري في حقيقة الأمر ماذا أقولُ لك وكيف اشرحُ الأمر لك، فقد أكون حقا كتبتُ الرسالة وأرسلتها إليك ولكني فقدتُها في الحلم، وإذا حدث وان الرسالة لم تصلك فمعنى ذلك أن حلمي قد تحقق وأن أجهزة بريدنا الدنمركية المعروفة بالسرعة والتنظيم خاضعةٌ لأحلامي وهذا أمر خطير لا بد من بحثه مع الأخصائيين النفسانيين بمن فيهم الدكتور نيلس.    

بهذه الطريقة قد تتدخل أحلامي في مجريات أمور أكثر خطورة، تهز العالم. ومن الممكن أن تكون لها تأثيرات إيجابية كبيرة على العرب والبشرية. فماذا لو أني كنت قد حلمتُ باني تكلمت إلى الرئيس كلينتون في البيت الأبيض وأقنعته بأن يضغط على مسودَن العراق ويخبره بأن البيريسترويكا العراقية هي الحل الأمثل له وأنه سيضمن له المشاركة بإنتخابات نزيهة، أو رحيله هو وعياله إلى جزيرة يشتريها ويمتلكها ويحكمها حكما أبديا على هواه ومذاقه ومزاجه وقد تسنح له فرصة الحصول على العلاج النفساني عند الدكتور نيلس وسأترجم له بأفضل الطرق، وسيكتب مذكراتِه عن كل بطولاته وانكساراته، عندها سيستخلص العراقيون العبر والتجارب من حياتهم الماضية وسينعمون بوجود مسودنهم على قيد الحياة حتى في عصر إنعتاقهم منه وسيكون عبرة للأجيال.

و إذا رفض المسودَن هذا الطلب فسأكلّم كلينتون وأقنعه بأن يطبق السيناريو الروماني عليه ويتخلص منه كما فعلوا مع معتوه رومانيا وزوجته، لا، لا، لن أعطيه هذه النصيحة، لن أشي به لأنه عراقي مني، ولأنه سيتحول إلى بطل تاريخي قومي قتله الكاوبوي الأميريكان، ستحتفل بذكرى قتله الأجيال القادمة وستظهر مشاكل تؤدي إلى إقتتال الأخوة بين مؤيديه ومعارضيه. يا للهول! 

أما المسودَنون الإسرائيليون، فهؤلاء أيضا أخذوا سودَنَتَهُم من بابل ولهذا فعلى كلينتون أن يَفهمَ بأن الفلسطينيين بشر مثلهم مثل اليوغسلاف ويستحقون نفس العناية الإلهية، عفوا أقصد الأميريكانية وليقنعَ أو ليجبرَ  إهود باراك على التراجع عن التهديدات وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم كي نتخلص من كل أنواع المسودِنين من الخليج إلى المحيط وبالذات في العراق وبياناتهم الرنانة.

هذا حلمٌ مستحيلٌ مثل الحلم العربي ولا يمكن تحقيقه لا في الحقيقة ولا في الخيال ولا في رأسي. هذا حلمٌ مستحيلٌ. اقصدُ أن يتدخلَّ كلينتون لصالح  العراق والعرب ويخلصنا! لكن ماذا سيفعل كلينتون والأميركان في عالم بلا مسودنين يحكمون هنا وهناك؟ ماذا سيفعلون بلا مجانين يسممون "آخرَهم بكأس الأول" كما يقول جرير؟ اعتقد انها ستكون كارثة على الرؤساء الأميركان أن يديروا إداراتهم بلا رعناء وغوغاء ومشعوذين، وقد يعانون من البطالة وأزمة دعاية للإنتخابات وقد يُضطرون إلى إعادة تصنيع مسودنين وإنتاجهم بجودة أعلى لتصديرهم من جديد إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بل إيطاليا أيضا.

نعم، أنا غير متفائل، سوداوي، متشائم، كئيب، محبط، قانط، مدحور، مقهور، منخور بل يائس ومنهار لكني لستُ مهزوما وأقول هذا ليس من باب الكبرياء والإدعاء والتبجح. هذه هي الحقيقة، أنا إنسان عُوراقي كما يقول أحد الأصدقاء الأردنيين، مكابر، عنود، جرىء، طموح من جماعة " أحلامنا تزن الجبالَ رزانة ويفوقُ جاهلُنا فعالَ الجُهّلِ" لكني والحق يقال والحكي بيننا "هَمْ شويّة مسودَن!" والجيران كانوا يصيحون عليّ في طفولتي: مسودَن والله مسودَن والعباس مشوّر بيه!.

إذن هناك احتمالان بشكل عام وباختصار شديد: الأول إني لا أزال أعاني من "المسودنلغية" المخفية في شخصيتي، وأني رأيت نفسي في المنام جالسا أكتب رسالةً إليك. أي أنها مجرد رؤيا لا أكثر ولا أقل وأني أصلا لم أكتب لك يا صديقي العزيز رسالة. وإذا كان الأمر حقا كذلك فعلىَّ أيضا أن أتصلَّ بالدكتور النفساني وأشرح له الأمر لأنه في غاية الخطورة وهي سابقة لم تحدث في حياتي أن تتهيأ لي أمور لم أقم بها إطلاقا، هذا شيء لا يمكن أن أقبَلَه أنا على نفسي.

الاحتمال الثاني: هو إني فعلا كتبتُ الرسالة وأرسلتها في الحقيقة والواقع المعاش لا في الحلم ولا في الخيال وهذا أمر سعيد ومفرح بالنسبة لي لأنه يعني قبل كلَّ شيء أنك ستستلم الرسالة فعلا وعن حق وحقيق كما كنا نقول. ولكني أشعر مع ذلك بالمرارة والحزن والخوف من مستقبل حالتي النفسية. أنا قريب من حالة الشكوكية ومرض التردد وضعف الذاكرة. والإحساس بكل الإلتباسات والملابسات الإنسانية، أنا قريبٌ من الهاوية بل أنا على شفاها!

وهذه الأمور لا تدخل في حقيقة الأمر والواقع المعاش في صلب الموضوع الذي أنا بصدده. المهم هنا الآن هو أن أحاولَ كتابة القصيدة، عفوا أعني الرسالة. إعادة كتابة التاريخ كما يكرر مسودَن العراق!! هنا بيت القصيد! و هنا تكمن خطورة الموقف وجديته!

رنَّ الهاتف من جديد!

- نعم، هذا أنا

- أوكَي، أوكَي، لن يأتي المريض اليوم طيب مع السلامة!

إذن فعليَّ أن أعيد تدوين التاريخ. أعيد كتابة ما كتبته في الرسالة المفقودة أو المنقولة أو المسروقة. عليَّ باختصار وبالعربي الفصيح أن أكتبَ رسالةً أخرى.

ولكن ماذا إذا فضحتْ الرسالةُ الثانية تلفيقاً كتبتُه في المفقودة؟  ألم يقولوا الكذب "المصفّط" أحسن من الصدق المخربط ! كيف سيكون موقفي عندها أمامك. أنا والحكي بيننا ألفِّقُ في بعض المرات، وعندما أنسى نفسي يزداد تلفيقي للأمور!! يعني أضع بعض التوابل والبهارات على القصص مبالغا في تصويرها ليس لدرجة التهويل ولكني مع ذلك منزعجٌ، بل قلقٌ من أي سوء فهم يعطي إنطباعاً سيئاً عن حضرة جنابي ولا أريد أن أبدو كذابا أو مزوراً للقص والسرد والحكايات ولا ملفقا حقيقيا للتاريخ، معاذ الله من منافستي لمسودَن العراق والعرب في ذلك، هذه هي أشغالهم ولن أقطع أرزاقهم وما أنا إلا مجرد إنسان موتوووور، أتدخل في كلّ صغيرة وكبيرة، شاردة وواردة وأناقش وأتفلسف بدون مقابل، لكني لا أبحث في الجِيَفِ ولست من جماعة إن لم تنفع فَضُرْ ومن لم يدفعْ لك إهجِهِ أو إشتمه.

بل إني أحسدُ، لا، لا، العياذ بالله، أنا أغبطُ ولا أحسد، عيني أصلاً لا تصيب ابدأً، عيني شبعانه ولهذا باردة! أغبطُ الأخيارَ، وأغبطُ بعضَ الأحيان وفي حقيقة الأمر والواقع المعاشِ، أغبطُ الآخرين على قدرتهم في تزوير التاريخ بينما لا أقوى أنا حتى على الكذب الأبيض.

إنه أمرٌ جللٌ ومهولٌ! أقصدُ أن يزوّرَ المسودنون التاريخَ وينسبونه لأنفسهم! يا إلهي أي تلفيق هذا! أي تلفيق وتزييف وفبركة هذا؟! يا الهي!

نعم، هذه هي الحقيقة ولا بد لي من المصارحة قبل المصالحة كما يقال في هذه الأيام! وفي المناسبة ألم يقلْ الشاعر: أكذبُه أصدقُه؟ إذن لِمَ هذا الانزعاج مسبقا من التلفيق؟

رنَّ الهاتف مرةً أخرى! يا إلهي، عليّ أن اترك البحث عن الرسالة والوثائق وأن أكف عن التفكير بأي أمر آخر غير الترجمة للمريض المعاني!

- هذا أنا، مرة أخرى ... صحيح تأخرنا ولم يبقَ من إلا القليل من الوقت المحجوز ...

- آه، طيب، طيب، لا مانع لدي من الترجمة. من حسن حظك أنا لم أستلمْ حجزا جديدا. أنا حاضر للترجمة، دعني أتحدث إليه.

*          *         *

كما ترى يا صديقي فأنا قد أدخل في معمعةٍ لا تختلف كثيرا عن تزوير الحقائق والتاريخ في بعض المرات، بل أخطر منها فقد أُضطر لترجمة تلفيقاتٍ يفتعلها متمارضٌ مهووسٌ، محترفٌ في التزوير لا يبالي بكلِّ ما يمتُّ بصلةٍ بروح الإنسان وأحاسيسه وثقافته وتقاليده أو مريض حقيقي من بلاد النهرين الطافحين بالحب والإنفعالات والنار والدمار يحمل على كتفيه جبالا من الهموم وتدمع عيناه أنهارا من الدموع تكفي لسقي الصحراء الكبرى كلها بينما يتبجح مسودَن العراق بإحتفالات النصر وعيد ميلاده.

-------

* نشرت قصة "مسودن العراق" في صحيفة (الزمان) ـ عام 2000

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي