رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2242

فيلم "ميديا".. الخرافات والاساطير لإدانة الواقع المادي المتوحش

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

حميد عقبي*

قام المخرج السينمائي الايطالي بيير باولو بازوليني بمعالجة تراجيديا ” ميديا ” سينمائيا ، هذه المعالجة تحمل رؤية شخصية وذاتية، لم يلتزم تماما بذكر قدر كبير من المعلومات والرويات حول هذه الاسطورة فالفيلم اتسم ببناء درامي سلس ومتماسك ، لكن هدف بازوليني لم يكن عرض هذه التراجيديا ، بل كان هدفه شيئا اخر للحديث عن الواقع وليس عن الماضي البعيد، استغل المناخ التراجيدي الاسطوري لاظهار الصراع بين ثقافتين ، الاولى ثقافة وحضارة بربرية بدائية هي حضارة ميديا والثانية مدنية حديثة هي حضارة جاسون .

في بداية الفيلم نشاهد مشهدا طويلا يقترب من الاسلوب الوثائقي حيث يسيطر الصمت، لا يوجد اي تعليق مكتوب او مسموع ليتم الزج بنا في عالم غرائبي مدهش ومثير، نعيش لحظات تقديم قربان بشري لاله الشمس كي تمنح المطر والحياة للارض الجرداء، نرى ميديا هذه المراة الجميلة الساحرة والكاهنة تشرف على هذه الطقوس الدينية.

الكاميرا في هذا المشهد الطويل ليست مجرد شاهد عيان بل جزء من الحدث فهي حاضرة بشكل حساس، تعرض تفاصيل دقيقة وتحلق حول الوجوه وتتامل الموقف من بعيد لترسم لوحات فنية مدهشة ثم تقترب لتصور الوجوه والابتسامات وتتيح للبعض النظر اليها، ثم تعكس وجهة نظر البعض لبعض التفاصيل، الكاميرا نجدها ديناميكية، لا تظل كسولة وثابتة، تتحرك مع تحرك الجموع احيانا لتتوقف في بعض الاحيان وتتخذ عدة مواضع وزوايا لتعطي للمشهد روحا ديناميكية ومعاني متعددة، تفوح رائحة الشعر الساحر.

هذا الفيلم يعطي انطباعا سياسيا واضحا حين يعرض ثقافة الهمجية والبدائية، يمكن القول انها ثقافة الطبقة الفقيرة البروليتاريا والتي تنشأ في تناقض قوي مع الثقافة الحديثة اي البرجوازية والتي يمثلها جاسون.

بازوليني في احدى حواراته اعترف بذلك بقوله ان ميديا هو المواجهة بين الكون القديم الهيروطيقية ورجال الدين مع العالم العقلاني البرجماتي المادي .

جاسون هنا هو البطل الحالي الواقع السياسي الحاضر، اي العصري الذي يفقد المعاني و القيم و الاحساس بالعالم الميتافيزيقي بل اكثر من ذلك كونه لا يكلف نفسه حتى مجرد طرح تساؤلات حول هذا العالم الروحي الخيالي .

ميديا هنا لديها نظرة العالم الثالث، نظرة اعتقاد بالمقدسات وحياة مليئة بالخرافات، من اجل هذه المقدسات من الممكن التضحيةوتقديم قربان بشري، يتم تقديمه في شكل احتفالي فرائحي بهيج وليس في صورة حزائنية جنائزية.

جاسون وجيشه القادم من عالم اخر متحضر مدني طغت عليه روح المادة، كان كل همهم الاستيلاء على الذهب وتدنيس المقدسات .

بازوليني يعيد هنا كتابة التاريخ الحديث او يقدم شهادة صادقة بصورة اكثر واقعية وتعبير شعري مدهش، فالاستعمار الغربي زحف على دول عديدة في المشرق وافريقيا وكان كل همه نهب الذهب والثروات المعدنية.

يعرض بازوليني وجهة نظره هذه بشجاعة منتقدا العالم الراسمالي والخطط الاستعمارية المدمرة ، فهنا قد تقسو الطبيعة ليحل الموت بسب الجفاف او اي كارثة طبيعية، يمكن للانسان الاستنجاد بالالهة، ثم التعايش مع الموت وانتظار الفرج ولكن عندما يأتي المستعمر فهو اكثر وحشية من الموت نفسه .

في هذا الفيلم تكون ميديا هي البطلة التراجيدية الماسوية وهي روح هذه التراجيديا بل الضحية والمجني عليها، فهي امرأة امتلكت عناصر الجمال والفتنة والقوة والسحر والشرف والقداسة، وهي امرأة في مجتمع ابوي سلطوي، لكنها ثارت ضد سلطة الاب، استخدمت كل الوسائل والامكانيات من اجل الحبيب، من اجل الحب الجنوني تخلت عن الدين والارض والوطن وذبحت شقيقها بشكل بشع، لكنها عندما خانها الحبيب انتقمت ايضا منه بوحشية كي تلقن الرجال درسا قاسيا ومرعبا.

عندما تغادر ميديا وطنها، اثناء هروبها مع حبيبها الى العالم الاخر نلاحظ تحول في الالوان لتسود الالوان الرمادية الداكنة وغياب اللون الاخضر من ناحية الشكل، وكذا غياب الاغاني والاهازيج، فيسود الصمت، نراها وحيده في القارب، في مشهد اخر نرى الجيش يخيم في ارض قاحلة وصلبة، ينشغل الجميع باعداد الطعام، وحدها ميديا تحاول التعرف على الارض ومناداة ارضها التي هجرتها، تشعر بالحنين لتلك الارض، الى تلك القداسة المفقودة، تركض في كل الاتجاهات كحيوان جريح، تشعر بانها فقدت روحها، ياتي بعدها حاسون ليمارس معها الجنس، نرى ان مشهد الحب جاء بعد مشهد اعداد واكل الطعام، كعادته بازوليني يرى ان العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نوع من الاستهلاك المادي التافه.

نلاحظ ان الاغاني والاهازيج الشعبية لم يتم انتاجها والاستعانة بفرق سيمفونية او تقنيات ضخمة، بل كانت بسيطة ومعبرة وشعبية جدا، لعل هذا الاجراء خلق روح حية ومعبرة ليخرجها من اطار الحكاية الى اسطورة حية تعاش لحظة بلحظة .

بازوليني في هذا الفيلم يلقننا ايضا درسا سينمائيا بهذا التنوع العجيب في مناخات متعددة، فقد تم التصوير في سوريا و تركيا وجنوب ايطاليا، تم بذل جهود خارقة ليزج بنا في عالم متناقض، فتارة نحن امام عوالم روحانية ميتافيزيقية وتارة ينقلنا لواقع مادي جامد ومزعج حيث نفتقد الروح والحلم والبهجة .

في الغربة، موطن جاسون نحن امام مجتمع استهلاكي حيث لا اهازيج ولا الهة ولا صلوات ولا ارض تزرع، فالرقص مثلا في احد المشاهد ليس فن او صلاة بل نوع من الاستهلاك، كذلك نرى مثلا في احدى اللقطات مجموعة من الاطفال ياكلون بطيخا احمر، كذلك طقوس زواج جاسون من ابنة الملك هو نوع من الاستهلاك، اي زواج مصلحة، فجاسون هنا يبحث عن السلطة ويريد العرش، يتنكر لتضحيات ميديا.

في هذه المحنة تعود ميديا الى الالهة، تبحث وتستحضر القداسة والروح، في نهاية الفيلم تقوم بحرق بيتها واطفالها، تدفع ضريبة البعد عن امها الشمس، لاتريد ان تجعلهم يكبرون ويعيشون في عالم ابوهم المادي، لقد غسلت اجسامهم وطهرتهم وعطرتهم لتخلد ارواحهم، لتكون ابناء لالهة عظام ومقدسة، وليس لقائد عسكري مادي ومتوحش يركض وراء المال والشهوة والسلطة. قتل الابناء ربما يفهم البعض انهم قربان او ضريبة، بازوليني قدم وختم فيلمة بصرخة احتجاج ضد الحروب الوحشية الحديثة التي تم ارتكابها دون وازع انساني ولاغراض مادية بحتة، اي انه استخدم الخرافة لتقديم صورة الواقع الدموي المتوحش، هو ايضا اراد توثيق جريمة القنابل الذرية وضحايها، فالفيلم شهادة عصرية و وثيقة احتجاجية وليت بازوليني عاش اكثر وشهد تطورات الحرب الباردة ثم الحروب والجرائم التي ارتكبت حديثا وما حل بعالمنا من دمار وخلل في القيم وضياع الروح والامل وسيادة العنف والارهاب بالتاكيد كان سيكون له مواقف مختلف.

 سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي