رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2202

الاقتصاد الفرنسي: تراكم الأزمات وتصاعد الاحتجاجات

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

فؤاد الصباغ*

يعاني الإقتصاد الفرنسي منذ بداية هذه العشرية من عديد العوائق و الصعوبات بحيث إنعكست تراكم تلك الأزمات علي الأوضاع الإجتماعية مما زادت بالنتيجية في تصاعد الإحتجاجات الشعبية تحت ما يسمي بأصحاب السترات الصفراء. إذ يوافق يوم 1 ماي من كل سنة اليوم العالمي للشغل و ذلك للإحتفال بمكاسب الطبقات العمالية الكادحة حول العالم. ففي هذا السياق تمثل نقابات الشغل في مجملها المدافع الرسمي عن حقوق العمال في كل دولة من دول العالم. و ذلك إما بالقوة عن طريق الإضراب العام أو السلمية عن طريق المسيرات الإحتجاجية المطالبة بالإصلاحات الهيكلية العامة و التي تشمل المطالبة بالزيادة في الأجور أو تحسين الخدمات الإجتماعية و الرعاية الصحية و التعليم. فيمثل هذا الحدث اليوم بفرنسا نقمة كبيرة لدي أغلب الطبقات العمالية نظرا لتردئ جميع المرافق الحيوية الراعية للمكاسب الوطنية لهذه الشريحة الكادحة منها غلاء الأسعار و إنخفاض الأجور بحيث تدهورت المقدرة الشرائية بشكل ملموس و ملحوظ. كما أيضا منها ما هو مادي أو خدماتي, علي الرغم من المفاوضات التي تجري كل سنة بين الحكومة الفرنسية و النقابات العامة قصد إجراء الإصلاحات الهيكلية الراعية لمصالح العمال. فكان هذا اليوم الإحتفالي من غرة ماي نقمة و سخط و تذمر شعبي و عدم الرضاء العام علي ما ألت إليه ظروف عيش الفرنسيين من الطبقات الوسطي و الفقيرة. فعلي الرغم من سلسلة الإحتجاجات لأصحاب السترات الصفراء التي إنطلقت منذ نهاية السنة الماضية 2018  و بالتوالي في كل يوم سبت من الأسبوع لم تستجب علي ضوءها الحكومة الفرنسية لمطالب تلك البراكين الشعبية الهائجة بحيث كان يوم إحتفال عيد العمال بفرنسا لسنة 2019 الموافق ليوم الإربعاء يوما من التمرد الشعبي و العصيان المدني مشابها كثيرا لأيام السبت السابقة. فهذا اليوم العالمي الموافق ل 1 ماي 2019 سيذكره التاريخ الوطني الفرنسي, حيث إنفجرت فيه قنبلة الكبت و القمع الحكومي لتلك الطبقات من العمال الكادحة لتخرج مجددا جحافل السترات الصفراء و تدخل في صراع مباشر مع قوات الشرطة الفرنسية. لكن التطور الخطير أن هذه المظاهرات السلمية المطالبة بتحسين ظروف العيش و المقدرة الشرائية للطبقات العمالية تحولت إلي أعمال تخريب و تصادم مع قوات الأمن الفرنسي حيث سجلت بعض أعمال التخريب و الحرق للسيارات في بعض ضواحي باريس. أما الحكومة بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانيال ماكرون فهي غير مهتمة كثيرا لهذه المطالب الشعبية التي إنطلقت منذ بداية شهر أفريل من سنة 2018 عن طريق إضراب عام عمال السكك الحديدية ثم بعد ذلك عمال أغلبية الشركات الخاصة و أيضا عمال الخطوط الجوية الفرنسية. و من المعروف عن دور النقابات الفرنسية في إحداث فجوة كبيرة في الخدمات من خلال قرارها إعلان الإضراب العام الذي أحيانا يشل جميع الحركات الإقتصادية أو تنقل الأشخاص مما يسبب خسائر مالية ضخمة و فادحة لخزينة الدولة. كما تواصلت سلسلة الإضرابات لتتحول بعد ذلك إلي حركة إحتجاجية متواصلة منذ أواخر سنة 2018 لتشكل بذلك ملامح تعاسة الوضع الإجتماعي و الإقتصادي الفرنسي من خلال ما يسمي إحتجاجات السبت الباريسية الصفراء. كما تدل جميع المؤشرات الإقتصادية علي تدهور تلك الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية خلال أواخر هذه العشرية التعيسة علي ظروف الفقراء و المحتاجين الفرنسيين خاصة منها إنخفاض الرصيد الخارجي للسلع و الخدمات (% من إجمالي الناتج المحلي), إنخفاض الناتج المحلي الإجمالي بالدولار و إنخفاض معدل مشاركة القوي العاملة مع تذبذب بقية المؤشرات بشكل ملحوظ و بصفة ضعيفة إجمالا مما يؤشر علي بوادر إنكماش إقتصادي خاصة منها في ظل الضبابية لعدم الإستقرار الإجتماعي. إن تراكم الأزمات عبر العجز في الميزانية و تفاقم المديونية وسط بيئة يسودها غياب العدالة الإجتماعية و غلاء للأسعار مع تدهور كلي للمقدرة الشرائية كانت في مجملها لها تأثيرات سلبية مما أدت بالنتيجة إلي عدم الإستقرار الإقتصادي الكلي. فتحول هذه المظاهرات الإحتجاجية إلي ثورة صفراء حقيقية بفرنسا ممكن أن تتسبب نتائجها بالإطاحة بحكومة ماكرون الرأسمالية الموالية لأصحاب النفوذ المالي و لوبيات رجال الأعمال خاصة أنها مازالت لا تولي إهتمام كبير لظروف عيش العمال المحتاجين كما أن معدل الأجور و نسق الزيادة فيها يعتبر نوعا ما متدهورا مقارنة مع الأجر الأدني لبعض الدول الأوروبية الأخري مثل ألمانيا و إسبانيا و بريطانيا. إن هذا الإنفجار العمالي للمطالبة بتحسين الظروف الإجتماعية له إنعكاسات سلبية علي الإقتصاد الفرنسي, إذا ما قررت نقابات الشغل الفرنسية في الدخول في إضراب عام متواصل منصهرة بذلك مع حركات إحتجاج أصحاب السترات الصفراء. فالأحداث التي تشهدها فرنسا حاليا و التي بدأت شعلتها في أواخر سنة 2018 تمثل جرس إنذار لحدوث عصيان مدني متواصل خاصة و أن نقابات العمال الفرنسية و حراك أصحاب السترات الصفراء أصبح لهم مطالب سياسية متمثلة في الإطاحة بالنظام الرأسمالي الفرنسي برمته و تأسيس نظام ديمقراطي شعبي إشتراكي تقوده جهات حزبية لها رؤية إقتصادية يسارية معتدلة. إذ في هذا الصدد جميع النقابات العمالية الكادحة بفرنسا متمسكة بمطالبها و التي تعد من أولياتها و أهداف مطالبها تحسين الظروف المعيشية و التوزيع العادل للثروة الوطنية مع تحقيق العدالة الإجتماعية. بالتالي يمثل تدهور الأجر الأدني عائق مالي رئيسي لدي أغلب الطبقات العمالية التي أصبحت غير قادرة علي تحقيق المعادلة بين المقدرة الشرائية و الرواتب الشهرية. عموما, يعتبر اليوم العالمي للعمال إحتفالا تسوده السعادة و الرفاهية و ليس إعتصاما و إحتجاجا نقمة علي الأوضاع المعيشية. إن ما تشهده حاليا فرنسا المريضة من أحداث عنف و حرق و تخريب مع الدخول في صراع مع قوات الأمن مؤشرا واضحا علي تدهور الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية بهذا البلد التعيس في تلك القارة العجوز التي أصبحت تعاني من الأمرين منها عدم إستقرار إقتصادي نتيجة لتراكم الأزمات و عدم إستقرار إجتماعي تنيجة لتصاعد الإحتجاجات. أما بالعودة إلي حقبة الماضي فالتجربة الإقتصادية الإشتراكية التي إنطلقت في عهد الجنرال ديغول و تواصلت في عهد الزعيم فرانسوا ميتيرون و خاصة خلال حقبة حكم الرئيس فرانسوا هولاند تعد ممتازة مقارنة مع حقبة حكم اليمين الفرنسي الليبرالي و الرأسمالي تحت قيادة نيكولا ساركوزي أو إيمانيويل ماكرون التي لم تراعي الحد الأدني للحقوق الإجتماعية للطبقات الفقيرة. إذا يمكن القول اليوم أن الأحزاب الإشتراكية و اليسارية مع تحالفها مع نقابات الشغل العامة تمثل البديل الوحيد لتوحش النظام الرأسمالي الذي أفقر البلاد و العباد بفرنسا و أدي إلي إنفجار تلك الفقاعة الإحتجاجية الصفراء مجددا للطبقات العمالية الكادحة في يوم عيدها العالمي.

* كاتب وباحث اقتصادي ـ تونس

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي