رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 6 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2409

طائفية ساسة العراق وعنصريتهم

الخميس - 19 اذار( مارس ) 2020

رياض سعد 
الحلقة الثالثة
(طالب النقيب)
بينما تصنف الكوفة جمجمة العرب, وحيرة الملوك المناذرة, والناصرية صاحبة واقعة ذي قار وبني شيبان, والبصرة التي هاجرت اليها القبائل العربية وحدانا وزرافات, وميسان التي رد الخليفة عمر بن الخطاب سبيها آنذاك لانهم من العرب – وهذا يعني ان العرب يقطنونها قبل مجيء المسلمين للعراق - ... على انها اعجمية وهندية وصفوية... الخ؛ هذا الخط المنكوس وهذه اكاذيبه والاعيبه التي اضحت لا تخفى على بصير ذي عينين. 
واليكم هذه المقارنة بين نقيبين واحوازيين، مر عليكم انفا الموقف بين النقيب عبدالرحمن والاحوازي النجفي الشاعر عبد الحسين، والنقيب الاخر السيد طالب النقيب والشيخ الامير خزعل الكعبي، فقد ارسل طالب النقيب اليه رسالة، تكشف لنا بعض حقائق هؤلاء وتسلط الاضواء على سلوكياتهم ومواقفهم المتناقضة المضطربة المتغيرة والتي لا تستند الى مبادئ نبيلة او اسس رصينة او قيم سامية. وهذه نص الرسالة: ((سيدي الاخ المحترم دمتم موفقا امين , بعد التحية والتعظيم ابدي شوقي واشتياقي الذي لا يمكن اصفه , واخلاص المعلوم الذي ما يمكنك تخفيه , واني اشهر من نار على علم بتفاني لشخصك الكريم , واحب ان تكون مراجعاتك المادية والمعنوية لأخيك  لأنه  يقدمك على حياته  في كل الامور , وحيث لي معتقد ان اخلاصك للدولة الفخيمة البريطانية تقدمك على غيرك في كل الامور اذاء احرزت  اكثرية الاراء , فيقتضي الاجهاد الكامل والسعي الحثيث بشرط ان تدخل البيت من بابه فاذاء وافق رأيك, فحاملها يتوجه معك , وتتذكرون وانك تنجح اذا تشمر ساعد الاجتهاد والسعي المتواصل, يشرفني عن صحتك وصحة الاولاد واخبار سياحتكم ونجاح مسعاكم واقبل تحياتي الخاصة سيدي))؛ والرسالة كما هو واضح مملوءة بالأخطاء الاملائية والنحوية اضافة الى وركاكة الاسلوب، وضعف التعبير فيها, ولكن اللافت للنظر تملق هذه الشرذمة لأصحاب النفوذ, وخنوعهم امام الحكام, وجشعهم وطمعهم، فهم كانوا وما زالوا يستجدون الاموال من كل من عليها, ويتسولون امام ابواب السفارات والمخابرات؛ فالنقيب في هذه الرسالة يمجد بريطانيا صاحبة الفخامة، ويدعو الشيخ خزعل للاتفاق معهم لاعتلاء عرش العراق، بعد ان يأس من الفوز به، لا حبا بالشيخ خزعل، بل حب بإقليم البصرة. حلمه الذي طالما راوده، وقد كشفت لنا هذه الرسالة عن كرم الشيخ خزعل واياديه وافضاله على طالب النقيب، متغاضيا عن طائفيته ومتعاليا على عنصريته؛ فالإناء ينضح بما فيه ... 
 ولعل الشيخ خزعل الكعبي وكل ابناء البصرة الأطايب، يحسبون أن المعاملة الإنسانية واكرام طالب النقيب، ومن على شاكلته من الغرباء الوافدين، قد تغير في طباع من جبلت نفسه على الإيذاء والشغب وإثارة النعرات الطائفية. وعلى كل حال فإن عمله الإنساني هذا أكد واقع الإنسان العراقي الجنوبي المسؤول، الذي يدفعه همه الاجتماعي وحسه الانساني وجذوره الحضارية النبيلة، أن يفعل في سبيل وحدة الأمة مهما أمكن وسعادة العراقيين والمسلمين، ولكن تقدير النتائج لم تكن من صنعه، فللظروف أحكامها، وللنفوس نوازعها، والأمراض الدفينة لا يمكن برؤها بسهولة، وتبقى كامنة لا تكتشف إلا بمجاهر حساسة؛ فقد فتك الغادرون بالعراق ولاسيما جنوبه واذاقوا أهله كؤوس الصبر والحنظل.
ولعل سائل يسأل: الى متى تبقى القوى الاجنبية تفرض علينا قيادات غريبة وشخصيات جاءت من بلاد بعيدة لحكم العراق ولاسيما جنوبه؛ ولعل طالب النقيب مثالا واضحا، فقدوا جاؤوا مهاجرين، لا يعرف لهم اصل ولا فصل، وفي غضون بضعة عقود يدعي طالب النقيب تمثيل البصرة ويطالب بحكمها بل بحكم العراق العظيم؟!
بينما يعيش الجنوبيون عقودا طويلة من الزمن وفي عاصمتهم بغداد التي بنوا اغلب احيائها الجديدة بسواعدهم السمر, كما بناها اجدادهم الاوائل - أول مرة - من النبط والعرب القدامى عند تأسيسها؛ كأنهم غرباء وطارئين ولا يحق لهم التكلم باسم بغداد التي هي امتداد لسهلهم الرسوبي ...!!  ومن سخرية الاقدار ان عائلة النقيب بفروعها العثمانية المتحدة  – فرع بغداد وفرع البصرة وفرع الموصل ... كأنها شركة مساهمة وليست عائلة -  اصبحت تسرح وتمرح في العراق وتقرر مصيره كيفما تشاء؛ اذ يذكر لنا التاريخ ان ممثلي الشعب من الاغلبية العراقية ومن الوطنيين الاخرين رفضوا معاهدة الانتداب، فصرخ بهم المعتوه الخرف والطائفي البغيض الشيخ عبد الرحمن النقيب قائلا: "أنا صاحب البلاد فما شأنكم أنتم".
ولا عجب في ذلك، فطالما فرضت القوى المنكوسة على العراقيين قيادات دخيلة, ومسارات سياسية ظالمة, وادعاءات باطلة, وثقافات غريبة, وأيدولوجيات حزبية شوفونية، واستمرت هذه الحال طوال ثمانية عقود، تحكمنا الغربان والذئاب والكلاب والضباع. 
إذا كان الغراب دليل قوم .... فلا فلحوا ولا فلح الغرابُ
وكلما حاول البعض تلميع صور الشخصيات الطائفية والعنصرية البغيضة، باؤوا بالخسران وضعف الدليل و البرهان، فقصة حقيقية واحدة كفيلة بإبطال مئات القصص السلطوية والطائفية المزيفة, وعندما شكل الشيخ عبد الرحمن النقيب وزارته الاولى, كانت طائفيته بادية للعيان, حيث لم تضم حكومته ولا وزيرا شيعيا فعليا باستثناء الوزير بحر العلوم الذي رشح في ما بعد، بدلا من الوزير عزت باشا كركوكلي – الوزارات الفعلية - بينما ضمت وزيرا مسيحيا واخر يهوديا، وحينما سُئِل النقيب عن ذلك، قال: ان الشيعة ليسوا مسلمين!
العثماني المجهول الخرف، يصف العراقيين بانهم ليسوا مسلمين... الا يعلم هذا العثماني العميل ان اهل العراق من اول الشعوب اسلاما؟ ولولا العراقيون لما فتح بلد من بلدان المعمورة حينها؟ الا يعلم ان مدارس النحو العربي والفقه الاسلامي كلها انبثقت من العراق عندما كان نطفة قذرة هو وامثاله في اصلاب الكفار من الترك والمغول والتتار والروم وقتذاك؟!          
هؤلاء هم الحية السامة الرقطاء التي حذر منها الشاعر العراقي الوطني بحر العلوم في قصيدته (اين حقي)، وهو يحذر شباب العراق منها عام 1934: 
واترك شعورَ الطَّائفيةِ جانبًا ** فالطَّائفيةُ حيَّةٌ رقطاءُ
يأتي بها ذَنبٌ ويصبح باسمها ** رأسٌ تقبل ذنبه السُّفهاء
خلاص الشعب وتطور العراق واحياء الامجاد العراقية، رهن تجفيف منابع هذا الفكر الطائفي المشوه والقومي المشوش والعنصري البغيض، وايداع تلك المسوخ البشرية في السجون ومراكز التأهيل النفسية والاجتماعية، لان هؤلاء المؤمنين بهذه الافكار الهدامة من اخطر المرضى الذين يهددون سلامة وامن المجتمع العراقي. ويجب على العراقيين الاحرار العمل الدؤوب لسن قوانين وطنية، تجرم هذه الافكار الطائفية والعنصرية والشوفينية, وهذا بدوره لن يتحقق الا من خلال سياسة تنشأ لمثل تلك المهام الخطرة.
من السهل القضاء على البعثيين المجرمين واعضاء القاعدة وداعش الارهابيين والمليشيات الاجرامية الان، لكن المشكلة تكمن في ان تلك المفاهيم نفسها ستظهر دائما بمسميات مختلفة مع نفس المنهج الفكري المنكوس، فلكي يصبح العراق امنا لا بد من تجفيف منابع هذه الافكار الهدامة والرؤى الظلامية. 
وهذه العوائل التي ظهرت فجأة على سطح الاحداث وبالتزامن مع سيطرة العثمانيين الكاملة على الاراضي العراقية كعائلة النقيب وغيرها في الجنوب العراقي، جنت ثمار خدمتها للأتراك وتعاونها معهم. اما بخصوص بعض الاختلافات السطحية في ما بينهم فهي، فإنها خلافات هامشية مفتعلة لإقناع الجماهير بأدوارهم المرسومة, او لأجل تحصيل بعض المكاسب الاضافية، حتى تمرداتهم وقتية ناشئة من الطمع وحب السيطرة؛ اذ ان كلا الطرفين عدوهما واحد الا وهو الشعب العراقي, وهدفهما مشترك: نهب ثروات العراق. 
وقد دعم الاحتلال التركي هذه العوائل العميلة الدخيلة، وسهل لها الاستحواذ على المنافع والمكاسب؛ اذ اسفرت هذه الاجراءات العثمانية الجائرة عن انشاء نظام الاقطاعيات الجديد – بصيغته العثمانية - الذي استفادت منه هذه العوائل الغريبة والعميلة، واضحت طبقة مالكة بعدما كانت معدمة وخادمة للأتراك ومرتزقة، تتحول من مكان الى اخر, فقد ملكوا  الأراضيّ التي تُشكّل الوسائل الإنتاجيّة آنذاك، ومن ثمّ حرصت هذه العوائل على استغلال الفلاحين للعمل فيها؛ حيث كانت الأراضيّ في تلك الحقبة الزمنيّة هي الوسيلة الأساسيّة للإنتاج، وشملت الأملاك الإقطاعيّة كُلّاً من أراضيّ القُرى والمُدن بما فيها بغداد. 
بينما كان المجتمع العراقي الجنوبي مجتمعا قبليا يحوز الاراضي الزراعية بشكل جماعي عاما مشاعا بين افراد القبيلة؛ وكان يطلق على تلك المشاعيات آنذاك بـ((السلف)) مثلا هذا سلف البو محمد وذاك سلف السواعد، وتلك اراضي البو دراج، وهذه ديرة بني لام وهكذا؛ حيث الاهوار والنهر والجداول والاراضي الخصبة والمروج الخضراء وانواع الطيور والاسماك والبقر والجاموس والغنم والدواجن والنعم الوفيرة والعيشة الهنيئة الرغيدة، وقد اطلق الرحالة الاجانب على بطائح الجنوب اسم (جنة عدن) او (فينيسيا العراق)...؛ الا ان الحال قد تغير والوضع تبدل مع مجيء المحتل الانكليز الخبيث الذي كلما دخل بلادا جعل اعزة اهلها اذلة..., ومن هذه العوائل المستفيدة من كلا العهدين الجائرين العثماني والبريطاني عائلة السيد طالب النقيب، وللنقيب هذا سجل حافل بالمظالم في ما يخص اراضي البصرة وغيرها، والتي استولوا عليها بطرق ملتوية, الا ان ابناء العراق الاصلاء الاحرار كانوا بالمرصاد له، ولأمثاله من الطارئين الظالمين, ولعل هذه الاهزوجة الشعبية التي رددها العراقيون الاصلاء بحق طالب النقيب تكشف لنا مدى جشع وطمع هذا الطارئ الطائفي: (ثلث الله وثلثين الطالب وثلث الله يطالب بي طالب). 
وبهذه الطرق الباطلة والنهج السياسي الاعوج المرتبط بالمحتل، امتلك الإقطاعيون الغرباء والعملاء، إمارات نفوذ، سميت بأسمائهم، وقصورا، وأصبحوا بمرور الزمن أسيادا لبعض الناس، مع العلم أن هؤلاء الإقطاعيين الجدد ليسوا عراقيي الأصل، بل ان أكثرهم ينتمي إلى أصول تركية وأجنبية مجهولة او انهم من الاعراب الغرباء. وهذا الامر لا ينطبق على المالكين من الشيوخ الاصلاء والعشائر العراقية الاصيلة المعروفة بتقاليدها واماكن نفوذها وعدد افخاذها وابنائها. فهؤلاء الشيوخ تربطهم بأبناء عشائرهم اواصر القربى والمصاهرة والجرش... والممتدة لمئات السنين لا سيما في ميسان وواسط وغيرهما من المناطق الجنوبية. نعم، قد يحدث ظلم هنا او هناك كما هو الحال في كل انحاء العالم وقتذاك، الا ان هذا الامر، لا ينفي اصالتهم وعراقتهم، ولا يصيرهم كالعوائل الاجنبية الطارئة على الجنوب العراقي باية حال. نعم، فنّد الدكتور علي الوردي هذا الادعاء, ودحض هذه النسبة ـ نسبة الاهزوجة الى طالب النقيب ـ مشيرا الى انها تخص أحد شيوخ الإقطاع في الكوت، وليس السيد طالب النقيب.
يتبع..

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي