رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 6 نيسان( ابريل ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2410

طائفية ساسة العراق وعنصريتهم

الأحد - 22 اذار( مارس ) 2020

رياض سعد 
(الحلقة الثالثة)
(طالب النقيب)
النقاش في هذه الجزئيات وهذه القصص والتفاصيل لا يخفي الحقيقة الناصعة، فمهما فندنا وابطلنا او دحضنا هذه الحادثة او تلك، تبقى سيرة هؤلاء الظالمين اشهر من نار على علم، وخذ هذه القصة لتعرف مدى ظلم وخسة هذه الشخصية: (بالرغم من كل هذه الاموال السحت التي حصل عليها طالب النقيب، والتي كان يصرفها على ملذاته الشخصية وشهواته الرخيصة. كان يقترض من الصرافين اليهود، ومما لا شك فيه انه قرض ربوي كالعادة. وكان النقيب في كثير من الاحيان يعجز او يتهرب من تسديد الديون التي بذمته لليهود, ما دعا احدهم الى ان يقيده بكمبيالة تثبت حق اليهودي وليحاسبه عليها في موسم جني التمر, ويقاضيه في المحاكم اذا امتنع عن التسديد... وكان المبلغ كبيرا، فلم يستطع طالب النقيب ان يسدده له, فراح يماطل ويؤجل, ويعده ولا يفي بوعده، عندها هدده الصراف اليهودي بتسليم الكمبيالة الى محام ليرفع دعوى ضده في المحكمة، اجابه قائلا: "لا تخف تعال ومعك الكمبيالة لأسدد المبلغ لك، فجاءه الصراف بالكمبيالة وزاره في مكتبه ينتظر تسديدها، فقال له: اين هي هذه الكمبيالة؟  فأخرجها له، فقال له السيد نقيب البصرة: ضع الكمبيالة في فمك وابلعها وامضغها جيدا، وبعد التهديد والوعيد بلعها اليهودي بصعوبة بالغة، وكاد يختنق، ورجع من طالب النقيب  بخفي حنين...!!
 ولكن نقيب البصرة السيد طالب المجرم عاد وغرق بالديون مرة اخرى، واحتاج الى فلوس الصراف اليهودي ايضا، فنادى عليه ليسعفه بمبلغ جديد، استدعاه الى مكتبه مرة ثانية, ووعده بأن يكتب له كمبيالة جديدة ويوقع له عليها ليسددها  له حالما تستحق، مد الصراف اليهودي يده في جيبه واخرج قطعة ملفوفة من قمر الدين وقال له: طالب جلبي الله يحفظك هذه المرة اكتب الكمبيالة على صفحة من قمر الدين؛ حتى استطيع هضمها وبلعها بسهولة...، فضحك الحاضرون واستأنسوا بمقال اليهودي ...!!!".
والعجيب ان احدهم يعلق على هذه الحادثة بقوله: "وكانت ايام خير، بخيرها وبمساوئها....."، فهذا المنكوس الطائفي واللئيم العنصري وامثاله، كالأعور الذي يرى بعين واحدة، فهذه الشرذمة الاجرامية واتباعها المرضى كانوا يرون امثال هذه المظالم طرفة للضحك ليس الا، وكما قيل اذا عرف السبب بطل العجب، فهؤلاء السراق النصابون والعملاء الفاسدون والقتلة المجرمون، كانوا يستمتعون بقتل الناس الابرياء وسحل المواطنين العزل في الشوارع، ويضحكون عند سماع صياح المراهقين وصراخ النساء اللاتي يتعرضن للتعذيب، بالطبع سيعدون امثال هذه الجرائم نكتا وطرفا جميلة. اضحكوا ايها السادة اضحكوا، فشر البلية ما يضحك..!!
ومن المعروف عنه ايضا، انه كان يفرض الاتاوات على اصحاب الدكاكين وخاصة اليهود، والا قتلوا ليلا مع عائلاتهم..!!!
وكالعادة انبرى وعاظ السلاطين وكتبة الخط المنكوس ومداحي الفرقة المارقة والعصابة الظالمة الى تسويغ هذا السلوك الفاسد الاجرامي والجائر بحق العراقيين بقولهم: "والسبب انه مضياف وكريم وحين ينفد عنده المال، ينتزع المال بالقوة من الاغنياء الخاملين ... !!!".
ولنرجع الان الى صلب الموضوع لنتعرف الى طائفية طالب النقيب بصورة جلية؛ اذ يروى أن قاضيا أسود البشرة من عبيد السيد طالب النقيب في البصرة، جاء نقلا الى السماوة، أيام الحكم الملكي في العراق, وكان هذا القاضي سنياً، إلا أنه ليس كباقي سنة العراق النبلاء، بل كان طائفيا، يحمل الحقد والضغينة لأخوته الشيعة؛ فهذا الجرو من ذاك الكلب, ولعله من اعراب نجد او من زنوج الحجاز، الذين نشأوا نشأة طائفية حقيرة في ربوع عائلة النقيب التي دنست ارض الجنوب العراقي بقذاراتها الطائفية. ليت شعري حتى العبيد سادوا في العراق وفقا للمنهج المنكوس الذي صير الاحرار عبيدا والاصلاء دخلاء والاغنياء فقراء..! 
حدث وأن حصل خلاف بين مجموعة من بيت الامامي حول ملك لهم. وبيت الإمامي عائلة سنية سكنت السماوة، والذين  عاشوا بضعة عقود من الزمن بوئام ومحبة مع أهلها الشيعة, بعد الخلاف الذي ذكرناه في بيت الإمامي، وجد هذا البيت نفسه في ساحة القضاء أمام ذلك القاضي الاسود الطائفي, قبل البدء بالمرافعة، تصرف هذا القاضي تصرفا غريبا؛ إذ طرد جميع من في المحكمة ـ حتى كاتب الضبط ـ خارج غرفة المحكمة، وأغلق بابها بالمفتاح. وانفرد بالمتقاضين من آل الإمامي وحسب؛ وراح يكيل السباب والشتيمة للشيعة، ناصحا آل الإمامي بألا يتشاجروا مرة ثانية أمام الشيعة، وأن لا يتقاضوا بعلمهم وسمعهم، لكي لا يشمتوا بهم, وأن يكونوا أقوياء أمامهم، وما شجارهم هذا إلا إضعاف لهم أمام الشيعة, وراح يكيل الشتائم من الوزن الثقيل للشيعة!
ولهذه القصة تكملة طويلة وهي تعرف بقصة (فليح ال محل)، وتم طرد هذا القاضي الطائفي بالتهديد من السماوة وولّى هاربا آنذاك من غير رجعة. 
واما سيد هذا القاضي الاسود؛ فمثله اسود القلب, اذ لم يكتف طالب النقيب بممارسة الطائفية في العراق، بل اتسعت  حركته المعادية للشيعة، واخذت بعداً إقليمياً أكبر مما يتصوره الكثيرون، والشواهد التاريخية التالية تتحدث عن دور طالب النقيب في ضرب التشيع في الاحساء؛ اذ ذكر محمد المسلم في كتابه: (ساحل الذهب الأسود)، ص 203/ 204. ان سبب اقالة طالب النقيب هو خلافه مع ابن جمعة... وقال: "ويصفون السيد طالب بأنه كان طاغيا مستبدا، حدثني المرحوم والدي، ان الصدفة جمعته ـ أي طالب ـ  بمنصور باشا بن جمعة في الباخرة وهو قادم في طريقه لهذه المنطقة، فتحدث معه في مختلف الشؤون، وكان طالب في اثناء حديثه يظهر اعتداده بنفسه، ويقصّ عليه حكايات مزهوّا بفتكه وطغيانه، فسخر منه منصور باشا، وعلق على حديثه: بأنك لم تلتق برجل، فوجد عليه وأضمرها في نفسه، فلما قدم إلى القطيف وجد الفرصة مهيّأة للانتقام منه، فانتهز فرصة غيابه، فقبض على أخيه ـ عبد الحسين ـ واعتقله، ثم عمد إلى قصوره فهدمها، وساعدته الظروف إذ كانت البلاد في ذلك الوقت متفرقة إلى شيع وأحزاب، وحين وصل خبر النكبة لمنصور باشا، اتصل بالباب العالي، ورفع قضيته للدوائر العليا، واستصدر أمرا بعزل السيد طالب باشا النقيب، وكان ابن جمعة في وقته ابرز شخصية مقربة للدولة العثمانية في القطيف". 
أما حمزة الحسن في كتابه: (الشيعة في السعودية )، فيذكر عن توجه طالب النقيب لمحاربة التمرد البدوي في الإحساء: (لم يبق طالب في منصبه سوى عامين، من شهر ربيع الاول 1320هـ  حتى ربيع الاول 1322هـ  الموافق لشهر يونيو/ حزيران 1904..  ففي هذا الشهر قدم استقالته، بسبب (دواعي صحيّة)، أو كما تشير بعض المصادر إلى انه أُجبر على الاستقالة لخلافه مع المرحوم منصور بن جمعة الذي استصدر امرا بإقالته من السلطان عبد الحميد، وقد سافر طالب إلى عاصمة الخلافة ليقدم تقريرا عن مهمته (وصلت للإنجليز نسخة من التقرير عبر طالب نفسه!) ويحوي التقرير اقتراحات لمحاربة حركة التشيّع وانتشاره بين القبائل العراقية). الوثيقة رقم (( FO. 416 / 20 )) من: السير ن. اوكنور، السفير البريطاني في القسطنطينية  بتاريخ 26 / 8 / 1904 ((رقم 684 ـ سري جدا)) إلى: الماركيز لانزدون، وزير الخارجية.
ويحوي تقرير طالب التالي: (ان الجزء الاكبر والأهم من شعب العراق تخلّى عن عقيدته السنيّة وتحوّل إلى الهرطقة الشيعية! بسبب جهود المجتهدين وعلماء الفقه. ولذا يتوجب على الحكومة الامبراطورية العثمانية ان تطرد هؤلاء من المراكز الدينية ـ مشهد / النجف، وكربلاء.. ثم يقترح مشروعا توطينا للبدو، ومعاملتهم بشكل حسن، حتى لا يتحوّلوا إلى المذهب الشيعي بسبب الظلم.. الخ).
كل العالم الان يعرف القاصي والداني ان هذه الشرذمة تمتهن الكذب والدجل والتدليس ابا عن جد, بل ان احفادهم أسوأ منهم, فأغلب تقاريرهم كاذبة واساليبهم الماكرة اضحت لا تنطلي على خبير, فأنظر الى التناقض في هذا التقرير فهو يربط بين الاكثرية والاغلبية وبين البدو ... ما علاقة الاغلبية العراقية المعروفة منذ القدم، بالتعرب والاعراب والبدو؟؟!! فهؤلاء الذين يخاف عليهم طالب النقيب من التشيع ليسوا اصلا عراقيين, بل هم من البدو كما يقول وهؤلاء هجراتهم الى اطراف العراق معروفة, وبما انهم يهاجرون الى المدن والقرى والفيافي الشيعية فالنتيجة المنطقية ان هؤلاء بمرور الزمن يتحولون الى مذهب الاغلبية اهل الارض واصحاب البلد، فمن عاشر القوم اربعين عاما صار منهم. وان كنتُ استبعد تشيع الاعراب لان التشيع العراقي يعارض ويضاد التعرب النجدي والحجازي جملة وتفصيلا، لذلك ترى الد اعداء الشيعة هم اعراب نجد الوهابية، ومن المعروف عنهم بغضهم الشديد للإمام علي، وترك تمجيده ومدحه. نعم، قد يتشيع الاعرابي والبدوي في حال هجره للبادية، وتركه للحل والترحال المستمر والاستقرار في القرى والمدن الشيعية العراقية او ان يرعى في المناطق العشبية القريبة منهما, واغلب الذين بقوا على مذهبهم السلطوي، ولم ينخرطوا في صفوف الاغلبية العراقية في الجنوب هم مرتبطون بالحكومات الطائفية، بل والاقليمية كموظفين وعيون وجواسيس للسلطة على الاغلبية هناك. 
وما اشبه اليوم بالبارحة؛ اجدادهم بالأمس وهم اليوم؛ وكما قال شاعرنا ابو الطيب العراقي: 
مات في البرية كلبٌ ... فاسترحنا من عواه
خلف الملعون جروا ... فاق بالنبح اباه
بالامس القريب تبرع الغريب طالب النقيب للقضاء على شيعة الحجاز، واليوم هب فدائيو صدام وازلامه المجرمون وشمروا عن ساعد الجد - بعد سقوط النظام الطائفي العنصري -، لنقل خبراتهم الاجرامية ووسائلهم الارهابية لدعم السلطات الغاشمة في البحرين وغيرها, والتي تحتاج اليهم في تعذيب شيعة الامام علي من المسلمين والاحرار الوطنيين؛ اذ جرت عمليات تجنيس واسعة  للبعثيين من بقايا فدائيي صدام والاجهزة القمعية - وهم مجموعة من الوحوش الذين تشربوا الأحقاد والضغائن ضد البشرية،- وجعلهم ماكنة تعذيب لاستئصال سكان البحرين الاصلاء ..., حيث قدر الذين منحوا الجنسية البحرينية من فدائيي صدام المقبور بنحو 25 ألفا؛ وهذا رقم كبير قياسا بنسبة السكان هناك! 
ومهمة هؤلاء البعثيين قمع الشيعة وضربهم بيد من حديد، بل وتعذيبهم بشتى طرق التعذيب الصدامية البعثية, ومعاملتهم  مثلما كانوا يعاملون شيعة العراق! 
والسبب الذي دعا النظام البحريني للاستعانة بهؤلاء الضباع معرفتهم بسمعتهم سيئة الصيت؛ اذ ان قلوبهم خالية من الرحمة تماما, فهم فاقدوا الانسانية ومعدومو الضمير والوجدان, ولا يعترفون بحقوق الانسان. ويعرفون كيف يسحقون الانسان ويدمرون حياته ويجعلونه جسدا هامدا بلا روح او احاسيس او مشاعر. كما علمهم المجرم الجلاد صدام؛ فطالما ردد صدام في اجتماعاته الحزبية مع اصدقائه ورفاقه المقربين، انه اذ حكم العراق سيقوم بتحويله الى جمهورية ستالينية؛ الا انه عاد وغير رأيه في قاعة الخلد قائلا: (لا نحتاج اسلوب ستالين في مواجهة الخونة انما نحتاج الاسلوب البعثي في مواجهة الخونة)؛ اذ لم يكتف المجرم صدام بالإرث الستاليني الرهيب في كيفية الاجرام والتعذيب وممارسة القمع والقتل؛ بل راح يخترع اسلوبا جديدا في التعذيب والارهاب والاجرام والقتل والبطش يفوق اسلوب ستالين رعبا وألما وعذابا وخسة ونذالة وغدرا، واسماه الاسلوب البعثي وهو اسم على مسمى.
المصادر: 
1- ذاكرة البصرة - زيارة الى قصر طالب باشا النقيب/ كتابة وعدسة: محمد سهيل احمد.
2- كمبيالات النقيب/  اذاعة العراق الحر/ خالد القشطيني.
3- تاريخ الوزارات العراقية/ عبد الرزاق الحسني.
4- القبيلة والسياسة في العراق الملكي والجمهوري/ صادق الطائي.
5- كتاب حكم الشيخ خزعل في عربستان/ تأليف مصطفى النجار.
6- قليلا من غيرة (فليح آل محل) يا بعض قوى الائتلاف الوطني العراقي/ زهير الزبيدي.
7- حينما يتفوّقُ الانسان على الحرباء/ جواد غلوم.
8- أول رئيس للوزراء في حياته الخاصة نقيب بغداد وهوس النظافة/ رفعة عبد الرزاق محمد.
9- كتاب طالب باشا النقيب البصري/ حسين هادي الشلاه. 
10- طالب النقيب وطموحاته لاعتلاء عرش العراق/ صباح كريم الفتلاوي وعبد العظيم عباس نصار. 
11- كتاب قلائد الجواهر/ التادفي الحنبلي. 
انتهت الحلقة الثالثة

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي