رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 22 اب( اغسطس ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2259

"سنترال بارك".. رواية العيش من جديد بعد مصيبة كبرى

الأحد - 26 ايار( مايو ) 2019

 

قراءة/ سماح عادل

رواية “سنترال بارك” للكاتب الفرنسي “غيوم ميسو” هي رواية بوليسية مشوقة تحكي عن البدايات بعد الهزائم والانكسارات.

الشخصيات..

أليس شافر: كابتن في فرقة مكافحة الجريمة في فرنسا، وهي بطلة الرواية، سيدة في أواخر الثلاثينات من عمرها، تعرضت لهزيمة كبرى في حياتها وفاجعة لكنها شرطية ناجحة تعطي لعملها الأولوية، وبعد أن تمالكت نفسها من صدمتها الكبرى تجد نفسها واقعة في شرك مرض الزهايمر، وهي مازالت شابة ويجعلها ذلك تقرر الموت لكن الرواية تنتهي بشيء آخر.

غابيريل كوين: طبيب نفسي ماهر يقنع “أليس” أنه عازف بيانو في فرقة جاز، ثم ضابط في الشرطة الأمريكية، وذلك لكي يعيدها إلى المستشفى التي هربت منها في أمريكا، ولكي يجعلها تواجه مخاوفها وآلامها، وفي النهاية يعلن لها حبه.

بول مالوري: طبيب، وهو زوج “أليس” الذي توفى في حادث مأساوي، وقد كان هادئا رزينا يعاملها بلطف ومحبة ويتقبل كل عيوبها.

 

كلارا ماتوران: سيدة قتلت من قبل قاتل متسلسل، كانت له طريقته الخاصة في القتل، وكانت قضية هذه السيدة هي بداية الفاجعة التي حدثت ل”أليس”.

اريك فوغن: القاتل المتسلسل الذي قتل عدة فتيات بطريقة واحدة، حيث كان يخنقهن بجوارب نايلون، ثم اكتشفت “أليس” أمره وهي حامل فطعنها وطعن طفلها وكادت أن تموت، ثم انتقم والدها منه وقتله.

سيمور: صديق “أليس” في الشرطة وهو صديق مقرب لها يساعدها على مواجهة فاجعتها، ويسعى إلى علاجها من مرض الزهايمر، وهو مثلي ومهتم بالفن واللوحات.

أبوها: أبو “أليس”، هو ضابط شرطة متقاعد، رغم نجاحه في عمله بالشرطة إلا أنه ينجر إلى التواطؤ مع المجرمين ليحقق مكاسب مادية، لكنه يظل يدعم ابنته لأنها المقربة إليه.

الراوي..

الراوي في الرواية اثنان، راو عليم يحكي عن الأحداث، والبطلة التي تحكي بضمير المتكلم، وتعود بالزمن إلى الوراء لتحكي عن أحداث مرت بها، ثم تنتقل إلى الحاضر لتكمل سرد الأحداث الجارية، والراوي العليم يكمل الثغرات التي في حكي الراوي البطلة، لكنه يحكي من خلال عيونها هي ووجهة نظرها أيضا، ولا يحكي عنها أو يحكي بعيون شخصيات أخرى.

السرد..

السرد مشوق كما هي عادة روايات “غيوم ميسو” يعتمد على نسبة كبيرة من التشويق، وعلى المفاجآت والاكتشافات الجديدة طوال الرواية، ويظل يكشف مفاجآت حتى النهاية، وهذه أهم ميزة تميز سرد “غيوم ميسو” أنه يبني حكيه على سلسلة من الأحداث المتصاعدة والمتداخلة، التي تشي للقارئ بأشياء ثم تنفيها لتكشف أشياء أخرى مخالفة لها تماما، كما يتميز سرد “غيوم ميسو” بأنه يحكي بعمق عن بعض الشخصيات وخاصة الأبطال، ويهتم بتاريخهم وماضيهم وعرض سماتهم الشخصية وصفاتهم، وتأثيرات الطفولة عليهم والعائلة، في حين يبقي شخصيات أخرى هامشية يقتصر دورها على مساعدة الأبطال والمساعدة في تسيير الأحداث، الرواية تقع في حوالي 320 صفحة من القطع المتوسط، والنهاية سعيدة تؤكد على استمرار الحياة.

العيش من جديد بعد مصيبة كبرى..

رواية “غيوم ميسو” “سنترال بارك” تتشابه مع روايات أخرى له، في أنها تعتمد على التشويق وعلى الأجواء البوليسية وجو المغامرات والحركة السريعة، كما أنها تعتمد على قصة حب بين غريبين تماما تشاء الظروف أن ينخرطا معا في مغامرة مثيرة وأحداث كثيرة، مما يولد لديهما مشاعر القرب والانجذاب، كما أن الكاتب يؤكد، كما في روايات أخرى له، على الحب من النظرة الأولى والذي يقع غالبا فيه البطل أسير لجمال البطلة الشكلي وملامحها وما تشي به نظراتها من معاني، ثم مع قضاءه عدة أيام أو حتى عدة ساعات بصحبتها وتعاونهما معا، في حل مشكلة أو حل لغز أو كشف جريمة، يجد نفسه مبهورا بشخصيتها ويقرر الارتباط بها وتكملة حياته معها، وهذا هو حب بسيط وعفوي ينشأ في لهب المغامرة الساخن.

كما تتميز دوما الشخصيات النسائية لدى “غيوم ميسو” بالقوة والإقدام والشجاعة، فمعظم بطلات رواياته التي قرأتها حتى الآن، أربعة روايات، سيدات قويات ناجحات في عملهن، قد تهزمهن أحداث أو مآسي أو فواجع، أو حب فاشل أو وحدة عميقة أو علاقات سيئة بالعائلة، لكنهن جميعا يتغلبن على تلك المشكلات، ويستطعن المواصلة في النجاح في العمل، كما يؤدين بفاعلية في كشف الجرائم أو حل الألغاز ولا يكن فقط شريكات للأبطال الرجال في ذلك، وإنما قد يتفوقن عليهم في كشف المعلومات وحل الألغاز ومواجهة الخطر.

في هذه الرواية أهم ما يؤكد عليه الكاتب من خلال قصته المشوقة هو البدء من جديد بعد مصيبة كبرى، ف”أليس” الشرطية الناجحة التي تأثرت بوالدها الشرطي كثيرا وتفوقت في مهنتها بعد أن قررت أن تصبح مثله، حتى أنها كسبت عداوة باقي العائلة سواء الأم أو أخيها وأختها بسبب قربها الشديد من والدها وتفضيله لها، “أليس” تتعرض لمصيبة كبرى نتيجة اندفاعها وحبها الشديد لعملها وإخلاصها وتفانيها فيه.

فهي تقضي الليالي والأيام في حل ألغاز الجرائم التي تحقق فيها هي وفريقها، وقد تستبق فريق عملها وتتصرف وحدها دون استعانة بهم، مثلما حدث لها حين كانت حاملا وتوشك على الولادة، لكنها ذهبت إلى بيت المجرم المتسلسل الذي قتل عدة فتيات شابات بطريقة واحدة، وتعرضت لأن يطعنها هي وطفلها، وتوشك على الموت ويموت طفلها، ولا تنتهي مآساتها عند هذا الحد، بل ويموت زوجها الطبيب حين كان يحاول الوصول إليها في المستشفى، فتفقد زوجها وابنها في نفس اليوم وتنهار تماما، وتظل تعيش بذنب أنها هي المتسببة في قتل ابنها وزوجها.

ولكن أبوها وصديقها “سيمور” يدعمانها ويعيشان معها حتى تقف على رجليها، وتعود لعملها وتواصل نجاحاتها فيه. لكنها ورغم أنها تواجه تأثير مصبيتها النفسية عليها بقوة وتحدي، وتحاول قدر الإمكان أن تتماسك وتواصل حياتها، رغم الضغوطات في العمل ومشاحنات المديرة والزملاء الذين يتحينون الفرصة لإفقادها عملها، تصاب بمرض الزهايمر وهي بعد في أواخر الثلاثينات، ويصبح هذا المرض الذريعة الذي تفقد بسببه عملها، وتتوقف بعد علمها بمرضها عن تخزين أي شيء في ذاكرتها، وتنهار تماما وتحاول الانتحار، وتهرب من المستشفى الذي اقترح صديقها “سيمور” التحاقها بها في أمريكا، لأنها تجرب طرقا جديدة في محاربة الزهايمر أو على الأقل الحد من مخاطره وانتشاره.

يدخلها أحد الأطباء النفسيين، وصديق مالك المستشفى والذي استعان به لإرجاع “أليس” إلى المستشفى، في مغامرة مفتعلة بعد علمه بأنها شرطية، ويحاول من خلال هذه المغامرة المساهمة في علاجها وجعلها تتقبل مرضها، وحين ينجح في إعادتها إلى المستشفى وتكتشف أنه خدعها بعد أن كادت تقتله، ظنا منها أنه هو المجرم المتسلسل، تغضب كثيرا وتحاول أن تنتحر، لكنه يفاجئها بأنه يحبها، وأنه يتمنى أن يبدء معا من جديد، وتكوين حياة جديدة بعد أن عاشا هما الاثنان حياة تعيسة وبائسة.

كما يتميز “غيوم ميسو” في هذه الرواية أنه تناول بعمق شخصية “أليس” ومخاوفها واضطراباتها ومشاكلها العائلية التي تسببت في تضخم إحساس الوحدة داخلها، لكنها حين وجدت زوجها “بول” شعرت بأنها تخلصت من هذه المخاوف لأنه قبلها كما هي بحماقاتها وسلوكياتها، وشجاعتها التي تصل إلى حد الوقوع في الخطر. وحتى بعد مآساتها وجدت من يقبلها مرة أخرى رغم مرضها، ويتمنى أن يشاركها حياتها، فهو يقدم الشخصية في ضعفها وقوتها وفي جميع أحوالها.

كما ويؤكد المؤلف على كون الشرطة جهازا ليس شريفا تماما، فرغم وجود بعض الشرطيين الأكفاء الذين تشغلهم الجريمة ويسعون إلى حل ألغازها ليجنبوا المجتمع مخاطر أخرى، إلا أن هناك شرطيون آخرون يستسلمون للطمع وينجرفون وراء رغباتهم ويصبحون متواطئون مع الجريمة بل ومشاركين فيها، كما انتقد جهاز الشرطة في فرنسا وحتى في أمريكا، بسبب البيروقراطية والسعي إلى تحقيق مصالح فردية، ووجود تنافس مرضي.

وأشار أيضا أثناء حكيه عن حياة “غابرييل كوين” عن مافيا المخدرات والدعارة في أمريكا، خاصة في الأحياء الفقيرة والذين يستخدمون الشباب كوقود لتجارتهم الرابحة، وحين يجدون من يحاول مساعدة هؤلاء الشباب وإخراجهم من الدائرة الجهنمية للاستغلال يحاربوهم بشدة، مثلما حدث مع “غابرييل كوين” الطبيب النفسي الذي كان يساعد الشباب من المنخرطين في تجارة المخدرات أو الدعارة، من خلال جمعية خيرية، إلا أنه تعرض لأذى هذه العصابات حتى أنهم فخخوا سيارته وراحت أخت زوجته ضحية لذلك، وخسر هو طفله نتيجة لتعنت زوجته وطلبها الطلاق واستحواذها على ابنه.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي